في غُرَّة شهر شعبان الأغرّ، تستطيب النفوس الأجر والثواب، وتعلّق همّتها على إنجاز كل ما هو خير، وتستعدّ الذات لتهذيب الجوارح من كل شائبة وغلظة.
تراود الأقلام أفكارًا وقيمًا وانتعاشًا مبتكرًا لترتقي النفوس إلى دار القرار، وإدراك عظمة شهر شعبان المتوَّج بآل البيت، بتفانٍ ودفء، واستدراج الأفعال لإقامة الصلوات وقراءة القرآن، وحديث آل محمد وآل محمد.
يقول أمير المؤمنين سلام الله عليه:
(أنا صلاة المؤمنين وصيامهم).
لقد زلزلت هذه الحروف عمق الوجد ومكامن الروح. وما أجمل العبادة إن اقترن صلاحها وقبولها بولاية محمد وآل محمد، فبقبولهم قُبل ما سواها، وبدونهم رُدّ ما سواها.
عبادة شرطها الولاية لآل البيت
وجملة الاقتران بهم أن وهب هذا الشهر عظمة لم ينلها أي نبي سوى محمد وآل محمد، ثابتٌ أمديّ وذِكرٌ سرمديّ، وحقيبة أسرار من غيب الله سبحانه جُعلت لآل البيت عليهم صلوات الله.
في بحار الأنوار الجزء الخامس والعشرين، حديث لأمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) مع طارق بن شهاب في ذكر خصوصية خلق الإمام وتفرّده بالصفات:
«وَالإِمَامُ يَا طَارِقُ بَشَرٌ مَلَكِيٌّ، وَجَسَدٌ سَمَاوِيٌّ، وَأَمْرٌ إِلَهِيٌّ، وَرُوحٌ قُدْسِيٌّ، وَمَقَامٌ عَلِيٌّ، وَنُورٌ جَلِيٌّ، وَسِرٌّ خَفِيٌّ، فَهُوَ مَلَكُ الذَّاتِ، إِلَهِيُّ الصِّفَاتِ، زَائِدُ الْحَسَنَاتِ، عَالِمٌ بِالْمُغَيَّبَاتِ، خَصًّا مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَنَصًّا مِنَ الصَّادِقِ الْأَمِينِ».
بصمة شعبان المعظَّم
ولاحتواء الذِّكر ووجوب الإمعان بحشود المعاني في أجواء هذا الشهر المبارك، شروطٌ تعتزّ بنفسها إن اقترنت بالنور، وقُبلت بالهيبة والفخر؛ لأن عليًّا وآل علي هم النور والمبدأ، وهم جادّة الطريق والاستقامة، وهم منهاج الصلاة والصيام، وكل العلوم والمعارف قد اجتمعت بشكل منظود على أهمية ذكرهم أهل البيت.
وقد تزيّنت سماء شعبان بفرحة أهل العبادة، واستضاءت كقلادة على جيد الإشاءة بميلاد الذرية الطاهرة، واتّسعت دائرة الإغداق لمن قرنهم في كل خطوة، وألزم نفسه اتباعهم.
فلا تتمّ البركة لشهر شعبان دون أن يشعّ بذكرهم وتبانت فيه آثارهم، لأنهم أعمدة الغار الذي أوحى لنا بوجودهم، والمراد المحقَّق بعباراتهم، ولأنهم العبّارة لمتاهات الحياة وعثراتها.
ولقد تميّز شهر شعبان ببصمة دون غيره من الشهور، وترامت الأذكار فيه بين دفّتي البسمة والترتيل، تعظّم أبطال هذا الشهر المبارك، والذي زاد في بهجته اقتران صاحب الطلعة الرشيدة والغُرّة الحميدة المولى الغائب المهدي المنتظر.
هذه البصمة أعطت صورة متناسقة في اندماج الولاية والوحدانية في بوتقة واحدة، حتى سبقت كل فكرة توحيدية؛ لأن السجود لولاية النور يعني الطاعة لله، ويعني توحيد الله، ويعني العبودية المتفانية.
وتمجيد هذا الشهر بكل أذكاره مجرّدًا من أهله وصفاتهم لا يُعدّ تعظيمًا، لذا زاد بريقًا وجمالًا وقوة حين ارتبط بأهل الولاية والعبادة؛ لأنهم أحبّوا الله وأطاعوه وتفانوا في ذات الله سبحانه، ولابدّ إذن من ذكر معارفهم وماهية أهدافهم التي هي من أصل الدين.
