للإنسان رحلة عمر واحدة، قصيرة أو طويلة، سعيدة أو شاقة، يتعلم الإنسان خلالها كثيرًا، بل كل يوم يكتسب مهارات وخبرات ويمر بتجارب وتحديات، يضعف بين محطة وأخرى وقد يقوى بمحطة ثالثة قد تصقله وتنمّيه...
يكبر ويتعلم، ويبقى التعلم مستمرًا ومعتمدًا على رغبته في الاكتساب بلا توقف، في حد أو شكل معين. يختلف هذا التعلم بطريقته ونوعه تبعًا لبيئة الإنسان ومجتمعه وأفكاره، وما يحيط به من عوامل مؤثرة، فيتأثر من خلال ما يمر به من تجارب واقعية ومشاعر قد يعيشها أو موقف يكون فيه، فتغير فيه مجرى التفكير أو تضيف إليه مصبًا جديدًا ليسقي فيه كثيرًا من ثمار خبرته.
فقد يتعلم دروسًا لا يجدها حتى في مقاعد الدراسة ولا المناورات الثقافية والدرجات الأكاديمية، بل قد تكون في أبسط مواقف الحياة، في الشارع أو مع الأطفال أو من خلال النتائج التي يحصل عليها بعد أن يمر بها شخصيًا.
فالإنسان قبل المرور بموقف الخطأ قد يعتبر نفسه وتصرفاته بالمستوى الجيد، ولكن مرحلة ما بعد الوقوع في الخطأ والاشتباك في فجوته قد تقلب الأمر.
فتحولات الإنسان النفسية والجوهرية عادة لا تظهر إلا بعد الخوض في معارك الحياة، فيكون شاهدًا على طريقة تفكيره ومعاملته وموقفه بعد الخطأ، فيرى نفسه: هل نجا منه وتعلم أم وقع في شباكه وكبّله؟ فهي لا تأتي بعد النجاحات والإنجازات على طبق من ذهب، بل إن توقيتها يعبر الانكسارات النفسية والمجازفات والمحاولات التي تنتهي بالفشل.
بعد أن تمتحن الحياة صبر الإنسان وإدراكه وجدّه، وتضعه في مواقف قد تجعله موضع الخطأ بنية الاختبار وهدف التعلم، سيسعى الإنسان الواعي إلى تقوية أواصره النفسية وتقويتها بالقبول الذي يؤدي إلى نضج الإنسان وتطوره بصورة عامة.
فكل موقف قد يخطئ الإنسان فيه سيحذر منه مجددًا ويمنع توابع تكراره في تصرفاته، وإن أخطأ مجددًا باعتبار الإنسان كائنًا خطّاءً، فسيكون موقفه أقل شدة وأكثر مرونة وتفهمًا؛ لأن التعلم القائم على الخطأ يبني أساسًا صحيحًا.
والصعيد العلمي يثبت لنا هذا المبدأ عندما نطبق مفهوم التعلم القائم على الخطأ (Error-Based Learning). هذا المبدأ يشرح كيفية تعامل أجزاء الدماغ بشكل عام عندما يفعل الإنسان حركة خاطئة أو يخطئ في شيء معين فلا يصيب الهدف بدقة، فإن الدماغ مباشرة يتأثر بهذا الخطأ ويقارن في الوقت نفسه بين النتيجة المتوقعة من الإنسان والنتيجة الفعلية، وهذا يسمى **خطأ التنبؤ**. وبعدها يقوم الدماغ، وخصوصًا منطقة المخيخ (Cerebellum)، وهو المسؤول عن الأوامر الحركية في الدماغ، فيبدأ في تعديل هذه الأوامر الحركية وجعلها أقرب إلى الواقع في المرة القادمة وبصورة أكثر دقة.
لكن من المهم أن نفرق بين التعلم من الخطأ وتقبله وبين مقاومته والشعور بالذنب تجاه الذات بسببه؛ لأن الإنسان قد يتوهم في مقياس المواقف ويجازف بنفسه في مواضع القوة الواهمة، ويكذب الخطأ على نفسه ويبقى يقاومه بلا فائدة أو نتيجة سوى المشاعر المرهقة أو الاستسلام. وأيضًا لا يعني بأن الخطأ مسموح تعمدًا لأنه مصدر للتعلم، فهذا منافٍ للمنطق الإنساني.
لكن الخطأ فرصة للتصحيح، ومساحة لفهم الذات بصورة أوضح، وخبرة قد تقدمها الحياة على طبق من تعب، ونصائح تنقل لمن لم يحظَ بعد بتجربة مماثلة.
فهو ليس مقياسًا؛ لأن البعض يتخذونه محطة للفشل ويقفون عنده ويقسون ويتعاملون بفشل بسببه، أما البعض الآخر فينطلقون من محطته إلى متجهات الإصلاح في ذواتهم، ويجعلونه درسًا يشرح لهم ثمن النجاح ليشق في دروبهم خطوات التوبة والنضج والتحول الإيجابي.
فهو ليس قصة كاملة، بل جزء منها، ولا كتابًا كاملًا، بل فصل واحد منه فقط.
قد لا يستحق الوقوف عنده حتى! ولا يستوجب أن يأخذ حجمًا ولا وقتًا أو اهتمامًا أكثر مما يستحق. وفي الوقت ذاته لا يجب أن نستصغره؛ لأنه قابل للتفاقم.
ما يجب حقًا هو **الوعي** به، وأن نعامله بالتقبل أولًا حتى نتخطاه؛ لأن لا خروج من الأمور إلا عبرها، وتفهم كيفية طبيعته لإصلاحه وتعديله وحله وربما حذفه كليًا.
فالوعي هو المقياس الفاصل بين سيطرة الخطأ علينا أو سيطرتنا عليه؛ لأن الخطأ وارد، لكن الوعي بإصلاحه قرار.
فالخطأ ليس بكارثة، بل الإصرار عليه وإهماله هو الكارثة الكبرى.
فلذلك إن الخطأ ليس كل النتيجة، بل الوعي به والتعامل معه بعد حدوثه هو نقطة التحول المطلوبة؛ لأن الأخطاء قد تشوه بياض صفحاتنا، فلا بد من إصلاحها قدر الإمكان قبل التلف، ليبقى المقياس هو قيمتنا تجاه الخطأ وكيفية تحليل نقاطه الضعيفة لنقوى بانتصارنا عليها، وتدريب أنفسنا على أن نكون صنيعة مقاومتنا للخطأ وللمبادئ رغم المغريات، والوقوف بعد السقوط، وتعديل انحرافات التعثر؛ لأن الأخطاء قد تعيد تشكيل الإنسان، لكنها أبدًا لا تختصره.








اضافةتعليق
التعليقات