إن المحبة والمودة، أو بالتعبير القرآني المودة والرحمة، نعمتان من النعم الإلهية التي وضعها الله بين الأزواج، وفي رواية عن الرسول الكريم (ص) أنه قال: «قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ: إِنِّي أُحِبُّكِ، لَا يَذْهَبُ مِنْ قَلْبِهَا أَبَدًا» (1). وهذه الرواية الشريفة تشير إلى ضرورة إظهار المحبة وتأثيره العميق في المرأة، ولا ريب في أنّ أساس ثبات الأسرة واستحكامها هو المحبة والمودة، فهما تذللان كثيرًا من المشكلات وتزيلان العديد من المعضلات، كما إنهما يزيحان النقص الموجود بين أعضاء الأسرة الواحدة، مثل النقص المادي والفقر، في ظل المحبة والرأفة، لأنّ المحبة والمودة تزيلان آثار الفقر في الأسرة ولا يكون له أي نتائج سلبية.
وفي الحقيقة فإنّ المودة والمحبة، باعتبارهما القاعدة الصلبة للأسرة، هما جوهرة كل مجتمع، بحيث يكون سبب كثير من الاختلافات داخل الأسرة كالطلاق والنزاعات هو فقدان المحبة والمودة. فالمحبة تؤدي إلى توفير السلامة المعنوية لأعضاء الأسرة وإيجاد الثقة بين الزوج والزوجة بشكل كبير، وكثير من أشكال الخيانة بين الأزواج يكون سببها فقدان المحبة والمودة. فإذا كانت المرأة تحب زوجها وتعشقه، فإنه ما من عامل يستطيع حرفها عن مسار العفة والنزاهة، لأن العديد من الاختلافات والانحرافات وعدم انسجام الزوجات والأبناء تبدأ من هذه النقطة، وهي عدم إظهار الزوج محبته تجاه زوجته وأولاده (2).
وفي رواية أخرى تشير إلى أن إظهار المحبة بين الزوجين يعني زيادة الإيمان لديهما، فقد قال الرسول الأعظم (ص): «إن أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا، وخياركم خياركم لنسائهم» (3). وفي حديث آخر تمت توصية النساء بمحبة أزواجهن، فعن النبي (ص) أنه قال: «واعلم أن النساء شتى، فمنهن الغنيمة والغرامة، وهي المتحببة لزوجها والعاشقة له» (4). من الطبيعي أن يكون المقصود بالعشق في الحديث الشريف ليس العشق الزائل والمشاعر المؤقتة، بل هو العواطف الإنسانية النابعة عن المعرفة، والتي تكون مصحوبة بالاستمرار في المودة والتضحية والإيثار والالتزام، وكل ذلك هو أساس النشاط والسعادة والانسجام والمداراة والتوافق في الحياة الزوجية.
يضاف إلى ذلك فإن العشق ليس مجرد مشاعر انفعالية، بل لا بد من أن يكون قائمًا وفعالًا على أساس العلم، وبمثل هذا الأمر تزدهر الحياة. وفي الحقيقة فإن العشق يُعد دعامة قوية للتآلف والمداراة والانسجام.
فالمودة والمحبة بين الزوج وزوجته تمثلان الأرضية لتطور الأبناء ورفعتهم أيضًا، والمحبة والمودة هي الجو السائد في الأسرة لأنهما توفران الجو المطلوب بعيدًا عن التوتر والخلاف.
كما إن فضاء الأسرة يُعد مكانًا تربويًا للأبناء الذين يمكنهم تنظيم سلوكهم وتصرفهم مع أخذ الوالدين كأنموذج للاحتذاء بهما. فالأبناء الذين يعيشون في جو مليء بالسعادة والنشاط والحب، ونشأوا في هذا الفضاء، سيتعلمون تلك الخصال وسوف يبنون حياتهم على هذا الأساس، وسيتعرفون على كيفية معاملة الأب والأم وسائر أعضاء الأسرة بالمحبة، وسيعتبرون ذلك أصلًا ومبدأً مهمًا في حياتهم.
كما تتأثر شخصية الأبناء بمحبة الأسرة ومودتها، ويرى علماء النفس أن الأبناء الذين ينشؤون في أسرة مليئة بالحب والمودة، وتجذرت في أعماقهم جذور المحبة، يصبحون أفضل الأبناء. كما إنّ هذا الرأي موجود أيضًا لدى العلماء الذين لا يؤمنون بالثقافة الدينية. يقول سيغموند فرويد: «إن العلماء الكبار، والمواطنين الصالحين، والعمال، والنساء والرجال الصالحين، ينتمون إلى عوائل وأسر تقبلتهم كأبناء وأظهروا لهم المحبة والود» (5).
