في كربلاء سقط كثير من الرجال، لكن شيئاً واحداً لم يسقط: الصلاة.
وسط العطش والحصار، وبين صليل السيوف وانهمار السهام، وقف الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) ليؤكد للأجيال أن العلاقة مع الله لا تؤجَّل، ولا تُعطَّل، ولا تُساوَم عليها مهما اشتدت الظروف.
وعندما يُذكر الإمام الحسين، يتجه الذهن مباشرة إلى الشهادة والتضحية والفداء. لكن يبقى السؤال الأهم: لأجل ماذا ضحّى الحسين بنفسه وأهل بيته وأصحابه؟
هل خرج طلباً لسلطة أو سعياً لمنصب أو رغبة في دنيا زائلة؟
لقد أعلن هدفه بوضوح حين قال: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي». لقد كانت نهضته مشروعاً لإحياء القيم التي بدأت تضعف في حياة الأمة؛ قيم العدل والكرامة والحق والعبادة والطاعة لله.
ومن أعظم المشاهد التي تكشف حقيقة هذه النهضة مشهد يوم عاشوراء نفسه. فبينما كانت السيوف والرماح تحيط به وأصحابه من كل جانب، وحين كانت لحظات الحياة تتناقص مع كل سهمٍ يُرمى، لم ينسَ الحسين الصلاة. طلب مهلة ليؤدي صلاة الظهر، ثم أقامها تحت وابل السهام.
هنا تتجلى الرسالة بأوضح صورها: إذا كانت الصلاة تستحق أن تُقام في قلب المعركة، فكيف تُترك في زمن الأمن والراحة؟
إن الحسين لم يضحِّ بنفسه لتبقى الصلاة كلمات تُردد بالألسن، بل لتبقى حقيقةً تنبض في حياة الإنسان. فالصلاة ليست عادة يومية، ولا حركاتٍ متكررة تؤدى على عجل، بل هي صلة بين العبد وربه، ومصدر قوةٍ وثباتٍ وسكينة وسط اضطرابات الحياة.
كثير من الناس يبحثون عن الطمأنينة في كل اتجاه، بينما يغفلون عن أقرب أبوابها. نحمل هواتفنا معنا أينما ذهبنا خوفاً من أن نفوّت رسالةً من بشر، بينما يؤذن المؤذن خمس مرات فلا نخشى أن نفوّت نداء السماء.
وليست الصلاة عبئاً على الوقت كما يتصور البعض، بل بركة فيه. وليست خصماً لأعمالنا، بل معيناً عليها. وكلما ازدادت مسؤوليات الإنسان وتكاثرت همومه، ازدادت حاجته إلى لحظات يقف فيها بين يدي الله ليستعيد توازنه وقوته.
لقد علّمنا الحسين أن المبادئ التي لا يُضحّى من أجلها تموت، وكان من أعظم تلك المبادئ حفظ العلاقة مع الله. ولذلك فإن الوفاء الحقيقي لرسالة كربلاء لا يقتصر على استذكار المأساة، بل يمتد إلى الالتزام بالقيم التي استشهد من أجلها أصحاب تلك الرسالة.
وإن كنت مقصراً في الصلاة، فلا تيأس. لا تنتظر أن تصبح مثالياً حتى تبدأ، بل ابدأ لتصبح أفضل. صلِّ صلاةً واحدة في وقتها، ثم حافظ على التي بعدها، واجعل بينك وبين الله موعداً لا ينقطع.
وفي كل مرة تسمع فيها الأذان، تذكّر أن رجلاً عظيماً وقف في أشد ساعات حياته صعوبة ليحافظ على هذه الصلاة. لقد مرّت سهام عاشوراء وانتهت، لكن اختبار الصلاة ما زال قائماً في حياة كل واحدٍ منا.
رحم الله الحسين، الذي علّم الأجيال أن الصلاة ليست هامشاً في الحياة، بل قلب الحياة وروحها.








اضافةتعليق
التعليقات