جميل أن نكون إيجابيّين في الحياة، وجميل أيضاً أن نعترف بمشاعرنا، فالطّبيعة قدّمت لنا الأحاسيس لتخطّي بعض التّجارب ومن المضرّ كبتها أو قمعها، وتذكّر أنّ الموت ليس بفشل، فهو جزء من مسيرتنا الحياتيّة.
إذا توفيّ أحد تحبّه، تتّخذ فترة الحداد سنة على الأقلّ، فاعط نفسك هذه الفرصة لتخطّي الألم، حتّى ولو مررت بفترات صعبة. من المقبول أيضاً الشّعور بالتّعاسة والمرور بفترات هستيريّة بعد وفاة شخص حبيب لك، فلا يمكنك الإِدّعاء أنّ الألم غير موجود، لا بل بالعكس، عليك أن تبكي، عليك أن تصرخ، عليك أن تتحرّر من الحزن لتجنّب مشاكل جسديّة ومرضيّة..
من يعمل مع مريضي السّيدا يعرف عمّا أتكلّم، فالألم في حالتهم لا ينتهي، يشبه فترة الحداد في أيّام الحرب، فهو بمثابة مجازر تشنّ على نظامهم العاطفيّ والعصبيّ. كلّما وجدت نفسي في حالة هستيريّة ألجأ إلى أصدقائي، فهم ساعدوني كثيراً عندما توفيت والدتي، لم يمحوا حزني ولكن حرّروني من غضبي وثورتي.
مع العلم أنّ فترة الحداد ليست بقصيرة، تشعر في بعض الأحيان أنّك عالق في بئر لا مفرّ منها، ولكن تذكّر دوماً أنّنا، فعلياً، لا نخسر أحداً وذلك لأنّنا لم نملك أحداً في البدء.
ولتتحرّروا من مخاوفكم، إسمحوا لأنفسكم بأن تحزنوا.
اعترفت لي امرأة في أحدى المحاضرات الّتِي قدّمتها أنّها تشعر بغضب شديد تجاه خالتها الّتي تعاني من مرض قويّ، فهي كانت تخشى أن تتوفّى خالتها قبل أن تحظى بفرصة للتّعبير لها عن مشاعرها في الماضي. إقترحت عليها أن تتكلّم مع إختصاصي لأنّ العمل الفردي مفيد جدّاً في هذه الحالات، وليس بالضّرورة أن يتّخذ العلاج وقتاً طويلاً، فالأمر يعتمد على تجاوبك مع مساعدك.
فهم ألمك
نعيش جميعنا مع حصّة من الألم ترافقنا يوميّاً في مسيرتنا الحياتيّة، قد تكون هذه الحصّة صغيرة أو كبيرة، ولكن السّؤال الّذي يكمن هنا هو، ما هو الألم؟ نتفق جميعاً على تعريفه بشعور لا نتمنّاه لأحد.
ولكن من أين يأتي؟ وما الذي يقوله لنا؟ يفسّر المعجم الألم (بشعور بشع وكئيب ينتج عن ضرر جسدي) و(بمعاناة عاطفيّة أو فكريّة)، نستنتج من هذا التّعريف أنّ العقل والقلب يقعان معاً تحت أثر الألم.
قد يأتينا الألم بأشكال عديدة، قد نشعر فيه بشكل خدش، جرح، صعوبة في النّوم، تهديد أو مرض معيّن، نشعر به دائماً مهما اختلفت نسبة حدّته. غالباً ما يحمل الألم رسالة، فهو يحاول إخبارنا أمرًا ما، مثلاً، قد يشير توعّك في المعدة خلال أيّام العمل أنّنا بحاجة إلى تغيير وظيفتنا. مهما كانت هذه الرّسالة، علينا التّذكّر أنّ جسم الإنسان هو كناية عن تركيبة مدهشة من الأعضاء والتّفاعلات الكيماويّة، فهو يدلّنا على المشكلة إذا كنّا مستعدّين أن نستمع إليه، فلنصغ له.
ماذا نفعل عندما نشعر بالألم للمرّة الأولى؟ نركض إلى الصّيدليّة شراء الدّواء، وبذلك نحن نحاول إسكات جسدنا رافضين أن نستمع إليه، فيهدأ ألمنا لفترة وجيزة، ثمّ يعود بقوّة متضاعفة. علينا الإصغاء لما يحاول جسدنا إخباره، فنتجنّب بذلك العديد من الأمراض، وبالتّالي نتمكّن من إحداث تغييرات فعّالة في حياتنا، جسدك يطمح إلى أن يبقى بصحّة جيّدة، فتعاون معه.
