في عالمٍ يظنّ كثيرون أن فقدان البصر نهايةٌ للأحلام، تقف زهراء حسين جبار شاهدةً على حقيقةٍ مختلفة؛ حقيقة أن الإرادة قادرة على تحويل التحديات إلى جسورٍ نحو النجاح. فقد استطاعت هذه الفتاة المكافحة أن تتجاوز عتمة الإعاقة لتصنع لنفسها مكانةً متميزة في الدراسة والقراءة والكتابة، محققةً مراكز متقدمة على مستوى العراق، وحاملةً في قلبها طموحاتٍ أكاديمية وأدبية كبيرة. في هذا الحوار، تفتح زهراء نافذةً على تجربتها الإنسانية الملهمة، لتحدثنا عن رحلتها مع فقدان البصر، وعشقها للكتب، وشغفها بالكتابة، وأحلامها التي لا تعرف المستحيل.
بدايةً، كيف تصفين رحلتكِ مع فقدان البصر؟ ومتى أدركتِ أن هذا التحدي لن يمنعكِ من التميز؟
كانت رحلةً معقدةً، مسالكها شائكة ومحفوفة بالصعوبات، في عالمٍ لم أعرف فيه سوى محبة أسرتي لي والظلام، حيث لا دراسة ولا حتى لعب كسائر الأطفال. وأدركتُ أن هذا التحدي يمكن أن يكون منطلقاً للتميز والإبداع، ووسيلةً لاستثمار الإعاقة كأملٍ لا كألم، حين التحقتُ بالدراسة في معهد نور الإمام الحسين (عليه السلام) للمكفوفين وضعاف البصر بتاريخ 12 حزيران 2019.
كنتِ من الأوائل على مستوى العراق في المرحلة الابتدائية، ما سر هذا التفوق رغم الصعوبات؟
حصدتُ المركز الأول على مستوى العراق في الامتحانات الوزارية للمرحلة الابتدائية نتيجة التوكل على الله وحسن الظن به جلّ وعلا، ويُضاف إلى ذلك الدعم المتواصل من أساتذتي وتشجيع أسرتي لي على الاجتهاد وعدم الاستسلام لضعفي.
حصولكِ على معدل (98) في الثالث المتوسط إنجاز لافت، كيف كان نظامكِ الدراسي؟ وما الأدوات التي اعتمدتِ عليها؟
في الصف الثالث المتوسط بدأتُ بتنظيم جدول دراسي والتحضير للامتحانات التمهيدية بمساعدة أختي الصغيرة، واصطنعتُ لنفسي مدرسةً افتراضيةً داخل المنزل. واعتمدتُ على هاتفي المحمول ومنصة يوتيوب والتسجيلات الصوتية التي كان يرسلها لي أصدقائي المبصرون لمساعدتي. ولا أنسى كيف كانت أختي تصف لي طبيعة المعادلات الكيميائية وتشرح المسائل العلمية بالرسم على يدي بكل صبرٍ ودون كلل.
كيف تتعاملين مع المناهج الدراسية؟ وهل تواجهين صعوبات في الحصول على المصادر المناسبة؟
لا أبالي بصعوبة المناهج الدراسية، وأتعامل مع الدراسة بصبرٍ؛ لأنني أراها الوسيلة لتحطيم أصفاد العجز التي طالما قيّدت روحي أمام محاولات إثبات ذاتي. نعم، واجهتُ صعوباتٍ في السابق، لكن التطور التكنولوجي سهّل عليّ الكثير، وأصبح الوصول إلى المصادر الدراسية أكثر يسراً.
ما دور الأسرة والمعلمين في دعمكِ خلال رحلتكِ التعليمية؟
لعائلتي دورٌ كبير في مسيرتي العلمية، من خلال الدعم المعنوي والفرح بإنجازاتي وحثّي على تقديم المزيد. كما كان لأساتذتي عظيم الأثر في رحلتي؛ إذ كانوا أشبه بالقناديل التي تبدد ظلام عجزي وتستبدله بنور العلم، فهم الجسر الذي عبرتُ من خلاله مسالك المصاعب إلى قمم التفوق.
هل شعرتِ يوماً أن المجتمع لا يفهم قدراتكِ الحقيقية؟ وكيف تعاملتِ مع ذلك؟
نعم، كثيراً ما شعرتُ بذلك. وغالباً ما كنتُ أصمت، لا عجزاً أو إحباطاً، بل لأنني كنت أترك الرد لأفعالي وما أستطيع تحقيقه من إنجاز، مهما بدا بسيطاً أو ضئيلاً.
أنتِ قارئة نهمة، ما نوع الكتب التي تجذبكِ أكثر؟
أميل إلى الكتب التي تحث على التعافي من الأسى وإعادة بناء الذات بعد الانكسار، كما تجذبني الكتب التي تتناول بيولوجيا الإنسان، وكذلك الكتب التي تناقش مسألة وجود الله.
ومن هم الكتّاب الذين أثروا فيكِ؟
من أكثر الكتّاب تأثيراً في نفسي الدكتور مصطفى محمود، والكاتب أدهم شرقاوي.
