في عتمة الليل وسكونه، حين يهدأ ضجيج العالم وتتوارى صراعاته خلف أستار الصمت، تعصف بنا رياح الذكريات لتعيدنا إلى تلك الجلسات الدافئة التي جمعتنا تحت لواء الحب والضحك؛ هناك، كانت "الجدة" هي قائدة تلك الحضرة، تتقمص دور "الحكواتي" بإتقانٍ مذهل، تسرد لنا الحكايا التي تجعلنا نبكي فرحاً، وتراقب أصوات ضحكاتنا بابتسامةٍ فخورة، وكأنها موسوعة بشرية لا تنفد قصصها ولا تشيخ مفرداتها، كانت لفرط حبها، تخترع لنا الحكايا من العدم، تبتكر عوالم خيالية لتُرضي شغفنا الصغير، وبينما كان التفافنا الصاخب حولها يرهق جسدها الناحل، كان احتواؤها لنا ينسيها كل تعب، فهي لم تكن مجرد جدة، بل كانت وطناً صغيراً نلجأ إليه كلما اشتد بنا الحزن، فنلوذ بذكرياتها التي بقيت لنا إرثاً وحيداً يقينا برد الغربة والضياع.
إن رعاية الجدات واحتواؤهن ودعواتهن العفوية النابعة من قلبٍ صادق، تشعرنا بأن أبواب السماء مفتوحة دائماً أمام فيض حنانهن، فتلك الأيادي المتجعدة التي لم تزدها السنون إلا بركة، تخبرنا بصمت عن قساوة الحياة ومرارتها، لكن ملمسها الناعم كان يذكرنا دائماً بأن هناك "لطائف خفية" تتلقفنا في عثراتنا، ولطالما تساءلت في دهشة الصغار: لماذا تفيض الجدات بكل هذا الحنان؟ وهو سؤالٌ قد لا نجد له جواباً شافياً في قواميس البشر، لكن إجابة جدتي كانت دائماً تكمن في فلسفتها الخاصة: "الحفيد أغلى من الولد يا عزيزي.. أنت الدواء لكل داء، وأنت البسمة التي رُسمت على وجهي بعد طول عناء".
تُعدُّ مدرسة الجدات الفلسفة الأولى التي لا تضاهيها أعرق المناهج، فهي مدرسةٌ لا تُلقن دروساً جافة، بل تغرس حياةً كاملة في وجداننا، وتُعلمنا بكلماتٍ بسيطة أن القيمة الحقيقية تكمن في بساطة الروح وفي ذلك التواضع الذي يرفع شأن صاحبه ولا ينقصه، لقد علمتنا تلك القلوب المليئة بالحكمة أن نتبنى ثقافة الاحترام كمنهج حياة، فنحترم ذواتنا ونقدر الآخرين، ونكون ملاذاً يحتوي كل من ضاقت به السبل، تماماً كما كانت أحضانهنّ ترمم انكساراتنا الخفية.
ومن فيض إيمانهنّ الفطري، تعلمنَا أن نناجي الخالق بحبٍ وثقة مطلقة، فكانت دعواتنا تخرج عفوية وصادقة، محملةً باليقين بأن الله سيحقق لنا ما نرجوه يوماً ما، ولم تقتصر دروسهنّ على السكينة فحسب، بل دفعنا للاجتهاد والسعي الدؤوب لنيل حياة كريمة، مع ضرورة التحلي بالعطف واللين؛ فكانت حياة الجدة هي المتن الحقيقي الذي يجمع بين رفعة الأخلاق وعفوية الروح، لتظل تلك الدروس هي البوصلة التي ترشدنا كلما تاهت بنا دروب الحياة المعقدة.
منذ أن رحلت، توقف الزمن في مخيلتي عند ذلك اليوم المشؤوم؛ توقفت الأسابيع والشهور، وغابت عن أرجاء البيت تلك التراتيل الروحانية التي كانت تشعرنا بالأمان في منتصف الليل، رحلت "الحكواتية"، وبقيت الحكاية ناقصة، وبقي القلب يشتاق لمقامٍ لا يعوضه أحد، ولأمانٍ سافر مع رحيلها، ليترك خلفه فراغاً لا يملؤه سوى صدى وصاياها العظيمة، ومع ذلك، يظل طيفها هو الضياء الذي نستمد منه القوة، فتلك البساطة التي زرعتها فينا، وذلك اليقين الذي علمتنا إياه، لا يزالان ينموان في أعماقنا كأشجارٍ وارفة الظلال.
إن رحيل الجدات ليس غياباً للروح، بل هو انتقالٌ لتلك الروحانية من أروقة البيوت إلى ثنايا الوجدان، لنكمل نحن الحكاية التي بدأتها هي، متمسكين بذات الطهر، وذات العفوية، وذات الحب الذي لا يشيخ، وكأننا بسورة الفاتحة وبكل دعاء نرفعه للسماء، نصل حبل الود الذي لم ينقطع ولن ينقطع أبداً.




اضافةتعليق
التعليقات