يُعد الشكر من أهم مصاديق العمل؛ إذ لم يجعل الله تعالى الشكر مجرد ثناء باللسان، بل جعله تكليفاً فقد ربطه بالعبودية له، واستحقاقاً عملياً إذ أمر به بشكل فعلي لا قولي فقط، وبين إنه لا يكن من أهله إلا القليل من عباده، إذ قال تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: ١٣]، فلا قيمة للشكر باللسان ما لم يُترجم إلى حركة واضحة في الميدان.
فقد قسم القرآن الكريم الناس في أحد الموارد إلى صنفين لا ثالث لهما، بقوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}[الإنسان:٣]، إذ يأتي الشكر العملي هنا كاستشعار واعي لكرم الله وفضله؛ فقد سخر للإنسان كل شيء وهيأ له الأسباب التي تخدمه في مسيره الدنيوي نحو الآخرة، ابتداءً من عالمه الداخلي (نفسه، روحه، وبدنه وجوارحه)، وانتهاءً بالعالم الخارجي والتي يعبر عنها بالمسخرات.
ويؤكد القرآن هذه الحقيقة مع ألفاظ التسخير بعبارات التأكيد كـ(جميعا منه، بأمره)، كقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: ١٣]، وقوله: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} [النحل: ١٢]. فالله تعالى هو المالك والقادر الوحيد على تسخير ملَكوته لخلقه؛ فإن عمل الإنسان وفق هذا المنظور كان من الشاكرين، وإلا وقع في زمرة الجاحدين الغافلين.
سر الشكر في العلاقات الإنسانية
وهنا نقف عند ما ورد عن النبي الأعظم (صلى الله عليه واله) قال: "لا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ"(١)، إذ نجد سرا تربوياً وفناً من فنون إدارة العلاقات لضمان استمرارها؛ فالربط بين شكر الخالق والمخلوق يوضح تباين طبيعة الاحتياج بين الساحتين.
ففي العلاقة مع الله تعالى عندما يُطالبنا -سبحانه- بالشكر العملي نجد أن هذا الأمر يتصل بذاته العلية الموصوفة بالغنى والحمد، كما في قوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: ٨]. فشكر المخلوق لا يزيد في ملكه، وعدمه لا ينقصه؛ إنما نفع الشكر عائد إلى هذا الشاكر، وعندما تتبع صفة الغنى بـ (الحميد)، فيها دلالة إنك بحمدك له تنال ثناءه وديمومة نعمته: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: ٧].
أما في العلاقة مع المخلوقين فإن الأمر مختلف تماماً؛ فالإنسان فقير وضعيف بطبعه، إذا اقتصر الشاكر على الشكر القولي دون عمل، فقد تصدأ العلاقات وتتقلص الأواصر، إذ أن العلاقات الإنسانية تُبنى على الفعل ومبدأ "الأخذ والعطاء المتوازن"؛ فلا يوجد من يأخذ فقط، ولا من يعطي فقط، كما إنها علاقة تسخير متبادل لتكامل النقص، وليست مجرد نفعية مادية مجردة لأحد الأطراف دون الآخر.
شواهد من الحياة اليومية
ففي بيئة العمل إذا احتاج شخص لعمل، وقدم له رجل أعمال فرصة وظيفة، فاكتفى بكلمة "شكراً" دون أن يباشر العمل ويمارس مهامه، فلن يستمر عطاء صاحب العمل؛ فصاحب العمل وإن كان "غنياً" بفرصته، فهو محتاج ومفتقر لليد العاملة التي تشغل هذه الفرصة.
وفي العلاقة الأسرية الرجل الذي يسعى لتوفير حياة كريمة ينتظر شكراً عملياً يتمثل في احترام جهده، عدم التبذير، وتوفير الهدوء والراحة له عند عودته، وفي المقابل المرأة التي توفر السكينة والراحة تحتاج إلى أمان واحترام، ومساندة في أعمال المنزل عند إجهادها، وتلبية متطلباتها؛ لتستشعر الشكر العملي على إحسانها هذا، وهكذا يستطيع كلا منهما الاستمرار في العطاء.
تكامل اليسر والعسر
إذن المسألة ليست سد فراغ طارئ في وجود الآخر بل هي متطلبات أساسية لديمومة الحياة القائمة على امتزاج اليسر بالعسر، فلا العسر نقص محصن يسده اليسر وحده، ولا اليسر كمال مطلق لا يحتاج إلى عسر؛ فحتى اليسر محتاج للعسر ليظهر أثره وتتضح قيمته.
فمن يعطي عليه ألا يغتر بعطائه؛ فهو محتاج لمن يقبل هذا العطاء ليستشعر قيمة ما يملك، والعكس صحيح. وهذا المعنى يعيدنا جوهرياً إلى مفهوم شكر الله تعالى، الذي سخرنا لبعضنا البعض في هذه الحياة والتي وصفها سبحانه بقوله: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: ١٤٠].
———————








اضافةتعليق
التعليقات