تشكل قضية الإمام المهدي (عج) والانتظار له محورًا مركزيًا في العقيدة الإمامية، لما لها من أثر مباشر في تشكيل الوعي الديني والسياسي والاجتماعي للأمة. غير أن الإشكالية الكبرى لا تكمن في أصل الاعتقاد بالظهور، بل في كيفية فهم مفهوم "الانتظار" وتحديد وظيفته العملية في زمن الغيبة الكبرى. فهل الانتظار حالة سكون وترقب، أم حركة وتغيير، أم جمع بين البعدين ضمن رؤية تكليفية شاملة؟.
إن الانتظار الصحيح، كما تفهمه مدرسة أهل البيت (ع)، هو انتظار فاعل، مقاوم، تمهيدي، يقوم على مواجهة الظلم والاستكبار، وبناء المجتمع الصالح القادر على استقبال دولة العدل الإلهي. فهو ليس مجرد شعور وجداني، ولا مجرد حالة نفسية مرتبطة بالشوق والبكاء والدعاء، بل هو مشروع تغييري شامل، يتجسد في السلوك الفردي، والموقف الاجتماعي، والاصطفاف السياسي، والالتزام القيادي.
يرتكز المشروع المهدوي على سنّة قرآنية ثابتة تتمثل في نصرة المستضعفين واستخلافهم في الأرض، كما في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. تؤسس هذه الآية لمعادلة تاريخية وسننية مفادها أن حركة التاريخ لا تسير وفق منطق القوة المادية وحدها، بل وفق إرادة إلهية تجعل الاستضعاف مرحلة انتقالية لا حالة أبدية. وقد ذهب عدد من المفسرين إلى أن لهذه الآية بعدًا مهدويًا صريحًا، حيث تمثل الوعد النهائي بزوال أنظمة الاستكبار وبروز حكومة العدل الشامل بقيادة الإمام المهدي (عج).
يقيم القرآن ثنائية واضحة بين "المستضعفين" و"المستكبرين"، ويعرض هذا الصراع بوصفه قانونًا تاريخيًا دائمًا. ومن هذا المنطلق، فإن المشروع المهدوي لا يأتي في فراغ، بل يتوّج مسارًا طويلًا من الصراع بين الحق والباطل، بين خط الأنبياء وخط الطغاة، وبين مشروع الاستخلاف الإلهي ومشروع الهيمنة البشرية.
غير أن هذا الفهم القرآني قد تعرّض عبر التاريخ لتحريفات في الوعي، أبرزها ما يُعرف بـ"الانتظار السلبي"، وهو الفهم الذي يرى أن ظهور الإمام (عج) مشروط بتفاقم الفساد، وأن أي محاولة للإصلاح أو مقاومة الظلم تؤخر الظهور أو تتعارض معه. ويترتب على هذا الفهم تعطيل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبرير السكون السياسي والانكفاء الاجتماعي، وتحويل الغيبة إلى ذريعة للهروب من التكليف، واختزال الانتظار في الدعاء دون العمل.
وهذا الفهم لا يستند إلى نص معتبر، بل يتعارض مع سيرة الأنبياء والأئمة (ع)، الذين واجهوا الظلم في كل زمان، ولم يربطوا أداء التكليف بظروف الظهور النهائي. ولذلك، جاء الفهم الصحيح للانتظار بوصفه عملًا لا شعورًا فقط، كما في قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): «أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج». فالأفضلية لا تتحقق إلا عبر الجهد والمجاهدة، كما في طلب التفوق العلمي أو الرياضي، حيث لا يصل الإنسان إلى القمة إلا بعد مشقة وصبر وتضحية.
وعلى هذا الأساس، يقوم الانتظار الإيجابي على جملة من المرتكزات، أهمها الوقوف في جبهة الحق ضد جبهة الباطل، لا حق الأمس وباطل الأمس، بل حق زماننا وباطل زماننا. فلا يُحاسب الإنسان على موقفه من يزيد في سنة 61 للهجرة، بل يُحاسب على موقفه من طغاة عصره، ومن مشاريع الهيمنة والاستكبار في زمنه. كما يقوم الانتظار على الإيمان بأن الظهور وعد إلهي، لكن التمهيد له مسؤولية بشرية، وأن مقاومة الظلم ليست نقيض الانتظار، بل شرطه، وأن بناء المجتمع الصالح هو الأرضية الواقعية لدولة العدل، لأن الإمام المهدي يحتاج إلى أنصار، وإذا لم يتحقق شرط النصرة فلن يتحقق الظهور.
ومن هنا، فإن مقاومة الاستكبار تمثل جوهر الانتظار الواعي، لا بوصفها حالة محلية أو ظرفية، بل بوصفها صراعًا حضاريًا عالميًا. فالاستكبار ليس مجرد سلوك فردي أو نظام سياسي بعينه، بل منظومة عالمية تقوم على الهيمنة السياسية، والاستغلال الاقتصادي، والتغريب الثقافي، وتشويه القيم الدينية. وقد طوّر الفكر الإسلامي المعاصر هذا المفهوم ليصبح "مقاومة الاستكبار" عنوانًا شاملًا للصراع مع الهيمنة الغربية–الصهيونية، ومشروعًا حضاريًا متكاملًا لمواجهة الظلم العالمي.
وفي هذا السياق، فإن المنتظر الحقيقي لا يمكن أن يكون محايدًا في الصراع بين الحق والباطل؛ فالحياد في معركة الوجود هو انحياز غير معلن للباطل. فالقرآن الكريم يخبرنا أن شخصًا واحدًا عقر ناقة صالح، لكنه قال: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾، لأن الباقين سكتوا، فاشتركوا في الجريمة بالسكوت. ومن هذا المنطلق، فإن المنتظر الحقيقي يجب أن يكون مقاومًا في الموقف، واعيًا في الفكر، ملتزمًا في السلوك، ومنخرطًا في مشروع الأمة الإسلامي ضد الطاغوت.
