في كل سنة، يأتي يوم عرفة وكأنه فرصة أخيرة يمنحها الله للقلوب المتعبة. ليس لأن الحياة تصبح أخف، بل لأن هذا اليوم يوقظ شيئًا ظل نائمًا تحت ضجيج الأيام.
ذلك المساء، كان عبدالله يجلس قرب النافذة قبل الغروب بقليل. الهاتف بين يديه يمتلئ برسائل التهنئة والأدعية المنسوخة. يفتح بعضها ثم يغلقه بلا اهتمام حقيقي.
في الخارج، كانت الحياة تسير كعادتها: سيارات مسرعة، أطفال يركضون خلف كرة قديمة، وبائع متعب يجر عربته بصوت معدني خافت.
كل شيء بدا عاديًا… إلا ما كان يحدث داخله. شعر بثقل غامض، كأن قلبه استيقظ أخيرًا ليحاسبه.
لم يكن في مكة. ولم يقف على جبل عرفة بين الحجاج. ومع ذلك، شعر أن هذا اليوم جاء يبحث عنه شخصيًا.
أطفأ شاشة الهاتف، وأسند رأسه إلى الكرسي، ثم سأل نفسه السؤال الذي هرب منه طويلًا:
“متى أصبحتُ بهذه القسوة؟”
مرّت في ذهنه وجوه كثيرة. أشخاص خذلهم دون قصد، وآخرون جرحهم بكلمات نسيها هو… وبقي أثرها فيهم.
تذكر كم مرة وعد نفسه أن يتغير، ثم عاد كما كان.
وفي صمت ثقيل، فهم شيئًا مؤلمًا:
أن الإنسان لا يضيع فجأة… بل يبتعد عن نفسه خطوة صغيرة كل يوم. لهذا يبدو يوم عرفة مختلفًا. فيه تسقط المقارنات التي نستنزف أعمارنا فيها.
لا أحد يسأل: كم تملك؟ ما منصبك؟ ومن أي بلد جئت؟
هناك ملايين يقفون بلباس واحد، يرفعون أيديهم إلى الله بالطريقة نفسها، وكأن البشرية تعترف أخيرًا بحقيقتها الأولى:
أن الإنسان، مهما بدا قويًا، يبقى ضعيفًا أمام حاجته للرحمة. وربما لهذا يبكي الناس في يوم عرفة. ليس خوفًا فقط…
بل لأنهم يكتشفون حجم اللطف الذي كان يحيط بهم طوال الوقت دون أن ينتبهوا.
فالله لا يطلب من عباده أن يكونوا كاملين. لا أحد كامل أصلًا. كل ما يريده منهم أن يأتوا إليه بصدق. بقلوب متعبة، مثقلة بالأخطاء، لكنها ما زالت تعرف الطريق.
وهذا ما يجعل يوم عرفة بابًا واسعًا للأمل. لأن كثيرًا من الناس لا تمنعهم الذنوب من العودة إلى الله… بل يمنعهم شعورهم أنهم لا يستحقون العودة بعد. بينما الحقيقة أبسط من ذلك:
العودة تبدأ من الاعتراف بالنقص، لا من ادعاء الكمال.
رفع رأسه نحو السماء التي كانت تبتلع آخر خيوط الشمس، وشعر لأول مرة منذ مدة طويلة أنه يريد أن يدعو… لا أن يكرر كلمات محفوظة، بل أن يتكلم بصدق.
في يوم عرفة، يصبح الدعاء مختلفًا. ليس لأن الكلمات أجمل، بل لأن الإنسان يتحدث أخيرًا من مكان حقيقي داخله.
واحد يدعو بالشفاء. وآخر بالرزق. وثالث يبحث فقط عن الطمأنينة. لكن خلف كل تلك الدعوات، يوجد طلب واحد يتكرر بصيغ مختلفة:
“يا رب… لا تتركني وحدي.”
وفي تلك اللحظة، تذكّر عبدالله دعاء الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) في يوم عرفة.
تذكّر كيف تأمل الإمام في نعم الله الصغيرة:
السمع، والبصر، والقلب، والأنفاس.
وكأنه كان يذكّر الإنسان بأن أكثر النعم قربًا منه… هي أكثرها تعرضًا للنسيان.
هذه الأنفاس التي تتكرر بهدوء. وهذا القلب الذي يواصل النبض رغم كل شيء. وهذه القدرة الغريبة على النهوض بعد كل خيبة.
حينها فقط، وهو يربط بين نافذته وبين جبل الرحمة، فهم لماذا يبدو هذا اليوم مختلفًا إلى هذا الحد.
كان الليل يهبط بهدوء، والشارع في الخارج بدأ يخفت صوته تدريجيًا. أما داخله، فكان شيء آخر يحدث. شعر أن قلبه صار أخف قليلًا.
ليس لأن مشكلاته انتهت، ولا لأنه تحول فجأة إلى إنسان آخر… بل لأنه أدرك أن الله لا يطلب منه أن يأتي بلا جروح، بل أن يأتي ليضع جروحه بين يديه.
أغلق النافذة أخيرًا، بينما كان الأذان البعيد يتسلل بهدوء عبر المدينة. وللمرة الأولى منذ زمن، لم يشعر أنه يحتاج إجابات كثيرة.
كان يكفيه شعور واحد فقط:
أن الطريق إلى الله ما زال مفتوحًا… وأن قلبه، رغم كل شيء، لم يمت بعد.








اضافةتعليق
التعليقات