عندما أشعر بألم أو بانزعاج للمرّة الأولى، أحاول تهدئته وأثق أنّ قوّتي العليا سترشدني وتدلّني على مصدر التّغيير في حياتي. بالإضافة إلى ذلك، أحاول أن أتخيّل مشهداً طبيعياً مليئاً بأجمل الأزهار فأشعر بالنّسيم الدّافئ يلمس بشرتي وأركّز على إرخاء كلّ عضلات جسدي. عندما أشعر براحة كاملة، أسأل حكمتي الدّاخليّة ((ما الّذي أحتاج إلى تغييره في حياتي؟)) وأدع الأجوبة تفيض في عقلي وروحي، قد لا تصلني في اللّحظة عينها ولكنّها ستصلني حتماً، فأنا أثق بها.
قم بهذه التّغييرات في حياتك على مراحل، فكما يقول لاوتسي: ((تبدأ رحلة الألف ميل بخطوة واحدة))، وتذكّر أنّ الألم لا يختفي من حياتك بين ليلة وضحاها، فكن لطيفاً مع نفسك ولا تتّخذ تقدّم غيرك كمعيار لتقدّمك، فأنت مميّز وتملك طريقتك الخاصّة لتغيير حياتك.
الغفران هو طريق الحريّة
لكلّ شخص منّا رؤيته الخاصّة تجاه ما هو صحيح وما هو خاطئ، فلا داع أن نعاقب غيرنا على رؤيته هو للموضوع، من الغباء أن نعاقب أنفسنا في الحاضر بسبب شخص سبّب لنا الأذى في الماضي. بهدف التّحرّر من الماضي، علينا أن نسامح، ولو نجهل كيف، خاصّة وإذا كانت ارتبطت المسألة بمرض ما، فإذا أصبنا بمكروه ما، علينا أن نفتّش عن الشّخص الّذي نرفض مسامحته، فهو أكثر من يحتاج إلى غفراننا. عليك الاقتناع بأنّ مسامحة الآخرين تفيدك أكثر بمئة مرّة من أنّها تفيد الآخرين، فأنت في النّهاية تسامح نفسك أوّلاً وتحرّر نفسك من آلام الماضي.
أنا اليوم لا أعيش في الماضي، بل أعيش في الحاضر، والحاضر الّذي أعيشه هو نتيجة مسامحتي لجميع من أذاني في الماضي، فلا يمكنني الإعتبار أنّ أحدهم سرق جزءاً منّي لأنّ هذا الجزء هو ملك لي وحدي، وسيعود لي في الوقت المناسب، وإذا لم يعد، فذلك يعني أنّي لم أملكه منذ البداية. باختصار، للتّحرّر من ماضيك عليك التّخلّص من كرهك وشفقتك تجاه نفسك ومن تشبّئك بحقوقك الماضية.
اتّخذ لحظة من برنامجك اليوميّ الحافل وتخيّل ينبوعاً جميلاً، إلتقط ألم الماضي وعدم الغفران وارمهما في هذا الينبوع وراقبهما يتحلّلان فيه حتّى الإختفاء تماماً. حان وقت الشّفاء ومحبّة نفسك، فأنت قادر على ذلك، كن مستعداً للوصول إلى مراحل جديدة في اكتشاف ذاتك، ليس بهدف معالجة مرضك وحسب بل لشفاء نفسك بشكل كامل وعلى كلّ المستويات.
وجّه السّؤال التّالي لإمانويل:
"كيف نعيش تجارب أليمة من دون أن تترك بصمتها المرّة في حياتنا؟".
أجاب إمانويل:
"من خلال اعتبارها دروساً مهمّة في الحياة ولا عقاباً. ثقوا بالحياة، يا أصدقائي، فمهما أخذتكم بعيداً، فرحلة الحياة أساسيّة، وعليكم المرور بالعديد من التّجارب قبل الوصول إلى الحقيقة المطلقة. بعد ذلك، تعودون إلى بيتكم المركز، أكثر نضجاً، أكثر سعادة وحكمة".








اضافةتعليق
التعليقات