• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

عارضٌ ينقَدح، وعقولٌ تَميل.. وصيةٌ عابرةٌ للأزمان

مريم حسين العبودي / الأحد 15 حزيران 2025 / اعلام / 1046
شارك الموضوع :

المقال الفائز بالمرتبة الثانية في مسابقة "الغدير.. وعد السماء للمؤمنين"

يتجوّلُ أحدهم بين المجالس، يُنصتُ لما يُقال تارةً، ويدلو بدلوه تارةً أخرى، يؤمنُ بأفكارٍ جمّة، مبادئٌ يظن أنها راسخةٌ فيه رُسوخ الجبال، ولديه ثوابت فكرية لا يتزعزع عنها بأي حالٍ من الأحوال. يمتلك الجرأة والإقدام ليُفنّد ارآء الآخرين، يُحاجج هذا، ويرتفع صوته هادراً بالحق مع ذاك، لا يردعهُ عن رأيهِ رادع... وبعد جلساتٍ متوالية مع جماعةٍ من الناس، ونقاشاتٍ تُطرحُ فيها اراء جديدة وأفكار برّاقة، يخفُتُ صوته، يزدادُ الإنصات وقدمٌ تتراجعُ للخلف خطوتين، حقائق علمية من هنا، وأقوال لأسماء متلألئة من هناك، يتأرجح اليقين الذي في نفسه، ويتراجع المبدأ الراسخ، يبدأ العقل بالإقتناع بما يسمع، تأخذُه فورة الأندهاش بهذا الجديد، يتقهقر منسحباً ثم.. تنقلب الموازين كلها، يستسلم، ويسودُ صمتٌ مُطبَق.

تستغرق عملية بناء الآراء والمبادئ الشخصية عمراً  كاملاً، يبدأ من سنيّ الإنسان الأولى من وعيه، إذ يتأثر في كل ما يجري حوله، من أحداث وردود أفعال داخل العائلة وخارجها من مجتمع الشارع والمدرسة والأقارب والأصدقاء؛ فتُبنى على أثرها انطباعات شخصية تتطور فيما بعد لتجد تفسيرات تمنحها عناوين واضحة وتقسّمها في حقول دينية واجتماعية ونفسية وفكرية، عناوين تكثّف رسوخها وتشكّل ماهية وجود ذلك الشخص وتهيئه فيما بعد لتأدية رسالته على هذه الأرض.

تتنوع اليوم المصادر التي تنشد تغيير الفكر وإعادة برمجته؛ يتم معاملة العقل من خلالها معاملة أرضٍ يُراد تغيير محاصيلها، فتُحرث من جديد بشكلٍ كامل، ثم تُبذر ببُذور لا قِبل لهذه الأرض بها، تستهجنها التُربة في بادئ الأمر، ثم ما تلبث أن تحتضنها وتُغذيها وتمُدها بما يلزم لتنمو وتكوّن نباتاً جديداً يسُرُ بمنظره الناظرين. وإنه من السهولة بمكان إعادة تقليبُ تُربةٍ لا جُذور عميقة تضربُ في لُبها، ولا أشجار معمّرة تعلو فوقها لمئات السنين، يكفيها جُهدٌ بسيط ليندثر الزرع الذي كان فيها ويُصبح في طيّ النسيان.

يتم استغلال قابلية الأفراد للتخلي عن مبادئهم في العزف الناعم على أوتار النفس البشرية للإنسان الحديث وتشكيك المرء بكل ما نشأ عليه، بأن يُوهَم بأنه له دوراً مفصلياً في عملية واسعة النطاق ستنقلهُ إلى حياةٍ رغيدة، وأن الخير والصلاح يكمنان فقط في التحرر من مدخلات الماضي وتبني أفكار جديدة، يتم استغلال هذا النوع من إعادة البناء الفكري بشكل مدروس من خلال إقناع الفرد بأنه ضحية لعادات وتقاليد بالية وإنه لم يختر ما هو عليه الآن، وأن الأولى به التحرر من وطأة كل شيء والركون إلى حواسه وإدراكه الخاص فحسب، دون أن يعلم إن هذا الأدراك قد أُعِد بشكلٍ مسبق وتم حشوه في العقل دون إرادة للرفض.