ولا توجد منطقة رمادية يقف فيها الإنسان بين الحق والباطل، فمن يتزحزح عن الحق لن يجد أمامه إلا الباطل: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾. ولذلك، فإن الانتظار الواعي لا ينفصل عن دعم قضايا المستضعفين، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ولا عن الوقوف في وجه مشاريع الاحتلال، ولا عن رفض التبعية الثقافية والسياسية.
غير أن المشروع الإلهي لا يقوم بلا قيادة، حتى في فترات الغياب المؤقت للقيادة الأصلية. فقد استخلف نبي الله موسى (ع) أخاه هارون (ع) على قومه حين توجّه إلى ميقات ربه، رغم أن غيبته لم تتجاوز أربعين ليلة. فإذا كان غياب النبي أربعين يومًا يقتضي استخلاف نائب، فكيف يُعقل أن تُترك الأمة الإسلامية بلا نائب شرعي لأكثر من اثني عشر قرنًا؟ إن هذا يناقض منطق السنن الإلهية، ومقتضيات الحكمة الربانية، ومسار التاريخ الديني في جميع الأمم.
ومن هنا، قرر فقهاء الإمامية مبدأ النيابة العامة للفقيه الجامع للشرائط، استنادًا إلى النصوص المعتبرة، وأبرزها توقيع الإمام المهدي (عج): «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله». فهذا النص يؤسس لمرجعية شرعية شاملة في زمن الغيبة، لا تقتصر على الفتوى، بل تمتد إلى قيادة المجتمع وصيانة الدين وإدارة شؤون الأمة ضمن الإطار الشرعي.
وتثبت التجربة التاريخية أن معرفة الإمام أو النبي لا تكفي وحدها لضمان النصرة، بل إن معرفة القائد بوصفه قائدًا للمشروع الإلهي هي الفيصل الحقيقي في الاصطفاف بين جبهة الحق وجبهة الباطل. ففي كربلاء، عرف الناس حسين بن علي (ع) سبط رسول الله، لكن كثيرًا منهم لم يعرفوه بوصفه قائد مشروع الحق الإلهي في زمانه، فخانوه أو خذلوه، ولم يلتحقوا بجبهته، رغم وضوح حقانيته. وهذا يؤكد أن المعرفة الاسمية لا تصنع النصرة، والمعرفة الشعورية لا تكفي دون معرفة قيادية.
ومن هنا، فإن سرّ الانتظار الحقيقي لا يكمن فقط في معرفة الإمام الغائب، بل في معرفة نائبه الحاضر، والالتزام بخطه، والانخراط في مشروعه. فجبهة الحق لا تقوم على الشعارات، بل تقوم على قائد يهدي، ومنهج يرشد، وجماعة تتحرك، وبدون القيادة يتحول الانتظار إلى حالة وجدانية مفصولة عن الواقع، ويصبح الإيمان بالظهور معزولًا عن حركة التاريخ، ويغيب المشروع لصالح الشعور.
ورغم وضوح معالم الانتظار الإيجابي الواعي في النصوص الشرعية والفكر الإسلامي المعاصر، إلا أن واقع الأمة يكشف عن وجود جملة من الموانع التي تعيق تحقق الانتظار الحقيقي وتحرفه عن مساره الرسالي، أبرزها الجهل العقائدي وسوء الفهم للغيبة، والانحراف عن القيادة الشرعية، والانغماس في الدنيا وثقافة الاستهلاك، والخوف والتردد أمام الاستكبار والباطل، والتطبيع مع الظلم وتبرير الواقع الفاسد باسم الواقعية السياسية أو الحفاظ على المصالح.
في مقابل هذه الموانع، يتجلى تكليف المنتظر الحقيقي على أربعة مستويات مترابطة: المستوى العقائدي القائم على الإيمان الواعي بالإمام الغائب ونصرة القيادة الإسلامية ورفض التأويلات المنحرفة للغيبة؛ والمستوى الأخلاقي القائم على الالتزام بالقيم المهدوية من عدل وصدق وأمانة وتضحية وبناء الذات بوصفها نواة للمجتمع الموعود؛ والمستوى الاجتماعي والسياسي القائم على نصرة المظلومين ومقاومة الظالمين والالتزام بقيادة الفقهاء والمراجع والمشاركة في بناء المجتمع الصالح؛ والمستوى الحضاري والتمهيدي القائم على الإسهام في بناء مؤسسات عادلة ونشر الوعي الرسالي ودعم مشروع الأمة الإسلامي في مواجهة الاستكبار.
وهكذا، يتضح أن الانتظار ليس حالة نفسية ساكنة، بل مشروع تغييري شامل، يتجسد في مقاومة الاستكبار، ونصرة المستضعفين، وبناء المجتمع الصالح، والالتزام بولاية الفقهاء والمراجع في زمن الغيبة. فالمنتظر الحقيقي ليس من يكتفي بالدعاء، بل من يحوّل الدعاء إلى مشروع، والإيمان إلى حركة، والعقيدة إلى مسؤولية، والغيبة إلى فرصة تاريخية لبناء الأرضية الواقعية لدولة العدل الإلهي. وبذلك، يصبح المنتظر شريكًا في صناعة التاريخ، لا مجرد شاهد عليه، وجنديًا في معركة الحق، لا متفرجًا على صراع الباطل.








اضافةتعليق
التعليقات