ولا شك في أنّ المحبة والسكينة داخل الأسرة من حق الأبناء، ويجب على الأب والأم توفير الظروف المناسبة المليئة بالحب والمودة داخل الأسرة لكي يتمكنا من إيجاد فضاء مناسب لتربية الأبناء.
ومن العسير تربية أبناء صالحين ذوي أخلاق حميدة في أسرة غير مستقرة وغير هادئة. إن الأبناء الذين لم يتلقوا المحبة والمودة الكافيتين سيكونون عرضة إلى الاختلالات الشخصية أكثر من غيرهم، فإحساسهم بهذا النقص يدفعهم إلى تعويض ذلك النقص خارج المنزل، ولهذا فإنه في حالات كثيرة يكوّن الأبناء علاقات غير سليمة وهدامة من أجل الحصول على المحبة والرأفة.
وفي الوقت نفسه فإن المحبة الزائدة والمودة المفرطة هي الأخرى مخرّبة، تؤدي إلى تشكل شخصية غير سليمة لدى الأبناء، فمثل هذا التطرف في الحب الذي يبديه الوالدان اللذان اعتادا على حب الأبناء أكثر من الحد اللازم، والتطرف في حمايتهم وتربيتهم، يؤدي إلى تقليص اعتماد الأطفال على أنفسهم ويخلق منهم أشخاصًا غير مسؤولين وعاجزين عن حل مشكلاتهم.
سبل المحافظة على المودة:
تحتاج كل من المحبة والمودة، كغيرهما من المشاعر الأخرى، إلى المحافظة والمواظبة. فالمودة أمر قلبي، وإن كانت تظهر مبكرًا في أول الأمر، لكن استمرارها ودوامها يحتاجان إلى المراقبة والمواظبة. وفي أغلب الموارد تكون هذه المشاعر معرضة للخطر، ولهذا لا بد من بذل الجهود للحفاظ عليها.
ومن السبل التي تكفل إيجاد المودة والمحافظة عليها المداراة والتآلف في سلوك أعضاء الأسرة مع بعضهم. يقول الإمام علي (ع): «المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فدارها على كل حال، وأحسن الصحبة لها لتصفو عيشك» (6). ففي هذا الحديث الشريف يدعو أمير المؤمنين (ع) إلى مداراة النساء ومراعاة الصفاء والفرحة في الحياة، ورعاية حال الزوجة وإحسان الصحبة معها.
هذا وتعد الأسرة المكان الآمن لكل عضو من أعضائها، ولكل عضو الحق في التمتع بالحفاوة والسكينة والرأفة، ولا ينبغي أن يتعرض أمن الأسرة وسكينتها إلى أي تهديد أو خطر مهما كانت الذرائع. وهنا يتجلى دور الأب والأم المهم، فليس للوالدين الحق في تحويل فضاء الأسرة الهادئ والودي إلى فضاء مشوش وقلق بالأخلاق والتصرفات السيئة والأنانية والعنف والعصبية. وتظهر أهمية هذا الأمر الحساس عندما نعلم أن الأبناء سيعتبرون أنفسهم المذنبين والسبب في إيجاد ذلك الفضاء المشحون عند وقوع أدنى توتر داخل الأسرة.
أما الإسلام فقد ذم الأخلاق السيئة، ولا سيما بين أفراد الأسرة الواحدة، وأوضح مثال على هذه المسألة ما ورد في قصة سعد بن معاذ، وذلك أنه أُتي رسول الله (ص) فقيل له: إن سعد بن معاذ قد مات، فقام رسول الله (ص) وقام أصحابه معه، فأمر بغسل سعد وهو قائم على عضادة الباب. فلما أن حُنّط وكُفّن وحُمل على سريره تبعه رسول الله (ص) بلا حذاء ولا رداء، ثم كان يأخذ يمنة السرير مرة ويسرة السرير مرة حتى انتهى به إلى القبر.
فنزل رسول الله (ص) حتى لحده وسوّى اللبن عليه، وجعل يقول: «ناولوني حجرًا، ناولوني ترابًا رطبًا يسد به ما بين اللبن». فلما أن فرغ وحثا التراب عليه وسوّى قبره قال رسول الله (ص): «إني لأعلم أنه سيبلى ويصل البلى إليه، ولكن الله يحب عبدًا إذا عمل عملًا أحكمه». فلما أن سوى التربة عليه قالت أم سعد: يا سعد، هنيئًا لك الجنة. فقال رسول الله (ص): «يا أم سعد، مه، لا تجزمي على ربك، فإن سعدًا قد أصابته ضمة» (7) (8).








اضافةتعليق
التعليقات