تحت مُسميّات لا حصر لها، من محاضراتٍ توعوية، ندوات تنويرية، جَلسات تأمّل، علاجات طاقية، حوارات، أمسيات، حسابات شخصية لمؤثرين في مواقع التواصل الإجتماعي، مقاطع فيديو قصيرة، ولقاءات حوارية وغيرها كثير... تتغير الأفكار وتنسلخُ عن أصولها، يذهبُ إليها المرء دون أن يدري أو دون وعيِ مسبق حاملاً في يديه كسوةً جديدة يرتديها بعد خلع أسماله القديمة التّي ودون أن يعرف لماذا ومتى، عدّها بالية وباهتة لا تليقُ به ولا تلائم روح العصر، تلك الروح التي أفلحت في تجريد الكثيرين من ثوابت يقينية آمنو بها ونشؤا عليها وتجذرت فيهم، وذلك من خلال ارغامهم بشكلٍ تدريجي على إعادة تقييمهم لذواتهم وأسسهم الفكرية من خلال زرع بذور الشك حول جدوى ما يؤمنون به، مغرقين عقولهم بمقارناتٍ مع أحوال الآخرين وما يؤول إليه حال من يركب موجة الحداثة والتحرر وما يبقى عليه حال من يتشبّث بمعتقداته وأفكاره. وبذكاءٍ بالغ ودراسة مستفيضة عرفت هذه الوسائل بمن تبدأ ومن سيكونُ طيّعاً لإحداث هذه الثورة الفكرية والأنجراف مع التيار.

جاء في وصيةِ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لكُميل بن زياد النخعي: "هَا إِنَّ ها هُنَا لَعِلْماً جَمّاً (وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلى صَدره) لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً (11)! بَلَى أَصَبْتُ لَقِناً (12) غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ، مُسْتَعْمِلاً آلَةَ الدِّينِ لِلدُّنْيَا، وَمُسْتَظْهِراً بِنِعَمَ اللهِ عَلَى عِبادِهِ، وَبِحُجَجِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، أَوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ الْحَقِّ (13) لاَ بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ (14) يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ لِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ.(1)

نجدُ أنها وصيةٌ عابرةٌ للأزمان، تُلامسُ جوهر الإنسان في كل وقت وكل عصر، فما قد قيل قبل أكثر من ألف واربعمائة سنة، يتجسّد بشكل يوميّ الآن في عصرٍ الذكاء الأصطناعي والثورة المعرفية الهائلة وانهدام النُظم المجتمعية. ففي عبارة (يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ لِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ) تُختزل أحوال بشر في العصر الحالي، بين خارجٍ عن مبدأ، ومُرتدٍ عن دين، وغافلٍ عن إنسانية، وهادمٍ لقوانين ومتمردٍ على عادات ومتأثرٍ ببريق حياة الميتافيرس (Metaverse) والزيف الذي يغلّف كل ما تتمُ مشاركته في منصات التواصل ومحاولات تغيير الفكر والإطاحة بمنظومة القيم السوية وإبدالها بما يخدمُ مصالح المستفيدين من عملية التلقين الفكري هذه والهيمنة على العقل ليُصبح أداةً طيّعة يسهُل تلغيمها بما يشاء أي طرف منتفع.

يقول الشافعي "إذا كنتَ ذا رأيٍ فكنْ ذا عزيمةٍ فإنّ فسادَ الرأي أن تترددا".. ويأتي السؤال هنا، متى يثبُت الإنسان على رأيٍ، ومتى يكون غرس البذور فيه مُمَهداً لنموٍ سليم وإنطلاقة ثابتة للمستقبل مهما تغيّرت أحداثه وتكالبت عليه الأنظمة والمحاولات لطمس هوية الفكر النيّر الواضح الذي لا يخضع لأي سلطة أو نفوذ؟! حين يكون المبدأ مبنياً على الفهم والإدراك التام والقناعة الشخصية دون إجبارٍ أو طاعة عمياء ومصقولاً بالتهذيب المستمر فإنه يصبح صلداً لا صَدع يمسّه؛ إذ تُربّى الأفكار والمُعتقدات ويُعتنى بها كما الطفل، لا يمكن إهمالها وايقافها عن زمنٍ واحد، بل إنها تنمو وتتطور مع حداثة العصر، فمفهومٍ ما تؤمن به قبل خمس سنوات، يحتاجُ أن تجدد ثباته وتحدّثه كما تحدّث تطبيقات هاتفك كل فترة، على أن يبقى الأساس نفسه، لكن ليتماشى مع (روح العصر) كيلا تقع في حيلة التناقض بين مبدأٌ قديم مغبّر وحداثةٍ متألقة تأسرُ العقل وتُغري البصر.

يقول الله عزّ وجل: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)(2) إذ أن هذا الثبات هو خيرُ ما ينشده المرء من غاية خلقه، وأفضلُ زادٍ يحمله معه لآخرته، به يكون جديراً بعبوديته للخالق وتأدية رسالته كخليفةٍ في أرضه. إن الثبات والاستقامة الفكرية اليوم شأنها شأن الكثير من أنواع الأستقامات الأخرى التي يدأب من خلالها المرء (السوي) في رحلته الوجودية أن يُدرّب نفسهُ عليها ويجعل منها عِماد حياته لكيلا يميل إلى جهة لا يليقُ به الميّل إليها؛ فيحفظ بذلك ماء وجه فطرته السليمة التي جُبل عليها ومعرفة الخالق لهذه الفطرة حين كان ردّه سبحانه على الملائكة بعد أن رأوا إن هذا الخليفة (يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) بـ ( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)(3). فهل نسيرُ اليوم بما يعلمهُ الخالق عنّا أم برأي الملائكة؟! هل بـ (وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) أم بـ (مَا لَا تَعْلَمُونَ)!

