في غمرة الانفعال وحين يرمينا أحدهم بكلمة قاسية أو فعل جائر، نشعر وكأن ناراً اشتعلت في صدورنا تطلب الانتقام، في تلك اللحظة الحرجة نحن نقف أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن نكون أسياداً لأنفسنا أو عبيداً لغضب غيرنا، هو ذلك الشعور ما يسمى (الفخ العاطفي)، أي عندما تنجر إلى مستنقع الإساءة لترد الصاع صاعين أنت في الحقيقة تمنح المسيء "جهاز تحكم" بمشاعرك وسلوكك هو يقرر متى تغضب وهو يختار لك الكلمات التي ستنطق بها، والسؤال هنا: هل تقبل أن تكون مجرد صدى لصوت قبيح؟
في الحقيقة إن القوة لا تكمن في "القدرة على الإيذاء"، بل في القدرة على الثبات وسط العاصفة، أن تظل أنت "أنت"، بمبادئك وتربيتك، لا نسخة مشوهة عمن آذاك.
نور من الوحي والرسالة
لقد رسم لنا القرآن الكريم والبيت النبوي الطاهر خارطة طريق لهذه الروح السامية، التي لا تهزها رياح الجهالة فيقول الله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}، هذه الآية ليست مجرد دعوة للعفو، بل هي "إستراتيجية انتصار" أخلاقي يحول العدو إلى صديق بجمال روحك، ونستلهم أيضا من مدرسة أهل البيت في قول الإمام علي (عليه السلام):"احْصِدِ الشَّر مِنْ صَدرِ غَيركَ بِقَلعِهِ مِنْ صَدرِكَ".
هو درس عميق في أن إصلاح العالم يبدأ من ترويض انفعالاتنا نحن، فإذا أطفأت النار في قلبك، لن تجد نار الآخر ما تحرقه فيك، لذلك كن أنت القائد وتذكر دائماً أن "فعله" هو مرآة لنقصه، أما "رد فعلك" فهو مرآة لجوهرك، فلا تسمح لأحد أن يلطخ مرآتك بسواد أخلاقه .
هندسة المسافة: فن الفراغ بين الفعل ورد الفعل
يقول علماء النفس إن الفرق بين "الإنسان الحكيم" و"الإنسان المندفع" هو ثوان معدودة، هذه الثواني هي الفراغ الذي يقع بين ما فعله الآخر بك، وبين ما ستقوم به أنت في هذا الفراغ تكمن حريتك، فالمسيء يرمي حجر الإساءة في بئر روحك فإن كانت البئر ضحلة تعكرت فوراً وفاضت بالوحل، وإن كانت عميقة كالبحر، ابتلعت الحجر وبقيت هادئة في أعماقها لا يظهر على سطحها إلا دوائر رقيقة من التسامح، فعندما تقابل بالإساءة تخيل أن هناك "خندقاً أخلاقياً" يفصل بينك وبين الطرف الآخر، هو اختار أن يقف في منطقة "التدني" اللفظي أو السلوكي، فإذا قررت الرد بذات الأسلوب، فأنت تقفز طواعية إلى خندقه، لتتصارع معه في الظلام، والقوة الحقيقية هي أن ترفض النزول، أن تظل واقفاً على قمة جبل مبادئك، وتنظر إليه من الأعلى، ليس بكبرياء الغرور بل بكبرياء "الترفع"، أنت لا ترفض الرد لأنك "عاجز" بل لأنك "عزيز"، ونفسك أغلى من أن تُدنس بصغائر الأمور.
ومدرسة العترة الطاهرة (عليهم السلام) لم تكن لتعلمنا العفو كـ "مجرد خلق"، بل كـ "قوة وجودية"، حيث يقول الإمام السجاد (عليه السلام) في دعاء مكارم الأخلاق:"اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَسَدِّدْنِي لأَنْ أُعَارِضَ مَنْ غَشَّنِي بِالنُّصْحِ، وَأَجْزِيَ مَنْ هَجَرَنِي بِالْبِرِّ، وَأُثِيبَ مَنْ حَرَمَنِي بِالْبَذْلِ، وَأُكَافِيَ مَنْ قَطَعَنِي بِالصِّلَةِ، وَأُخَالِفَ مَنْ اغْتَابَنِي إِلَى حُسْنِ الذِّكْرِ."
تأمل هذا العُمق الإمام لا يطلب "الصبر" فقط، بل يطلب "المعاضدة بالضد"، أن ترد على الغش بالنصح، وعلى الهجر بالبر هذا هو "القلب القائد" الذي لا يسير خلف قطيع الانفعالات، بل يقود البشرية نحو النور بفعله الذاتي، فالفخ الذي ينصبه لك الغضب هو "سُم" نتجرعه نحن، ونأمل أن يموت به الآخرون، وحين ترد الإساءة بمثلها، أنت تنفذ أجندة المسيء بنجاح باهر، هو أراد استفزازك ونجح، هو أراد إخراج أسوأ ما فيك ونجح، هو أراد أن يجعلك "مثله"، وقد صرت مثله فعلاً في تلك اللحظة.
لذلك تجنب الفخ العاطفي، يعني أن تقول له بصمتك أو بهدوئك: "أنا مِلك نفسي، ولستُ صدى لصوتك"، فتكون الثمرة النهائية الراحة والسيادة، وفي نهاية اليوم عندما تضع رأسك على الوسادة ستشعر براحة لا توصف ليس لأنك انتصرت عليه في جدال، بل لأنك انتصرت على نفسك التي كانت تلح عليك بالرد وهذا النوع من الانتصارات يمنحك هيبة في قلوب الناس، وسكينة في قلبك، وقرباً من الله الذي قال:{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.








اضافةتعليق
التعليقات