في عالم يضج بالأحكام المسبقة وردود الفعل الهجومية، يبرز كتاب "التواصل غير العنيف" لمارشال روزنبرغ كدليل عملي لاستعادة إنسانيتنا المفقودة في الحوار. يرى روزنبرغ أن العنف لا يقتصر على الفعل الجسدي فحسب، بل يمتد ليشمل "العنف اللغوي" الكامن في طرق حديثنا اليومية، حيث نميل غالباً إلى الانتقاد، اللوم، والتشخيص، وهي أساليب تجعلنا ننفصل عن مشاعرنا واحتياجاتنا الحقيقية، وتدفع الآخرين لاتخاذ مواقف دفاعية.
إن الغرض الأساسي من هذا المنهج ليس تغيير الآخرين ليتناسبوا مع رغباتنا، بل إقامة علاقة قائمة على الصدق والتعاطف تسمح للجميع بتلبية احتياجاتهم بحرية ومحبة.
يرتكز هذا التحول اللغوي على نموذج رباعي الخطوات يبدأ بـ "الملاحظة"؛ وهي القدرة على وصف ما نراه أو نسمعه دون خلطه بالتقييم أو الحكم. فحين نقول لشخص "أنت مهمل"، فنحن نصدر حكماً يدعوه للمقاومة، أما حين نقول "رأيت ملابسك على الأرض في غرفة الجلوس"، فنحن نقدم حقيقة مجردة تفتح باباً للحوار. تلي الملاحظة خطوة "الشعور"، حيث يدعونا روزنبرغ لتحمل مسؤولية عواطفنا والتعبير عنها بدقة، والتمييز بين ما نشعر به حقاً (مثل الحزن أو القلق) وبين ما نعتقده عن تصرفات الآخرين تجاهنا (مثل "أشعر أنك تهمشني"). هذا التمييز ضروري لأن مشاعرنا ليست ناتجة عما يفعله الآخرون، بل هي نتاج لـ "احتياجاتنا" الخاصة، وهي الركن الثالث في هذا النموذج.
يعتبر روزنبرغ أن الاحتياجات الإنسانية مثل الحاجة للأمان، التقدير، الاستقلالية، والانتماء هي قيم كونية يشترك فيها جميع البشر، وأن كل صراع في العالم هو في جوهره تعبير مأساوي عن احتياجات لم تُلبَّ. وبدلاً من التعبير عن هذه الاحتياجات من خلال النقد الذي يُفهم كحملة هجومية، يعلمنا الكتاب كيفية ربط مشاعرنا باحتياجاتنا بوضوح. وتكتمل هذه الحلقة بتقديم "طلب" محدد وواضح وعملي، بعيداً عن صيغة الأوامر. فالطلب الحقيقي هو الذي يمنح الطرف الآخر حرية الرفض دون خوف من العقاب أو الذنب، مما يحول الامتثال من واجب ثقيل إلى مساهمة طوعية في إغناء حياة الآخرين.
لا يقتصر التواصل غير العنيف على كيفية مخاطبة الآخرين، بل يمتد ليشمل "التعاطف الذاتي". يشدد روزنبرغ على ضرورة التوقف عن استخدام لغة "الواجب" والإكراه مع أنفسنا، مثل كلمات "يجب" و"ينبغي"، واستبدالها بلغة الاختيار. فإدراكنا أننا نقوم بالأشياء تلبيةً لاحتياجات نختارها يمنحنا قوة نفسية هائلة ويخلصنا من مشاعر الخزي والذنب. وفي المقابل، حين نستمع للآخرين، يعلمنا الكتاب فن "الإنصات التعاطفي"، وهو إفراغ الذهن تماماً من الأحكام والنصائح الجاهزة، والتركيز فقط على سماع ما يشعر به الطرف الآخر وما يحتاج إليه، حتى لو عبر عن ذلك بكلمات قاسية أو جارحة.
في النهاية، يرمز روزنبرغ لهذا التواصل بلغة "الزرافة" ذات القلب الكبير والعنق الطويل الذي يرى بعيداً، مقابل لغة "ابن آوى" التي تعيش في صراعات الهيمنة واللوم. إن تبني هذه اللغة يعني الانتقال من ثقافة "من المخطئ ومن المصيب؟" إلى ثقافة "كيف يمكننا جعل الحياة أكثر جمالاً؟". إنها دعوة لنرى الإنسانية خلف الكلمات القاسية، ولنتحدث بصدق لا يجرح، ونستمع بعمق لا يحكم، محولين بذلك كل تواصل إلى فرصة لتعزيز الروابط الإنسانية.








اضافةتعليق
التعليقات