ربما يظنّ البعض ممن ليس لديهم اطّلاع واسع بسيرة أهل البيت عليهم السلام، وتحركهم الحكيم والمدروس في حفظ الإسلام عقيدة وتشريعا، ربما يظن أنّ موقف الإمام الحسين عليه السلام أليق بعنفوان بني هاشم وشجاعتهم وبسالتهم؛ لأنه عليه السلام ثار ضد الحكم الأموي المنحرف، وضحّى بمهجته الشريفة، وقدّم القرابين المقدّسة بسخاء في سبيل حفظ راية الإسلام من السقوط، بينما صالح الإمام الحسن عليه السلام معاوية الوالي المتمرّد والمنشق عن الخلافة الشرعية !!
في الظاهر يبدو هناك تباين سافر بين الموقفين قد يثير استغراب واستنكار البعض ممن لا يملك المعرفة بسيرة المعصومين عليهم السلام معرفة دقيقة وعميقة، وقد يجعل كفّة الإعجاب تميل لصالح الإمام الحسين، وهذه النظرة السطحية القاصرة تمثّل وجها من أوجه الظلم الذي لحق بالإمام الحسن عليه السلام ممن لم يفهم حقيقة دوافعه من الصلح حتى ممن عاصره!
في روايتين عن الإمام الصادق عليه السلام تتحدثان عن الصحيفة الملكوتية التي نزلت من السماء، والتي حددت للأئمة المعصومين أدوارهم المدروسة بدقة وحكمة وحسب ما تقتضيه الظروف الموضوعية لكل واحد منهم، جاء في أحدهما: "إنّ اللّه جلّ اسمه أنزل من السماء إلى كل إمام عهده وما يعمل به وعليه خاتم فيفضّه ويعمل بما فيه".
إضافة إلى مضمون الرواية، فإننا نقرأ قول النبي صلى الله عليه وآله: "ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا" .
فعلى هذا يكون كل ما قام به الحسنان عليهما السلام يكتسب الحجيّة انطلاقا من موقع إمامتهما المنصوص عليها، ودورهما الخاص المحدد لهما من السماء، وأما الاختلاف في موقفهما تجاه الأحداث المعاصرة فيمثل السلوك الأمثل في التعامل مع الظروف الموضوعية الراهنة والتي تنصبّ في خدمة الدين والحفاظ عليه من التحريف والتشويه .
فالإمام الحسن لا يقلّ شجاعة وصلابة عن أخيه الإمام الحسين، في مواطن المواجهة مع الباطل وهما عليهما السلام ككفتيّ الميزان لا ترجح كفّة على الأخرى، وهما نظيران في الصفات الذاتية التي تؤهلهما لقيادة الأمة، كالعلم والحلم والحزم وقوة الشخصية والمحبة في قلوب الناس، إضافة إلى صفة العصمة التي تميّز أئمة أهل البيت عن سواهم من القادة!
وكان الإمام الحسن عليه السلام إضافة إلى كل ماذّكر يتميز بالفصاحة المقترنة بسرعة البديهة، والقدرة الفائقة على الردّ القاطع الذي يُفحم ويُسكت المقابل؛ لذا كان معاوية يتجنب الدخول معه في حوار، بل كان يمنع جلسائه من التعرّض للإمام الحسن بالكلام خوفا من ردوده المفحمة التي كانت تجعلهم يندمون على مخاطبته والتعرّض له!
كما كان يتميّز بالحلم إلى أقصى الحدود؛ حتى قال عنه مروان بن الحكم الأموي المعادي لأهل البيت: "احلم من هذا" وأشار إلى الجبل!
لذا لو أردنا أن نكوّن صورة واضحة لصلح الإمام الحسن عليه السلام فلا بدّ لنا من الإحاطة بالظروف التي عاصرها الإمام عليه السلام من بداية استلامه للخلافة بعد استشهاد الإمام علي عليه السلام، والتي تعتبّر من أصعب ماواجهه المعصومون بسبب ما اكتنفته من ملابسات غريبة أحرجت موقف الإمام الحسن ودفعته لعقد الصلح مع معاوية !
لقد تصدّى الإمام الحسن بعد استلامه الخلافة لتمرّد معاوية، وراسله لإلقاء الحجة عليه ولكي يكفّ عن تمرده وينطوي تحت راية الخليفة الشرعي، لكنّ معاوية تمادى في غيّه، وأخذ يعدّ العدة لحرب الإمام الحسن، واستخدم أقذر الأساليب البعيدة كل البعد عن شرف المواجهة كالحرب النفسية وحرب الإشاعات، والاغراء بالرشاوى العظيمة، والدعايات المضللة، ونشر البلبلة والاضطراب في جيش الإمام. كما عمد إلى شراء ذمم أربعة من كبار الشخصيات بالوعود المغرية مقابل اغتيال الإمام الحسن عليه السلام أو تسليمه أسيرا؛ حيث كتب لكل واحد منهم كتابا يقول فيه: "إنك إن قتلت الحسن بن علي فلك مائتا ألف درهم، وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي".
فضمن أولئك الخونة لمعاوية تسليم الإمام أو الفتك به حين يقربون من معسكره؛ وعندما عرف الإمام الحسن عليه السلام بهذه المؤامرة كان لا يخرج إلا لابسا درعه !!