كيف تصفين علاقتكِ مع القراءة رغم أنكِ لا ترين بعينيكِ؟
علاقتي بالقراءة كعلاقة الإنسان بعينيه؛ لأنها كانت أشبه بالمرآة التي تعكس لقلبي ما لم تستطع رؤيته عيناي. فمن خلال الكتب خضتُ رحلاتٍ عبرت بها حدود عالمي، وكانت السطور بمثابة القوارب التي أبحر بها إلى سالف الأزمان، وأقطع بواسطتها الحدود والبلدان.
ماذا ترى روحكِ في الكتب؟
الكتب ليست وسيلةً لتثقيف العقول فحسب، بل هي المرسى الذي ترسو عليه الأرواح المتعبة، فكم من فؤادٍ كسير تداوى في صيدلية الحروف.
لديكِ رواية لم تُنشر بعد، كيف وُلدت فكرتها؟ وما الرسالة التي تحملها؟
كنتُ أرى المشكلات التي تجتاح المجتمعات، فارتأيتُ أن أشخّص بعضاً منها وأستعرضها في رواية. أما رسالتها فهي أننا، على اختلاف معتقداتنا وتنوع قومياتنا وأعراقنا، يظل أصلنا ومنشؤنا واحداً، فلا ينبغي أن ننساق خلف الفتن ونذبح بعضنا بعضاً.
هل الكتابة بالنسبة لكِ وسيلة تعبير أم وسيلة نجاة؟
على الصعيد الاجتماعي هي وسيلة تعبير عن الرأي واستعراض مشكلات المجتمعات والحلول المقترحة لها، أما على الصعيد الفردي فهي وسيلة تعبير ونجاة في الوقت نفسه؛ لأن الكاتب حين تثقل روحه يلجأ إلى الورق ليبوح بمكنونات نفسه وينجو من عناء الكتمان.
ما أبرز التحديات التي تواجهكِ في تطوير مهاراتكِ في الكتابة؟
من أبرز التحديات التي تعيق تقدمي: المشكلات المتعلقة بسلامة اللغة العربية، وعدم توافر بعض الوسائل التي يحتاجها الكاتب لصقل مهاراته.
كيف تتدربين على تحسين أسلوبكِ الأدبي؟
من خلال تجسيد المواقف التي تترك أثراً في نفسي وكتابتها بأسلوبٍ مؤثر.
هل هناك لحظة شعرتِ فيها أن قلمكِ بدأ ينضج ويعبر عنكِ بصدق؟
مهما أبدع الكاتب وبلغ قلمه مبلغاً من النضج، فثمة أمور تجعل مداده يتلاشى ويعجز عن وصف ما يكمن في الوجدان.
كيف ترين مستقبلكِ بعد السادس الإعدادي؟ وما طموحاتكِ الأكاديمية؟
أرى نفسي طالبةً في قسم الترجمة، أعيش بين الأدب العربي والأدب الأجنبي، وأطمح إلى مواصلة مسيرتي العلمية حتى أنال شهادة الدكتوراه في هذا التخصص.
ما الحلم الذي تسعين لتحقيقه، سواء في الدراسة أو عالم الكتابة؟
أسعى إلى أن يكون صدى قلمي أداةً تخدم القيم والمبادئ، وأن يكون ترجماناً للأصوات الواهية التي أخمدها الجور.
لو أتيح لكِ أن توجهي رسالةً لنفسكِ في الماضي، ماذا ستقولين لها؟
سأخبرها بما آل إليه الحال، وأذكرها بأيام الصمود في الأوقات التي دفعتها إلى الانهيار، لكنها جابهت أعاصير اليأس كالرواسي الشامخات، حتى أبدلت بزهراء الكفيفة العاجزة في نظر محيطها زهراء أخرى يعرفها الجميع بالمثابرة والتحدي، ولأهديتها نجاحي ملفوفاً بأكاليل صبرها.
ماذا تقولين لكل فتاة تواجه ظروفاً صعبة وتشعر أن النجاح بعيد عنها؟
قد تواجهكِ تحديات وتتعثّر بكِ الخطى، ولكن عليكِ أن تدركي أننا في هذا الكون كبرادة الحديد، لا نبلغ الصلابة والقوة حتى نحترق ونمر بمراحل الانصهار. لذا انفضي عنكِ غبار اليأس وانهضي للمواجهة؛ فالحرب حربكِ، والخصم ضعفكِ، وقراركِ هو من يصنع النتيجة.
هل تؤمنين أن الإعاقة قد تتحول إلى مصدر قوة؟ وكيف؟
نعم، لأن الله خلق الإنسان بعقله، أما الحواس فهي وسائل تساعده على التكيف مع العالم الخارجي. وعند فقدان إحدى هذه الحواس يمكننا مواصلة أنشطتنا بالاعتماد على وسائل بديلة أبدعتها العقول.
ما الذي يمنحكِ الأمل في اللحظات الصعبة؟
شعوري بقرب الله تعالى، وإيماني بأنه يعلم ما يجول في خاطري، هو ما يمنحني الأمل حتى في أشد الأوقات ظلمة.
أخيراً، كيف تحبين أن يراكِ الناس؟
أسعى دائماً لأن أكون الفتاة الضريرة التي عرفت الحروف بالمشاعر والبصيرة، وصنعت منها صوتاً يعبّر عما انطوت عليه أحاسيسها، ليس في نظر الناس فحسب، بل حتى أمام ذاتها.









اضافةتعليق
التعليقات