إنَّ اختزال مفهوم "التربية" في توفير المأكل والمشرب والملبس هو المطبُّ التربوي الأكبر الذي تقع فيه الكثير من الأسر، وهو ما يفسر تلك الصدمة التي تعيشها الأم حين ترى ابنها قد تاه في مسارات الحياة أو اضطربت سلوكياته، فتقول بحسرة: "لقد منحناه كل ما يريد، ولم نقصر معه في مطعم أو مشرب!!"
في غمرة التسارع المادي الذي نعيشه، تحوَّل مفهوم الأبوة والأمومة لدى الكثيرين إلى وظيفة "لوجستية" بحتة؛ حيث يُقاس نجاح الوالدين بمدى قدرتهما على تأمين أفضل أنواع الغذاء، وأرقى الماركات في الكساء، وتوفير كافة المتطلبات المادية التي يطلبها الطفل. ولكن، هل هذا هو جوهر التربية؟ أم أننا نخلط بين "الإعالة" و"التربية"؟
سؤالٌ لابد أن يطرحه كل من يريد أن يشرع بالتربية الحقيقية فحين يتيه الأبناء في زحام الأفكار المنحرفة أو السلوكيات الخاطئة، يبرز الدفاع وهو دفاع تلقائي عند الأم، بقولها: "لم نقصر معه في شيء". هذا الدفاع يكشف عن فجوة عميقة في فهم التربية؛ فالتلبية المستمرة للمتطلبات المادية دون بناء منظومة قيمية هي في الحقيقة عملية تغذية جسدية فقط. الجسد ينمو بالطعام، لكن العقل والروح ينموان بالتوجيه، والقدوة، والحوار.
إن حصر التربية في "تغذية البطون" هو إغفالٌ لحقيقة أن الإنسان كائن فكري وأخلاقي قبل أن يكون كائناً بيولوجياً.
فتغذية العقول لا تعني فقط إرسال الطفل إلى أفضل المدارس، بل هي عملية صناعة "وعي" وقدرة على التمييز. وتتجسد هذه التغذية في نقاط أساسية:
أن تجد الأم وقتاً للحديث مع أطفالها عما يدور في عقولهم، لا عما يملأ بطونهم فالجوع الفكري أخطر بكثير من الجوع الجسدي.
البطن لا تحفظ قيمة، لكن العقل والقلب يفعلان ذلك فكما نعلم أن التربية هي زراعة المبادئ التي تجعل الطفل يرفض الخطأ ليس خوفاً من العقاب، بل نضجاً في التفكير.
الطفل الذي يتعود أنَّ الحب يُعبَّر عنه بـ قطعة حلوى أو لعبة غالية فقط، سيكبر وهو يرى قيمته في الاستهلاك لا في العطاء أو التفكير.
تنمية الأجسام دون رعاية العقول تُنتج أجساداً قوية بأساسات هشة. فالأبناء الذين شبعوا مادياً وجاعوا عاطفياً وفكرياً هم الأكثر عرضة للضياع؛ لأنهم ببساطة لم يمتلكوا "البوصلة" التي توجه حركتهم في الحياة. إنَّ توفير لقمة العيش واجب لكن توفير "لقمة الوعي" هو الفريضة التربوية التي سيسألنا عنها الزمن.
فعلى كل أسرة أن تدرك أنَّ دورها يتجاوز حدود "الفندق" الذي يقدم خدمات الطعام والنوم. وإنَّ التربية الحقيقية هي التي تبدأ من الداخل إلى الخارج؛ فالبطن يشبع وينتهي أثر وجبته في ساعات، أما العقل المشبع بالقيم والمبادئ فهو الذي يبني الإنسان ويحفظه من التيه مهما عصفت به رياح الحياة.
فالتربية هي صناعة إنسان، وليست مجرد تسمين جسد.








اضافةتعليق
التعليقات