وكان للخيانة الدور القاصم الذي قصم ظهر جيش الإمام عليه السلام؛ وكان أولها خيانة قائد جيشه وابن عمه عبيد الله بن العباس الذي أرسله الإمام مع أثني عشر ألف مقاتل من أهل الكوفة، فأغراه معاوية برشوة بلغت ألف ألف درهم بعدما أوهمه أن الإمام الحسن قد راسله طلبا للصلح فانسلّ هذا القائد تحت جنح الظلام ومعه ثلثي الجيش !
ثم توالت الخيانات مما أدّى إلى إضعاف جيش الإمام، وجعلت كفّة الحرب تميل إلى صالح معاوية قبل وقوعها!
ومن الملابسات الصعبة التي واجهها الإمام الحسن إن جيشه لم يكن موحّدا في أفكاره وولائه؛ بل كان خليطا من ولاءات متعددة، وآراء مختلفة، ولم يكن مخلصا في ولائه للإمام باعتباره الخليفة والقائد الشرعي، وقد عبّر الإمام عن ذلك بقوله: "ليس أحد منهم يوافق آخر في رأي ولا هوى مختلفين لا نيّة لهم في خير ولا شر".
وفي المقابل نجد أنّ معاوية استطاع أن يكوّن جيشا مواليا، ومنقادا له انقيادا تاما، ومستسلما لأوامره، لأن أهل الشام عرفوا الإسلام من خلال معاوية، ومن خلال خداعه وتضليله عبر أدواته الإعلامية ووعّاظه الذين اشترى ضمائرهم بأموال المسلمين !!
فهم يعتبرونه خال المسلمين، وخليفة رسول الله الشرعي لا ينافسه في الحكم غيره، ولا يعرفون من الإسلام إلا ماعرّفه لهم!
في هذا الظرف الصعب والاستثنائي كان أمام الإمام الحسن خياران لا ثالث لهما: أن يستمر في معركة خاسرة تُراق فيها الدماء، وقد تنتهي بقتل الإمام الحسن عليه السلام وأهل بيته وخيرة أصحابه دون أن يكون لتلك التضحية العظيمة أي صدى إيجابي؛ لأن الساحة ستخلو لمعاوية فيستولي على الحكم، ويتسلّط على رقاب المسلمين دون قيد أو شرط، وسوف يشجعه خلو الساحة من أهل البيت إلى تحريف الإسلام وإعادة الجاهلية بلباس إسلامي زائف !
والخيار الثاني أن يعقد الإمام صلحا مع معاوية تُحقن فيه الدماء، وبشروط معينة تنصبّ في صالح الإسلام والمسلمين والشريعة الإسلامية بصورة عامة، وفي صالح أهل البيت وشيعتهم بصورة خاصة.
لقد عبّر الإمام الحسن عليه السلام عن الأسباب التي دفعته إلى قبول الصلح، بما لا يدع مجالا للشك في دوافعه، وسلامة موقفه، وركّز على قلّة الأنصار المخلصين كقوله: "لقد خذلتني الأمة وبايعتك يا ابن حرب، ولو وجدت عليك أعوانا يخلصون ما بايعتك" .
لقد واجه الإمام الحسين عليه السلام الجيش الأموي في معركة الطفّ بسبعين من الأنصار المخلصين مما يؤكدّ لنا إن الإمام الحسن عليه السلام لم يكن يضمن في جيشه مثل هذا العدد !!
لقد استطاع الإمام الحسن من خلال شروط الصلح أن يكون في موقع القوة سواء وفى بها معاوية أو لم يفِ؛ لأنه إن وفى ففي ذلك مكاسب جمة للإمام ولشيعته، خصوصا الشرط الذي يتعلّق باستلام الإمام الحكم بعد هلاك معاوية!
وإن لم يفِ فإن الأمة ستكتشف حقيقة معاوية والحكم الأموي، وستعرف من هم قادة الإسلام الحقيقيين!
لقد نظر الإمام الحسن إلى مستقبل الأمة، وأراد من خلال الصلح التفرّغ لعملية الإصلاح، وبناء القاعدة الشيعية الموالية لأهل البيت وتوسيعها، واستطاع مع شيعته بعد الصلح العمل بحرية في نشر الأحاديث النبوية التي منع الخلفاء السابقون نشرها والتي توجّه الأنظار إلى فضل أهل البيت وإمامتهم ودورهم القيادي في الأمة .
هذه الجهود التي أثمرت فيما بعد، وجعلت الأمة في حالة من التعبئة النفسية والروحية للتفاعل مع ثورة الإمام الحسين عليه السلام، وما تبعتها من ثورات ضد الحكم الأموي المنحرف .
إن المكاسب التي حققها الإمام الحسن عليه السلام من خلال الصلح تعتبر فتحا للإسلام عموما ولشيعة أهل البيت خصوصا، لذا كان عليه السلام يردّ على من يلومه بقوله: "لا تعذلوني فإن فيها مصلحة".
وقد عبّر الإمام الباقر عليه السلام عن تلك المصالح والمكاسب بقوله: "والله للذي صنعه الحسن ابن علي عليه السلام كان خيراً لهذه الأمّة ممّا طلعت عليه الشمس" .
فهل بعد كل هذا يأتي من يشك في بطولة الإمام الحسن عليه السلام، وما تنطوي عليه شخصيته الفذّة من عنفوان هاشمي؟!








اضافةتعليق
التعليقات