• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

حين يكون الصمتُ خُلُقًا… لا ضعفًا

فاطمة حسن / الأربعاء 22 نيسان 2026 / تربية / 621
شارك الموضوع :

جوهر المسألة: ليس كل ما نشعر به يجب أن نقوله، وليس كل ما يُقال لنا يستحق ردًا

في زمنٍ تتسارع فيه ردود الأفعال أكثر من التفكير، وتُقاس فيه قوة الإنسان بحدة لسانه لا بعمق وعيه، أصبح من السهل أن ننزلق إلى دائرة “التعامل بالمثل”، تلك الدائرة التي تبرر لنا أن نرد الإساءة بالإساءة، وأن نُخرج أسوأ ما فينا بحجة أن الآخر هو من بدأ، كثيرًا ما نسمع العبارة الشائعة: “هم يستفزونك ليُظهروا حقيقتك”، فنقع في الفخ دون أن ندرك أن ما يظهر ليس حقيقتنا، بل لحظة ضعفنا.

في إحدى المحاضرات التي تناولت أساليب التعامل وضبط السلوك، طُرحت فكرة التعامل بالمثل كاستراتيجية شائعة، لكنها في الواقع سيفٌ ذو حدّين. فقد تبدو منصفة في ظاهرها، لكنها تُفقد الإنسان توازنه الداخلي، وتُبعده عن قيمه التي تربّى عليها. إذ كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على نقائه إذا سمح للآخرين أن يحددوا له سلوكه؟

إن ما نعيشه اليوم من تحولات اجتماعية وثقافية جعل العلاقات الإنسانية أكثر هشاشة، حيث طغت مظاهر القوة الزائفة، وأصبحت الجرأة في الإساءة تُفسَّر على أنها شجاعة، بينما يُنظر إلى الحِلم وضبط النفس على أنهما ضعف. هذه المفاهيم المغلوطة ساهمت في انتشار “ثقافة الغاب”، حيث يسود من يرفع صوته أكثر، لا من يملك حجةً أقوى. وغاب العقل في كثير من الأحيان، ليحل محله الانفعال، مدفوعًا بجهلٍ متراكم وسلوكٍ جمعي ينساق دون وعي.

لكن حين نعود إلى القيم الأصيلة التي نشأنا عليها، نجد أن هناك طريقًا آخر، طريقًا لا يعتمد على رد الإساءة بمثلها، بل على الارتقاء فوقها. وقد تجلّى هذا المعنى في سِيَر أهل البيت (عليهم السلام)، الذين قدّموا نموذجًا فريدًا في التعامل مع الإساءات. فقد رُوي أن أحدهم تعمّد استفزاز الإمام، طمعًا في أن يخرج منه ما يُدينه أمام الناس، إلا أن جواب الإمام كان درسًا خالدًا في ضبط النفس: “لو خرجت منك عشر كلمات، لم تسمع مني كلمة”. لم يكن ذلك عجزًا عن الرد، بل قدرةٌ على التحكم، وقوةٌ في الامتناع.

هذا النهج لا يُطلب من الإنسان أن يكون مثاليًا بلا مشاعر، بل أن يكون واعيًا بمشاعره، قادرًا على توجيهها لا أن يكون أسيرًا لها. فكم من مرةٍ اندفعنا في الرد، ثم جلسنا مع أنفسنا نلومها ونقول: “هذا ليس أنا”. تلك اللحظة من التأنيب ليست ضعفًا، بل دليل على أن في داخلنا بوصلةً أخلاقية لا تزال تعمل، وتُحاول إعادتنا إلى المسار الصحيح.

وهنا تأتي أهمية التذكير الدائم بما ورد في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة:

“إنَّ لسانَ المؤمنِ من وراء قلبِهِ، وإنَّ قلبَ المنافقِ من وراء لسانِهِ؛ لأنَّ المؤمنَ إذا أراد أن يتكلم بكلامٍ تدبَّره في نفسه، فإن كان خيرًا أبداه، وإن كان شرًّا واراه…”.

هذا القول يلخّص جوهر المسألة: ليس كل ما نشعر به يجب أن نقوله، وليس كل ما يُقال لنا يستحق ردًا.

إن ضبط النفس في لحظات الاستفزاز هو شكلٌ من أشكال القوة التي لا تُرى، لكنها تُبنى مع الوقت. هو اختيارٌ واعٍ بأن لا نسمح للآخر أن يُعيد تشكيلنا وفق انفعالاته. فالعلاقات الحقيقية لا تُبنى على ردود الأفعال، بل على الثبات في القيم، حتى عندما يتخلى الآخر عنها.