وليكن بيت النفس محشوًّا بالسلام والهدوء، بعيدًا عن التوتّر والضجيج الذي لا قرار له، فعمدة الإحسان في هذا الشهر الأغرّ هو أن تتسلّح الذات بصفات النور والمرونة، ونبذ التعالي، واختيار الأولى لذوبان الدمعة من أحداقها حبًّا بهم.
الاعتراف والتفضيل
في باكورة هذا الشهر الأغرّ، تتقدّم المفاهيم لتعطي صورة أوضح لما يهدف إليه هذا الشهر.
لقد فضّل الله سبحانه شجرة النبوة صلوات الله عليهم، وأعطاها مصداقية خاصة تنطبق حيث أبعاد العبادة وتأثيرها على مقابض النفس لتطهير العمق وجلائها، واستشعار الطمأنينة، وجعلهم هم الأفضل والأنمى والأزكى، والوسيلة لبلوغ السابغات، والصدارة في التدوين، والأصالة في التكوين.
فالنبوة هي الإمامة، والإمامة هي النبوة، وشجرة النبوة مصطلح قرآني كريم بسند رباني رحيم؛ لأنهم منها وبها وإليها، والذي أكّدها رسول الله صلوات الله عليه وآله حين قال: (حسين مني وأنا من حسين).
القول الذي أخذ أبعادًا عميقة من حيث التجليات والصفات والنورانيات، وصداه على مدى الوجود والتكوين.
وكان التنسيق هنا أن يجعل الله سبحانه لهذه الشجرة الطيبة ولادةً متمثّلة بولادة النهضة والثورة، وهم الحسين والعباس والسجاد وعلي الأكبر، والذي يزيدها قوة وعمقًا وتحدّيًا وتفضيلًا هو ولادة المنقذ الموعود الحجة المنتظر، ليتمّم الفتح الذي ابتدأه الحسين وآله، ليظهره على الدين كله.
وهذا الاعتراف بتفضيلهم هو الذي نسّق الوافد والوارد، وهو الذي حدّد الحدود وأقام السدود، ودارت على معرفته القرون الأولى، وهو الذي أعطى للحق صولة، وعلى أثر معرفتهم استقام العقل، وكان الفاصلة الحكيمة لبني البشر.
ما رُوي في الكافي:
«…».
شجرة النبوة وتحصين الرسالة
وأهل بيت الرسالة هم المحور لكل رسالات السماء ووحدة ابتداء الخلق، وهم الميزان والضابطة لكل صغيرة وكبيرة، وحتى العبادات لا تستقيم إلا بولايتهم.
الصلوات الشعبانية دعاء مروي عن الإمام السجاد عليه السلام، ويُستحب قراءته في شهر شعبان المعظَّم في كل يوم، والذي فيه من المضامين العالية لفهم التناسق الروحي والمعنى العقائدي والدلالات العبادية، وماهية التزام خطواتهم واتباع سبيلهم أهل البيت، والذي يُعدّ من أولويات العبادة وحفظ رسالة النبوة…
التي بدورها تحفظ دار التوحيد لله سبحانه من الاندثار، وإبقاء وميض الفكر الرسالي سرمديًا أزليًا عامرًا بعصمة مريديه ومتتبعيه، ذكرًا وهاجًا متميّزًا بالنصرة والفلاح إلى حين الأجل؛ لأن دين الله قوته في أوليائه، ومدى ارتباطهم وتفانيهم، واقتدارهم العقلي، وثباتهم الوحياني، وقربهم من نور جلال الله سبحانه.
ولنا في ثورة الحسين ذاكرة لا تُنسى، بل دمعة لا تهدأ، وحزن لا يسكن أبدًا، خالد في ضمير كل أمة وأختها، فجعلهم الله من أهل حملة الرسالة وثقلها، غير هاربين بل معتصمين بحبله.
الأمر الذي يوقظ فينا مشاعر التفكّر، والتزام منهاج الحق، وإحياء شعائر الخير والسلام، واليقظة التامة دائمًا لعدم الخضوع والانكسار والاستسلام للضعف.
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، شَجَرَةِ النُّبُوَّةِ، وَمَوْضِعِ الرِّسَالَةِ، وَمُخْتَلَفِ المَلَائِكَةِ، وَمَعْدِنِ الْعِلْمِ، وَأَهْلِ بَيْتِ الْوَحْيِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، الْفُلْكِ الْجَارِيَةِ فِي اللُّجَجِ الْغَامِرَةِ، يَأْمَنُ مَنْ رَكِبَهَا وَيَغْرَقُ مَنْ تَرَكَهَا، الْمُتَقَدِّمُ لَهُمْ مَارِقٌ، وَالْمُتَأَخِّرُ عَنْهُمْ زَاهِقٌ، وَاللَّازِمُ لَهُمْ لَاحِقٌ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، الْكَهْفِ الْحَصِينِ، وَغِيَاثِ الْمُضْطَرِّ الْمُسْتَكِينِ، وَمَلْجَإِ الْهَارِبِينَ، وَعِصْمَةِ الْمُعْتَصِمِينَ.»
أن نجعل شجرة النبوة هي الموازنة والملازمة لكل كلمة يتبنّاها الإنسان المؤمن الشيعي، وحقيبته المعرفية التي تُعدّ من أولى المهام في طريق العلم والمعرفة.
والذوبان الروحي في أهل البيت، والتجلّي الأعظم لاكتساب الجِنان؛ لأن الدعاء مخّ العبادة، وترويض الباطن يرفع الإنسان إلى أعلى مراتب الخضوع لله وقوة الذات.
يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام):
(العقل ما عُبد به الرحمن واكتُسب به الجِنان).
فهم عقل الحياة ومسيرها، وثوابت الدين وعطاؤه، وهم الفارقة والامتياز في كل عبادة، وباتباعهم تُكتسب الجِنان.
لأن للخلق رقيبًا، ورقيب الإنسان قرينه الذي وُكّل به.
والملاحظ في الروايات اتحاد الروح؛ فالنبي هو علي، وعلي هو النبي، روح واحدة وهو نفسه، كذلك جرت في الحسين والعباس عليهما السلام، اتحاد أرواحهم زمانًا ومكانًا؛ لأن المولى علي عليه السلام كان يمثل عين الرسول ولسانه في الخلق، كذلك العباس عليه السلام كانت عيناه تمثلان الحسين وزينب، وهامته وكفّتاه، كل عضو يمثل وتدًا علويًا من بيت الرسالة.
فلكي يبقى الإسلام الشيعي في بيت القدرة، محصّنًا بدرع الولاية والثبات، ومعزّزًا بالحصانة اللدنية، كان التعامل الضمني مع مواليد العترة كفكرة عقائدية لا تقليدية، ولائية أمامية لا تُقاس بغيرها؛ لأنهم الاختيار الرباني، والمدد الإلهي الذي لا يُأين بأين، ولا يُكيّف بكيف.
شعبان وتجديد عهد بالحجة المنتظر
المشروع النبوي في شعبان المعظّم، والحكمة فيه اختصرت معالم النشأة النبوية ومسيرها، وارتباط مكامن وأسرار العبادة بهم، وما هو رأسمال اتباعهم، وذروة عطائهم، وغلبة جهودهم، ونصرة غائبهم، واتباع أمرهم، لتكتمل الفكرة وتتشرّب الأخبار، وتتحدّى كل جبار، وتتخلّد الأفكار، وتثبت لنفسها مكانة في الغيب والصحوة، وتعانق الآفاق فيه مدارج الظهور.
ومعاصرة الأوضاع والأحداث، واتخاذ الحذر والحيطة لكل مفاهيم الدين من الوشوشة والوسوسة، وترك الهلوسات الفكرية التي تُعدّ نقيضًا مباغتًا للمنهج النبوي العلوي، وإحكام القبضة على زناد اليقظة من هجوم عسكر الكلمات المتناقضة، والإصرار على تماثل القيم والمعارف للشفاء، واتساع الصدور لاستيعاب المحجّة البيضاء؛ فيه الكلمة تولد من جديد، وجلباب النصر حليفها، والبهجة رفيقها، والإصرار التام لحفظ الشعار، في شعبان المعظّم إحياء لتراث لا بدّ أن يدوم.








اضافةتعليق
التعليقات