• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

تراتيل الحنين: في حضرة الجدة "قائدة الضحك" ومرسى الأمان

غدير الصفار / الثلاثاء 05 آيار 2026 / تربية / 624
شارك الموضوع :

رحيل الجدات ليس غياباً للروح، بل هو انتقالٌ لتلك الروحانية من أروقة البيوت إلى ثنايا الوجدان

في عتمة الليل وسكونه، حين يهدأ ضجيج العالم وتتوارى صراعاته خلف أستار الصمت، تعصف بنا رياح الذكريات لتعيدنا إلى تلك الجلسات الدافئة التي جمعتنا تحت لواء الحب والضحك؛ هناك، كانت "الجدة" هي قائدة تلك الحضرة، تتقمص دور "الحكواتي" بإتقانٍ مذهل، تسرد لنا الحكايا التي تجعلنا نبكي فرحاً، وتراقب أصوات ضحكاتنا بابتسامةٍ فخورة، وكأنها موسوعة بشرية لا تنفد قصصها ولا تشيخ مفرداتها، كانت لفرط حبها، تخترع لنا الحكايا من العدم، تبتكر عوالم خيالية لتُرضي شغفنا الصغير، وبينما كان التفافنا الصاخب حولها يرهق جسدها الناحل، كان احتواؤها لنا ينسيها كل تعب، فهي لم تكن مجرد جدة، بل كانت وطناً صغيراً نلجأ إليه كلما اشتد بنا الحزن، فنلوذ بذكرياتها التي بقيت لنا إرثاً وحيداً يقينا برد الغربة والضياع.

إن رعاية الجدات واحتواؤهن ودعواتهن العفوية النابعة من قلبٍ صادق، تشعرنا بأن أبواب السماء مفتوحة دائماً أمام فيض حنانهن، فتلك الأيادي المتجعدة التي لم تزدها السنون إلا بركة، تخبرنا بصمت عن قساوة الحياة ومرارتها، لكن ملمسها الناعم كان يذكرنا دائماً بأن هناك "لطائف خفية" تتلقفنا في عثراتنا، ولطالما تساءلت في دهشة الصغار: لماذا تفيض الجدات بكل هذا الحنان؟ وهو سؤالٌ قد لا نجد له جواباً شافياً في قواميس البشر، لكن إجابة جدتي كانت دائماً تكمن في فلسفتها الخاصة: "الحفيد أغلى من الولد يا عزيزي.. أنت الدواء لكل داء، وأنت البسمة التي رُسمت على وجهي بعد طول عناء".

تُعدُّ مدرسة الجدات الفلسفة الأولى التي لا تضاهيها أعرق المناهج، فهي مدرسةٌ لا تُلقن دروساً جافة، بل تغرس حياةً كاملة في وجداننا، وتُعلمنا بكلماتٍ بسيطة أن القيمة الحقيقية تكمن في بساطة الروح وفي ذلك التواضع الذي يرفع شأن صاحبه ولا ينقصه، لقد علمتنا تلك القلوب المليئة بالحكمة أن نتبنى ثقافة الاحترام كمنهج حياة، فنحترم ذواتنا ونقدر الآخرين، ونكون ملاذاً يحتوي كل من ضاقت به السبل، تماماً كما كانت أحضانهنّ ترمم انكساراتنا الخفية.

ومن فيض إيمانهنّ الفطري، تعلمنَا أن نناجي الخالق بحبٍ وثقة مطلقة، فكانت دعواتنا تخرج عفوية وصادقة، محملةً باليقين بأن الله سيحقق لنا ما نرجوه يوماً ما، ولم تقتصر دروسهنّ على السكينة فحسب، بل دفعنا للاجتهاد والسعي الدؤوب لنيل حياة كريمة، مع ضرورة التحلي بالعطف واللين؛ فكانت حياة الجدة هي المتن الحقيقي الذي يجمع بين رفعة الأخلاق وعفوية الروح، لتظل تلك الدروس هي البوصلة التي ترشدنا كلما تاهت بنا دروب الحياة المعقدة.

منذ أن رحلت، توقف الزمن في مخيلتي عند ذلك اليوم المشؤوم؛ توقفت الأسابيع والشهور، وغابت عن أرجاء البيت تلك التراتيل الروحانية التي كانت تشعرنا بالأمان في منتصف الليل، رحلت "الحكواتية"، وبقيت الحكاية ناقصة، وبقي القلب يشتاق لمقامٍ لا يعوضه أحد، ولأمانٍ سافر مع رحيلها، ليترك خلفه فراغاً لا يملؤه سوى صدى وصاياها العظيمة، ومع ذلك، يظل طيفها هو الضياء الذي نستمد منه القوة، فتلك البساطة التي زرعتها فينا، وذلك اليقين الذي علمتنا إياه، لا يزالان ينموان في أعماقنا كأشجارٍ وارفة الظلال.

إن رحيل الجدات ليس غياباً للروح، بل هو انتقالٌ لتلك الروحانية من أروقة البيوت إلى ثنايا الوجدان، لنكمل نحن الحكاية التي بدأتها هي، متمسكين بذات الطهر، وذات العفوية، وذات الحب الذي لا يشيخ، وكأننا بسورة الفاتحة وبكل دعاء نرفعه للسماء، نصل حبل الود الذي لم ينقطع ولن ينقطع أبداً.

القيم
الماضي
الابناء
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    قارب الكلمات.. هل لوعودهم تاريخ انتهاء؟

    قارب الكلمات.. هل لوعودهم تاريخ انتهاء؟

    الخميس 02 نيسان 2026/
    غذاؤك في رمضان.. بوصلة نشاطك

    غذاؤك في رمضان.. بوصلة نشاطك

    السبت 14 آذار 2026/

    آخر الاضافات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)

    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا

    كيف نتعامل مع الكمالية؟

    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الصاحب ساحب... حين تصنع الصداقة مصير الإنسان

    التعلّم النشط: أساليب تصنع المشاركة والإبداع

    هل تكشف ملامح الوجه عن نقص الحديد في الجسم؟

    آخر القراءات

    امضِ قدما نحو سلم النجاح

    النشر : السبت 08 نيسان 2017
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    الشخص العدواني: كيف يمكن أن نتعامل مع سلبية هذه الشخصية؟

    النشر : الثلاثاء 30 تشرين الثاني 2021
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    إملأ الفراغات التالية...

    النشر : الثلاثاء 02 نيسان 2019
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    ما هي كمية الخبز المسموح بتناولها يوميا؟

    النشر : الثلاثاء 12 ايلول 2023
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    نصائح لإدارة الوقت بشكل منظم وفعال

    النشر : السبت 21 آيار 2022
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    أهم النشاطات التي تزيد من قدرات طفلك العقلية

    النشر : الأحد 02 كانون الثاني 2022
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    من يملك وقتك؟

    • 532 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 491 مشاهدات

    تورّم القدمين وانتفاخ الجسم.. متى يصبح احتباس السوائل مؤشراً للخطر؟

    • 333 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. الشاهد الأول والضحية الأولى لأحداث السقيفة

    • 330 مشاهدات

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    • 329 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. رائدة الثورة وشهيدة الولاية

    • 324 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1573 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1173 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1027 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 801 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 719 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 554 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)
    • منذ 6 ساعة
    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا
    • منذ 6 ساعة
    كيف نتعامل مع الكمالية؟
    • منذ 6 ساعة
    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام
    • منذ 6 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة