بعد قرونٍ من معجزة نبيّ الله موسى (عليه السلام)، وعلى أرض كربلاء، وقف الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) وحيدًا محاصرًا مع أهل بيته وأطفاله وأصحابه، وقد مُنع عنهم الماء، ليخطّ بدمه الطاهر أعظم عبورٍ من دار الفناء إلى دار الخلود.
فبين انشقاق البحر لموسى ونجاة قومه، واستباحة دم الحسين ليبقى خالدًا في ضمير الإنسانية، التقت المعجزة بالتضحية، وتجسّدت حقيقةٌ أزلية مفادها أن عروش الطغاة إلى زوال، عاجلًا أم آجلًا، وأن الله سبحانه يمهل ولا يهمل، وأن طريق الحق هو الطريق الباقي وإن بدا مستحيلًا، وهو السبيل الوحيد إلى الخلود.
فما بين نبي الله موسى وأبي عبد الله الحسين (عليهما السلام) رابطٌ فكريّ وعقائديّ عميق؛ إذ كان الماء في قصة موسى وسيلة النجاة، فانشقّ البحر بأمر الله ليعبر من خلاله قومٌ كثيرون بمعجزة سماوية يعجز العقل عن إدراك عظمتها.
أما في قضية الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد كان حجب الماء عنه وعن أهل بيته محورًا أساسيًا من فصول المأساة، وكانت النجاة المعنوية للإسلام ولدين جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بذل دمه الشريف، حين أعلن موقفه الخالد يوم عاشوراء، مؤكدًا أن بقاء الرسالة يستلزم التضحية والفداء.
لقد طغى فرعون بالماء، فكان الماء سبب هلاكه وغرقه، أما بنو أمية فقد طغوا بحرمان الحسين وأهل بيته من الماء، فكان جزاؤهم أن غرقوا في بحر العار الذي لاحقهم عبر القرون.
كان العبور في قصة موسى عبورًا بقومه من الذل إلى العزة، ومن أرض العبودية إلى فضاء الحرية.
أما عبور الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد كان عبورًا بالأمة الإسلامية من موت الضمير إلى حياة الكرامة، ومن الاستسلام للظلم إلى مقاومته ورفضه. ولذلك صدح في أرض كربلاء بشعاره الخالد: «هيهات منّا الذلة».
ولم يكن لهذا العبور المقدّس أن يترسّخ في التاريخ لولا تلاحم البيوتات الرسالية ودورها في نصرة الحق.
ففي قصة موسى (عليه السلام)، كان لأسرته دورٌ محوريّ في تثبيت معجزته؛ فقد كانت أخته تترقّب أثره بعد أن أُلقي في اليمّ، وكان أخوه هارون وزيره وعضده الذي شدّ الله به أزره.
أما الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد برزت أسرته كتلةً واحدة من الفداء والتضحية. فكان العباس (عليه السلام) كهارون في نصرة أخيه، يحمل لواءه ويحمي ظهره، ويسعى لإرواء عطش الأطفال والنساء.
وحين استُشهد الرجال، نهضت النساء الهاشميات بمسؤولية الحماية والرعاية، وفي مقدمتهن السيدة زينب (عليها السلام)، التي تولّت إيصال رسالة أخيها إلى الأجيال، وكشفت للعالم ما جرى على أرض الطف، فكانت الامتداد الإعلامي والثقافي لثورته الخالدة.
وإذا كانت أخت موسى قد راقبت التابوت حفاظًا على أخيها الطفل، فإن زينب بنت علي (عليها السلام) قادت الركب الحسيني بين البلدان، حاملةً رسالة أخيها، محافظةً عليها من التحريف والتزييف، من أرض الطفوف إلى قصور الطغاة.
ومن هنا نستنتج أن العبور المقدّس ليس مجرد حدثٍ تاريخي تتناقله الأجيال، بل هو منهج حياة. فكلما واجه الإنسان طاغيةً أو ظلمًا، عليه أن يتذكر أن الله يفتح للحق طريقًا للنجاة، كما فتح البحر لموسى، وأن التضحية الصادقة قد تكون هي المعبر إلى الخلود، كما كانت للحسين.
وهكذا يبقى الحق منتصرًا، سواء تجلّى في صورة معجزةٍ تشقّ البحر، أم في صورة تضحيةٍ تهزّ ضمير التاريخ.


اضافةتعليق
التعليقات