يعتبر الحديث مزيج من العناصر التالية: التفكير كعمليات عقلية، واللغة كصياغة للأفكار والمشاعر في كلمات والصوت كعملية حمل للأفكار والكلمات عن طريق أصوات ملفوظة للآخرين، والحدث أو الفعل كهيئة جسمية واستجابة واستماع، فالحديث إذن هو فن نقل الاعتقادات والعواطف والاتجاهات والمعاني والأفكار والأحداث إلى المتحدث إلى الآخرين، ويعرف التحدث بأنه تكرار الطلاب المجموعة من الجمل المسموعة داخل قاعة الدرس، أو المسموعة في حوار ما، ويمكن ممارسة هذه المهارة في العديد من المجالات، منها: (تحدث الطلاب عن حياتهم الخاصة، التحدث عن الأخبار التي سمعوها، التعبير عن أفكارهم، مناقشة القضايا فيما بينهم).
كما عرف التحدث بأنه مهارة إبداعية إنتاجية تعتمد على إخراج الأصوات اللغوية وفهمها، ويتصل بذلك عدة عمليات فسيولوجية كالتنفس تذبذب أو سكون الثنايا الصوتية الموجودة في الحنجرة.
كما تعتمد على حركة اللسان الذي يشكل مع الأسنان والشفاه وسقف الحلق الصوت في صورته النهائية، والنطق ذلك يعني القدرة على إصدار الأصوات بشكل صحيح، والتحدث فن لغوي يتضمن أربعة عناصر أساسية :
1- الصوت فلا يوجد دون صوت وإلا تحولت عملية الاتصال إلى إشارات وحركات للإفهام، وهو ما لا يتفق مع المواقف الطبيعية التي فيها الاتصال أو التخاطب أو نقل الأفكار.
2- اللغة: فالصوت يحمل حروفاً وكلمات وجملاً يتم النطق بها وفهمها وليس مجرد أصوات لا مدلولات لها.
3- التفكير: فلا معنى للكلام بلا تفكير يسبقه، يكون أثناءه وإلا كان الكلام أصواتاً لا مضمون لها ولا هدف.
4- الأداء: وهو عنصر أساسي من عناصر الكلام يشير إلى الكيفية التي يتم بها الكلام من تمثيل للمعنى وحركات الرأس واليدين مما يسهم في التأثير والإقناع ويعكس المعنى المراد.
ونشير إلى أن التحدث هو عملية فسيولوجية وعقلية تتضمن نقل المعتقدات والمشاعر والأحاسيس والخبرات والمعلومات والمعارف، والأفكار، والآراء ووجهات النظر، من المتحدث إلى الآخرين المستمعين أو المخاطبين نقلاً يقع منهم موقع القبول والفهم، والتفاعل والاستجابة مع طلاقة وانسياب في النطق وصحة في التعبير وسلامة في الأداء، أو هو عملية عقلية إدراكية تتضمن دافعاً واستثارة نفسية لدى المتحدث، ثم مضموناً أو فكرة يعبر عنها، ثم نظاماً لغوياً ناقلاً لهذه الفكرة أو التصور يترجم هذه الفكرة في شكل كلام منطوق، كما أن التحدث عملية معقدة يتضمن عمليتين هما:
أولاً: العملية الفسيولوجية وتتمثل هذه العملية في استغلال هواء الزفير المنبعث من الرئة حيث يعترض هذا الهواء في أثناء صعوده في المجاري الهوائية واستغلال هذا الهواء المشبع بثاني أكسيد الكربون حيث يقوم المخ بإعطاء إشارة إلى الجهاز النطقي لدى الفرد حيث ينتج الصوت في الحنجرة وذلك بأن يحدث الهواء الخارج إلى اهتزاز الصوت في الحنجرة، حيث يؤدي الهواء الخارج إلى اهتزاز الوترين الصوتيين، وتسمى الحنجرة والوترين الصوتيين بالجهاز الاهتزازي ثم تبدأ هذه الأصوات بالتشكل داخل الفم بتأثير من اللسان والشفة والأسنان.
ثانياً: العملية العقلية وتتمثل في عملية التفكير التي يمارسها المتحدث قبل عملية الكلام وفي أثناء الكلام وبعده، بالإضافة إلى استدعائه للمفردات اللغوية المخزنة في ذاكرته حول الموضوع، وكذا استرجاعه لخبراته السابقة ثم تنظيمه للأفكار في أثناء الحديث بشكل مرتب متسلسل وقبل كل ذلك يأتي الدافع النفسي الذي يستثير الفرد للتحدث وقد يكون هذا الدافع داخلياً مثل: الأحاسيس والانفعالات الداخلية التي يشعر بها المتكلم وقد يكون الدافع خارجياً كأن يوجد من يحثه على التحدث مثل: طلب إجابة عن سؤال، أو استجلاء معلومة، أو مؤانسة الآخر، أو لتكوين صداقات ... الخ.
ثانياً: خصائص فن التحدث
في ضوء التعريفات السابقة لفن التحدث نستطيع تحديد مجموعة من الخصائص المميزة لهذا الفن كما يلي:
1. إنه عملية تفكير هذا التفكير يتطلب من المتكلم أن يكون لديه ما يقوله للمستمع ومن ثم يجب أن يحدد التصورات العقلية العامة لهذه الأفكار ويرتبها ترتيباً منطقياً أو سيكولوجياً ليبدأ إسماعها للمتلقي في شكل كلمات وجمل وأصوات مع تفكيره في وقع هذه الكلمات والجمل على المتلقين لها ومدى تأثيرها فيهم.
2. إنه عملية بنائية تفاعلية فالمتكلم كما سبق يقوم بتحديد فكرته ولكي يقدم هذه الفكرة واضحة القسمات إلى المستمع عليه أن يصبها في وعاء لغوي مناسب لها، ثم ينتقي الأصوات الدقيقة التي تنقل أو تحمل هذه الكلمات أي أن المتكلم هنا يقوم ببناء المعنى أولاً، ثم يقوم بعد ذلك باختيار الأوعية اللغوية والصوتية الناقلة لهذا المعنى ليقوم المستمع بنفس الخطوات التي مر بها المتكلم ولكن بطريقة عكسية حيث يستمع للكلمات والجمل الحاملة للفكرة أي يستمع إلى الجزئيات؛ ليصل في النهاية إلى تكوين المعنى وعليه فإذا كان بين المستمع والمتلقي قدراً مشتركاً من الاتفاق حول مضمون الرسالة وحول المفاهيم الواردة فيها فسوف يتحقق الاتصال على أفضل ما يكون وإذا لم يكن بينهما هذا القدر من الاتفاق فشل الطرفان في تحقيق تواصل إيجابي بينهما.
3. إن التحدث عملية نفسية بمعنى أن المتكلم لكي يتكلم لابد أن يكون لديه باعث أو حالة داخلية جسمية أو نفسية تثير السلوك في ظروف معينة وتحركه حتى ينتهي إلى غاية معينة فالدوافع حالات لا نلاحظها مباشرة من السلوك الصادر ولكن نستنتجها من خلال المظهر العام للسلوك فقد يكون هذا الدافع دافعاً فسيولوجياً مثل: الحاجة إلى الطعام أو الشراب أو دافعاً نفسياً مثل الحاجة إلى التقدير كما قد يكون داخلياً مثل الشعور بالألم أو بالفرح أو بالتفاؤل، وقد يكون خارجياً مثل حث الآخر للمتكلم على التحدث أو التوضيح.
4. إن التحدث عملية لغوية قوامها صب التصورات العامة التي يريد المتحدث إبلاغها إلى المستمعين في قوالب لغوية صحيحة المعنى والمبنى، فلا تحدث دون لغة ولا لغة دون حديث أو كلام ولذا فقد قيل قديماً إن الكلام (التحدث) هو اللغة فالكلام مهارة لغوية تظهر مبكرة في حياة الطفل، ولا تسبق إلا بالاستماع -فقط- الذي من خلاله يعلم الكلام، لذا فهو نتيجة للاستماع وانعكاس له ومن ثم فهو محدود بالثروة اللفظية التي يتعلمها الطفل من خلال الاستماع أولاً، ثم من خلال القراءة بعد أن يتعلمه.
5. إن التحدث عملية صوتية حيث إن الصوت هو المظهر الخارجي للغة ومن ثم فقد كانت اللغة الشفوية أسبق وجوداً من الكتابة ولهذا فقد عد اللغويون أن الكلام هو ترجمان اللغة، في حين أن الكتابة لا تعد لغة بل هي تسجيل للغة المنطوقة في شكل خطي، ومن ثم ألفينا في كثير من اللغات ومنها اللغة العربية وجود اختلاف بين اللغة المنطوقة عن اللغة المكتوبة فنرى مثلاً كلمات بها حروف تنطق ولا تكتب، وأخرى تكتب ولا تنطق.
فلكل لغة من اللغات الطبيعية شكلان متمايزان: الشكل المنطوق، والشكل المكتوب، وقد كان من السائد قديماً وإلى وقت قريب أن اللغة المكتوبة هي انعكاس للغة المنطوقة ولكن الدراسات اللسانية الاجتماعية المعاصرة كشفت بأن لكل لغة من اللغتين مكوناتها وشخصيتها ومميزاتها الخاصة ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن تطور اللغات في جانبها الصوتي أسرع وأكثر تنوعاً من تطورها في جوانب الصيغ والنحو، والمفردات، والأساليب، فالجانب المنطوق في اللغة يمارس بحرية أكثر من الجانب المكتوب وفي هذا المجال يوضح هتلر: أن الناس يتأثرون بالكلمة المنطوقة أكثر مما يتأثرون بالكلمة المكتوبة.
بالإضافة إلى أن اللغة تصادف في تركيباتها وتجمعاتها الصوتية ظروفاً سياقية لا تظهر في الكلام المكتوب ولهذا ينفصل الصوت عن صورته ويتطور دونه وخير دليل على هذا ما نشاهده في كثير من اللغات من مخالفة النطق للكتابة مما يعني تطور النطق وبقاء الهجاء، ورغم هذا وذاك يوجد فرق عظيم بين ما ينطقه المتكلم وما تسجله الكتابة من نطقه، عامياً أو فصيحاً فإن الكتابة في أي لغة تعجز بطبيعتها عن تسجيل جملة من الظواهر والوظائف النطقية العامة كالنبر والتنغيم في حالات الاستفهام والنفي والإنكار والتعجب والتحسر وهي وظائف ذات دلالة مباشرة في الحدث اللغوي وغير ذلك من الظواهر اللهجية كالكشكشة والشنشنة وغيرهما.








اضافةتعليق
التعليقات