كبرت أسماء فهي في عقدها الثالث من العمر، لكن تلك الطفلة التي بداخلها ما زالت تفرح بقدوم العيد؛ فما إن تقترب أيامه حتى تبدأ بالتفكير بشراء أجمل الثياب. فالعيد بالنسبة لها ليس مجرد مناسبة عابرة، بل لحظة فرح متجددة؛ لذلك تعزم هذا العام أيضاً على الذهاب إلى السوق لاقتناء ما ترغب به لها ولأطفالها الثلاثة، لتعيش معهم بهجة العيد كما اعتادت منذ صغرها.
فرحة طفولية
مع اقتراب أيام العيد، تتزين البيوت بالاستعدادات، وتعلو وجوه الأطفال ابتسامة مترقبة لملابس جديدة وهدايا ونقود (العيدية)؛ إلا أن هذه الفرحة الطفولية مغموسة بالمصاريف التي تشكل عبئاً على كاهل الأبوين، ليعيشوا صراعاً بين الرغبة في إسعاد أبنائهم والخشية من تدهور وضعهم المادي إزاء ما سينفقونه لتلبية احتياجاتهم، فيتحول العيد من مناسبة روحية واجتماعية إلى موسم استهلاك مرهق.
ميزانية خاصة
تعترف ميادة صباح (موظفة)، بأنها تضغط على مصاريف الشهر بأكمله من أجل أن ترى أولادها فرحين بملابس العيد الجديدة، خصوصاً أن أغلب الثياب وإكسسوارات الفتيات أصبحت باهظة الثمن. وتضيف: "في الحقيقة أنا لا أكترث للضغط الذي يلازمني طوال الشهر أنا وزوجي لأننا نفرح جداً حينما نرى أولادنا فرحين بملابسهم الجديدة"، وأكدت أن العيد يحتاج إلى ميزانية خاصة.
خطة تكتيكية
ويطرح أبو فاطمة (كاسب) خطة تكتيكية -على حد قوله- قائلاً: "في الحقيقة أوفر مصاريف شهر رمضان المبارك وعيد الفطر قبل شهرين أو أكثر من أجل أن لا تشكل الديون عبئاً آخر عليّ". وتابع: "أنا أعمل في أسواق تجارية لذلك تكون مصاريفي محدودة ومحسوبة، ولكني أحاول توفير كل ما يحتاجه أولادي. كما أن المشكلة لا تكمن بمصاريف العيد وثيابه بل بالمقارنة التي بدأت تأخذ حيزاً كبيراً، خصوصاً حينما يلتقي الأولاد بأبناء عمومتهم أو أصدقائهم، حيث تبدأ الغيرة في الرغبة بابتياع مثلهم، وهذا يشكل ضغطاً إضافياً على الأهل".
بهجة العيد
فيما قالت زينب أحمد (طالبة جامعية): "في أيام طفولتنا أتذكر كان العيد أبسط بكثير؛ كل ما يشغلنا هو اقتناء ثياب جديدة والتزاور بين العوائل وخصوصاً بيت الأجداد. الآن أصبح الأمر أكثر تعقيداً، حيث بات التركيز على المظاهر والماركات والتقليد الأعمى لرواد (السوشيال ميديا) أهم من بهجة العيد والأجواء التي تجمع الأهل والأحبة ونبذ الضغينة".
من جانب آخر قالت السيدة أم مسلم (أرملة في عقدها الرابع): "يصعب عليّ كثيراً توفير كل ما يرغب به أولادي، إلا أني أقدم لهم كل ما أستطيع وأعوضهم بالتجمعات العائلية مع الأهل والذهاب إلى المتنزهات العامة لنشعر جميعنا بطعم العيد".
محطة نفسية مهمة
وترى الباحثة الاجتماعية بتول ناصر أن العيد يمثل محطة نفسية مهمة للأطفال، فهو يعزز لديهم الإحساس بالأمان والانتماء والاحتفاء بالذات، لكن المشكلة تكمن في تحويل الفرح إلى معيار مادي. وأضافت: "أن الضغط الاقتصادي في المجتمعات ذات الدخل المحدود قد يولد توتراً داخل الأسرة إذا لم تتم إدارة التوقعات بشكل واقعي؛ لذلك على الأهل إعادة تعريف مفهوم العيد أمام أبنائهم من خلال التركيز على القيم الروحية وصلة الرحم والأنشطة العائلية البسيطة، بدلاً من حصر الفرح في الشراء والهدايا". كما تنصح بالتخطيط المسبق للمصاريف وإشراك الأطفال -بحسب أعمارهم- في فهم قيمة المال وأولويات الإنفاق، إذ تساهم هذه الخطوة بتخفيف عبء مصاريف العيد على الأبوين.
بين الفرح والواقع
يبقى العيد مناسبة تحمل معاني أعمق من المظاهر، فهو مساحة للتراحم والتقارب وتجديد الأمل. وبين ضحكة طفل وحسابات أب أو أم، تتجلى صورة مجتمع يحاول الموازنة بين إسعاد أطفاله والحفاظ على استقراره المالي. فهل سننجح في إعادة العيد إلى بساطته الأولى أم ستظل فرحته مرتبطة بقدرتنا الشرائية؟








اضافةتعليق
التعليقات