(1)            شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج ١٨ - الصفحة ٣٤٦

(2)            سورة إبراهيم: 27

(3)            سورة البقرة :30 


الشيعة
الامام علي
الوعي
الدين
عيد الغدير
التاريخ
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    دليل المرأة لاستخدام المكملات الغذائية.. متى يمكن الجمع بين الفيتامينات؟

    دليل المرأة لاستخدام المكملات الغذائية.. متى يمكن الجمع بين الفيتامينات؟

    الأثنين 20 تموز 2026/
    بين سكينٍ لم تذبح إسماعيل وسيوفٍ انهالت على جسد الحسين.. تسليمٌ مطلق لأمر الله

    بين سكينٍ لم تذبح إسماعيل وسيوفٍ انهالت على جسد الحسين.. تسليمٌ مطلق لأمر الله

    الأحد 28 حزيران 2026/
    ماهي أكثر الدول امتلاكًا للذهب في العالم؟

    ماهي أكثر الدول امتلاكًا للذهب في العالم؟

    الأثنين 01 حزيران 2026/
    ما الذي تهرب منه النساء إلى الصمت؟

    ما الذي تهرب منه النساء إلى الصمت؟

    الأحد 10 آيار 2026/
    الألياف أم البروبيوتيك: أيهما أفضل لصحة الأمعاء؟

    الألياف أم البروبيوتيك: أيهما أفضل لصحة الأمعاء؟

    الثلاثاء 05 آيار 2026/
    5 علامات تدل أنك في علاقة صداقة من طرف واحد

    5 علامات تدل أنك في علاقة صداقة من طرف واحد

    الأثنين 27 نيسان 2026/

    آخر الاضافات

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني

    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت

    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟

    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين

    الأربعين موسم للتغيير وبناء الإنسان

    زيارة الأربعين: من استذكار الشهادة إلى تجديد العهد

    الغرض الحقيقي من إدارة الوقت

    تراجع جودة الهواء.. كيف يؤثر التلوث على صحة الإنسان ومتى يصبح الخروج إلى الخارج خطراً؟

    آخر القراءات

    ماهي أسباب سقوط قوم عاد؟

    النشر : الخميس 06 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 58 دقيقة

    المرأة وجدلية خوضها المضمار السياسي

    النشر : الأربعاء 23 آب 2017
    اخر قراءة : منذ 58 دقيقة

    السيدة الزهراء.. انموذج رائع للحياة كريمة خالية من المشاكل

    النشر : الأحد 22 كانون الأول 2024
    اخر قراءة : منذ 58 دقيقة

    تربية الأطفال..بين القول والفعل

    النشر : الأربعاء 13 كانون الأول 2017
    اخر قراءة : منذ 58 دقيقة

    مسجد السيدة الزهراء.. بين الموالاة والبراءة

    النشر : السبت 23 تشرين الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 58 دقيقة

    قصة عشق.. ليت الذي كان لم يكن

    النشر : الأربعاء 15 آذار 2017
    اخر قراءة : منذ 58 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 457 مشاهدات

    التربية في مدرسة النبي محمد

    • 339 مشاهدات

    نذر على الطريق.... لكل خطوة حكاية عطاء

    • 321 مشاهدات

    دراسة: حقن إنقاص الوزن قد ترتبط بزيادة خطر تساقط الشعر

    • 305 مشاهدات

    كرامات لا تنتهي.... لأبي الفضل العباس

    • 305 مشاهدات

    الرأس الشريف بين الكوفة والركب الحسيني

    • 302 مشاهدات

    الأسرة وادارة الأزمات .. الأسرة الحسينية نموذجا

    • 1131 مشاهدات

    نِداء اليقين

    • 1077 مشاهدات

    نهجُ السجّاد: منارُ الثبات وميثاقُ الإنسانية

    • 921 مشاهدات

    الخير كله بخدمة الحسين.. حصاد برنامج شهر محرم في حسينة الامام الحسن

    • 870 مشاهدات

    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    • 792 مشاهدات

    صدى الكبدِ المقطّعة: مأساةُ السبطِ في طشتِ الغدر

    • 640 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني
    • منذ 18 ساعة
    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت
    • منذ 18 ساعة
    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟
    • منذ 18 ساعة
    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين
    • منذ 18 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة