الظلم هو ذلك السلوك القاسي الذي يغير الفطرة النقيّة، ويجعل المخالب تنمو على أطراف أكثر الأنامل رقة وبراءة. ولعل أبشع ما قد يصل إليه الإنسان هو أن يكون ظالماً للآخرين وهو لا يشعر، فـأحياناً يكون الظلم بكلمة جارحة تخرج من الفم لتمزق قلباً بريئاً. وفي كثير من الأحيان، يأخذ الحياءُ المظلومَ من كل حدب وصوب، فلا يستطيع أن يجاريك في القسوة أو يرد الكلمة بمثلها، لتختنق العبرات بين طبقات لسانه؛ فحياؤه وخوفه من الله يمنعانه من أن يبادرك بنفس الجرح الذي غرزته في قلبه.
أولاً: سجن العادات والتقاليد (السكن المشترك)
من صور الظلم الاجتماعي التي نراها بوضوح في مجتمعنا، هو إجبار الأسرة تحت أطر العادات والتقاليد على سكن عدد كبير من الأولاد مع زوجاتهم وأطفالهم تحت سقف واحد.
حين نفتح نافذة هذا المنزل، نشاهد واقعاً مليئاً بالضغط:
تلاشي الخصوصية: نرى الزوجات منشغلات طوال اليوم في إرضاء الأسرة الكبيرة حتى نسين أنفسهن، ووصل بهن الأمر إلى التنازل عن أبسط متطلباتهن الشخصية ومتطلبات أزواجهن.
تشتت الأبناء: يصبح الأطفال ضحية لتربية "رخوة" ومشوشة، فالطفل يتلقى التوجيه والأسلوب من كل فرد في البيت، فتتشابك الأفكار وتضيع معالم التربية التي يريدها الوالدان.
غياب السكينة: وسط أجواء مليئة بالضوضاء وكثرة الكلام الذي لا يغني ولا يسمن من جوع، تختفي الطمأنينة من النفوس.
وعندما تسأل عن السبب، تأتيك الذريعة الجاهزة: "هذا ما وجدنا عليه آباءنا، والأسرة ستتفكك إذا تفرقنا". وتناسى هؤلاء أن التفكك الحقيقي يحدث داخل النفوس المشحونة والمظلومة.
ثانياً: الخداع باسم الصلاح (الزواج غير المتكافئ)
ثمة صورة أخرى من صور الظلم التي تطفو فوق سطح بعض الأسر، وتتمثل في الخداع عند الخطبة؛ حيث تتقدم بعض العائلات لخطبة فتاة من أسرة ملتزمة دينياً وعقائدياً، تتجلى فيها معاني الإيمان والعفة والحشمة، بالرغم من أن ابنهم بعيد كل البعد عن أجواء الالتزام.
يبدأ الصدق بلفظ أنفاسه الأخيرة عندما يرسمون لابنهم صورة "المثالية والكمال" أمام أهل الفتاة، مرددين عبارة: "نبحث عن فتاة مؤمنة تحافظ على بيتها وتصلح حال ابننا".
وبعد الزواج، تصطدم الزوجة بالواقع البائس المزيف الذي خُبئ وراء العبارات المبهرة. ولأنها امرأة صالحة ونقية، تبدأ رحلة المعاناة الصامتة:
تصبر كثيراً وتحاول جاهدة ترميم أسرتها.
تحاول إخفاء صورة زوجها الحقيقية أمام أبنائها حفاظاً على صورتهم الذهنية.
تنزف روحها داخلياً في سبيل الحفاظ على بيتها.
وهنا نتساءل بحسرة: أين وجه المقارنة والعدل في هذا؟ وهل الضمير الذي كان يسكن القلوب قد حمل حقائبه ورحل إلى مقبرة الأموات؟ وهل انطفأ نور مخافة الله بين جدران بعض الأرواح؟
في نهاية المطاف، يجب أن ندرك أن لكل شيء في هذه الحياة أساساً وبداية. وبداية الظلم تبدأ من بذرة صغيرة في النفوس، ثم تصبح نبتة، ثم شجرة تثمر مراراً وألماً إذا لم يتم اقتلاعها من الجذور. إن إنصاف المرأة وحمايتها من ظلم العادات والتقاليد هو أول خطوة لبناء مجتمع سليم وصحي.


اضافةتعليق
التعليقات