ولعل أهم ما يمكن أن نمارسه في هذا السياق هو المصارحة الصادقة مع النفس؛ أن نعترف بأخطائنا حين نخطئ، وأن نعتذر لأنفسنا قبل أن نعتذر للآخرين، وأن نستغفر حين ننزلق، لا لنجلد ذواتنا، بل لنُعيد بناءها. فالتغيير لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر وعيٍ مستمر، ومحاولات متكررة للتمسك بما نؤمن به.

في النهاية، ليس المطلوب أن نكون بلا رد، بل أن نختار ردودنا بعناية. أن نُدرك أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأن الحِلم ليس ضعفًا، بل سيطرة. أن نحافظ على إنسانيتنا في عالمٍ يحاول أن يجرّنا إلى عكس ذلك. لأن القيمة الحقيقية للإنسان لا تظهر في لحظات الهدوء، بل في لحظات الاستفزاز، حين يختار أن يكون أفضل مما يُراد له أن يكون.

الاخلاق
اهل البيت
الانسان
المجتمع
السلوك
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    من النداء إلى النور… سُلَّم الروح في دعاء الإمام زين العابدين

    من النداء إلى النور… سُلَّم الروح في دعاء الإمام زين العابدين

    الأثنين 04 آيار 2026/
    السيدة فاطمة الزهراء… العالِمة التي غُيّبت مروياتها

    السيدة فاطمة الزهراء… العالِمة التي غُيّبت مروياتها

    الأربعاء 26 تشرين الثاني 2025/
    الإمام الصادق.. بين المحنة وصناعة المستقبل

    الإمام الصادق.. بين المحنة وصناعة المستقبل

    الأحد 14 ايلول 2025/
    نور المحبة وميزان القلوب

    نور المحبة وميزان القلوب

    الثلاثاء 02 ايلول 2025/
    من عبق الطريق إلى كربلاء

    من عبق الطريق إلى كربلاء

    الأحد 10 آب 2025/
    الإمام الرضا: حارس العقيدة ومجدد الوعي في وجه الانحراف الفكري

    الإمام الرضا: حارس العقيدة ومجدد الوعي في وجه الانحراف الفكري

    الأحد 11 آيار 2025/

    آخر الاضافات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    كيف يتحقق السلام الداخلي؟

    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض

    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟

    ظاهرة المؤثرين: تحليل للدور الحقيقي والتأثير على المجتمع

    الكمأة.. ثروة طبيعية تجمع بين القيمة الغذائية والفخامة

    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك

    الإدارة والقيادة الذاتية وأثرهما في حياة الفرد

    آخر القراءات

    مِحرابُ الشَّهادةِ وَيُتْمُ العَدالة: قراءةٌ في كَونِيَّةِ الرَّحيلِ العَلَويّ

    النشر : الثلاثاء 10 آذار 2026
    اخر قراءة : منذ 47 دقيقة

    الرؤية الاستراتيجية للتنمية الاجتماعية في "نهج البلاغة"

    النشر : الأربعاء 26 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 47 دقيقة

    الاحتيال المالي يتفاقم.. هل تستطيع البنوك الصمود بمفردها؟

    النشر : الأحد 22 كانون الأول 2024
    اخر قراءة : منذ 47 دقيقة

    ظواهر.. الثقافة الحيوانية

    النشر : الثلاثاء 13 حزيران 2023
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    قوم عاد والحضارة المفقودة

    النشر : الأحد 02 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    طريقة الشحن وواق الشاشة.. تعرَّف على كيفية حماية هاتفك الذكي من التلف

    النشر : الثلاثاء 18 تموز 2017
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    في رحاب اسم الله الهادي

    • 330 مشاهدات

    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح

    • 326 مشاهدات

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    • 317 مشاهدات

    حين تتحول رياضة الأطفال من وسيلة للمتعة إلى مصدر للضغط والقلق

    • 314 مشاهدات

    طرق بسيطة لتخفيف حرقة المعدة في المنزل وتجنب تكرارها

    • 303 مشاهدات

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    • 301 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1136 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1104 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1044 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 987 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 750 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 656 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات
    • منذ 21 ساعة
    كيف يتحقق السلام الداخلي؟
    • منذ 21 ساعة
    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض
    • منذ 21 ساعة
    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟
    • الأربعاء 16 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة