الخطوات الأولى التي تلي النطق بالكلمات هي تلك العملية التي تتعلق بالاستماع أو بالإدراك السمعي للاضطرابات الموجية الصوتية المنقولة عن طريق وسيط وهو الهواء، ثم تعرف المخ على هذه الاضطرابات أو الذبذبات ومحاولة تفسيرها.
وتتضمن عملية الاستماع من عمليتين أساسيتين: إحداهما العملية الفسيولوجية، والثانية العملية النفسية أو السيكولوجية ولتوضيح ذلك سنعرض لما يلي:
1- العملية الفسيولوجية تتمثل العملية الفسيولوجية عندما تبدأ عملية السمع للأصوات المنطوقة أو المسموعة، حيث تدخل موجة صوتية صماخ الأذن وتصل إلى طبلة الأذن فتحركها، وبعد انتقالها عن طريق سلسلة العظام تؤثر في السائل الموجود في الأذن الداخلية بطريق تحرك أعصاب السمع، وتنقل صورة هذه الاضطرابات إلى المخ، وقد وجد بالتجربة أن الاضطرابات الناتجة عن الذبذبات ذات الدرجة المنخفضة 30 ذبذبة في الثانية مثلاً تؤثر على الشعيرات العصبية (الأعصاب الموصلة إلى منطقة الإحساس السمعي في المخ التي توجد بالقرب من القوقعة، أما الذبذبات التي تكون درجتها متوسطة 100 ذبذبة في الثانية مثلاً فإنها تؤثر على الشعيرات العصبية التي توجد وسط القناة القوقعية، أما عن الذبذبات العالية وتبلغ 10000 ذبذبة في الثانية فتؤثر على الشعيرات العصبية التي توجد في أسفل القناة القوقعية.
كما أن هذه العملية توصف بانتقال الصوت عبر الهواء نحو صيوان الأذن الذي يلتقط جميع الذبذبات الصوتية، ومن ثمة توجيهها نحو قناة الأذن الخارجية التي يبلغ طولها 4 سم، والتي منها مادة الصماخ التي إذا تراكمت في الأذن أدت إلى إعاقة السمع، وفي نهاية القناة الخارجية يوجد غشاء رقیق مهتز ويغلق القناة السمعية الخارجية إغلاقاً تاماً يسمى طبلة الأذن، و باهتزازه يتم نقل الذبذبات إلى الأذن الوسطى عن طريق ثلاث عظيمات هي:
المطرقة وتتصل بطبلة الأذن، والسندان وعظم الركاب وهذه العظيمات يربط بينها أربطة غضروفية مرنة تساعد على الاهتزاز والحركة، وتكبير الذبذبات الصوتية الواردة ودفعها نحو الأذن الداخلية ثم يتم انتقال هذه الذبذبات إلى الأذن الداخلية ومنها إلى العصب السمعي متجهة نحو الفص الصدغي الأيسر والأيمن حيث توجد مناطق الإدراك السمعي.
أي أن فسيولوجيا السمع تتم عن طريق التقاط الأذن للموجات الصوتية المنتشرة في الهواء على هيئة ذبذبات صوتية ترسلها الأذن عبر أعصاب السمع إلى المخ على هيئة شحنات كهربائية تشبه إلى حد كبير الطريقة التي يحول بها مكبر الصوت أو الهاتف الصوت إلى إشارات كهربائية.
لتبدأ عملية أخرى قوامها محاولة إدراك هذا الصوت وتفسيره، وما يحدث في أثناء إدراك الأصوات اللغوية هو عكس ذلك تماماً، إذ يكون البدء بالموجات الصوتية ويكون الانتهاء بإدراك الفونيمات؛ لأنه بعد أن تصل الموجات الصوتية إلى الأذن، تنتقل إشارات عصبية من الأذن إلى الدماغ حاملة معها الخصائص الفيزيائية لتلك الموجات من شدة وتردد، فتصل إلى المستوى الأكوستي، ثم تتخطاه إلى المستوى الفونتيكي (الصوتي)، والذي يتم فيه تحديد الصوت بناء على خصائصه الأكوستية، بعد ذلك تنتقل إلى المستوى الفونولوجي ثم إلى مستويات أعلى حيث يتم تحديد الكلمات والتراكيب النحوية والصرفية لاستخلاص الفكرة في نهاية الأمر.
ب-العملية العقلية: يرى هارمر بأن الاستماع عملية استقبال للغة المتحدثة أو اللغة المنطوقة، وتحديد معنى الرسالة اللغوية في العقل وهي عملية تتطلب من المستمع بذل مزيد من الجهد العقلي؛ لفهم الرسالة وارتباط هذا الفهم بالعديد من الأنشطة المعرفية، وتتطلب عملية الاستماع العديد من الأمور منها: (السمع أو السماع، قدرة الذاكرة، الانتباه، الشكل، البحث عن الأفكار المخزنة في الذاكرة، المقارنة، اختبار أو فحص الماعات أو إشارات الحديث الصور، تحديد المعنى، التفكير الحاذق بعد لحظة الاستماع).
وتتمثل العملية العقلية في الاستماع من خلال الاستقبال الواعي للمستمع للرسالة اللغوية، ثم نقل هذه الرسالة عبر العصب السمعي إلى المخ الإنساني، الذي يتعامل مع هذه الرسالة بشيء من التعقيد حيث يقوم بفك شفرة النص المسموع إلى دلالته وتحديد معناه؛ ثم يقوم ببناء المعنى ليقدم للسامع رسالة فورية بفحوى هذه الرسالة وما تتضمنه من معاني أو مضامين، وتتوقف كفاءة الاستماع على عدة عناصر أو متغيرات منها:
سلامة حاسة السمع لدى المستمع، يقظة المستمع الموقف الاستماع وللرسالة التي يريد المتحدث إيصالها للآخر، طبيعة موقف الاستماع ذاته، ألفة المستمع بطبيعة الموضوع مثار الاستماع، معرفة المستمع بالخصائص الأسلوبية للمتحدث، وطريقته في الحديث.
خلو موقف الاستماع من المشتتات التي قد تعيق وصول الرسالة اللغوية.
ويتطلب الاستماع الفعال قدراً كبيراً من الانتباه للرسالة المنطوقة؛ بهدف فهم الرسالة وتفسيرها، وتحديد السلوك المترتب عليها، علاوة على استرجاع المستمع لخبراته السابقة؛ لأن لها أثراً كبيراً في فهم الموضوع وتفسيره.
كما أن المستمع يمارس مجموعة من مهارات التفكير في أثناء عملية الاستماع من محاولة وضعه لتصور ذهني حول ما يقال وفهمه للنص المسموع، علاوة على نقده للمسموع والتمييز بين ما يرتبط بالنص وما لا يرتبط به، وكذا تحديده أوجه الشبه والاختلاف بين ما يُقال وما يوجد في بنيته المعرفية وإصداره الحكم حول ما يسمعه ثم تفاعله مع النص المسموع وتذوقه الجمالياته وأخيراً إعادة بناء الموضوع بما يتفق وما لديه من رصيد معرفي ومعلوماتي وخبراتي حول هذا الموضوع؛ ليبدع لنا موضوعاً جديداً، هذا الإبداع ليس إبداعاً مطلقاً أو عاماً، وإنما هو إبداع مقيد بحدود الفكرة العامة التي استنبطها المستمع من النص المسموع.








اضافةتعليق
التعليقات