تتمثل هذه العمليات فيما يحدث داخل العقل البشري بالنسبة للمتحدث وهو مسألة معقدة غاية التعقيد لا يمكن الكشف عنها بسهولة، ولكن يمكن وضع تصور لما يحدث داخل هذا العقل، وذلك بتوضيح كيفية إنتاج اللغة عندما يتعرض الإنسان إلى موقف يستدعي منه التحدث على النحو التالي:
1. تخطيط الحديث وهو الخطوة الأولى بالنسبة للمتحدث، وفيها يحدد نوع الحديث الذي يرغب في التحدث عنه أو فيه؛ لأن كل نوع موقف من هذه الأنواع له بنية مختلفة، وعلى المتحدث أن يخطط لحديثه بما يتناسب وطبيعة هذا الموقف أو الموضوع.
2. التخطيط للجملة: وهو الخطوة الثانية، فبعد أن يحدد المتحدث الموضوع أو الرسالة التي يرغب في نقلها عليه إذن اختيار الجمل التي تقوم بهذه المهمة، وعليه أن يحدد أيضاً كيف يرغب في نقل هذه الرسالة، هل ينقلها مباشرة بالمعاني الحرفية للجملة أم ينقلها بشكل غير مباشر عن طريق الأساليب البلاغية أو التهكم أو غير ذلك؟
3. التخطيط للمكونات وفيها يخطط المتحدث لعناصر الجملة بعد أن يكون قد حدد الخصائص العامة للجملة، فيلتقط الكلمات أو الاصطلاحات اللغوية؛ لوضعها في الترتيب الصحيح، والمتحدث يخطط للشكل العام للجملة، وفي الوقت نفسه يختار الكلمات المحددة للجزء تلو جزء آخر.
4. البرمجة الصوتية بعد أن يختار كلمات محددة يقوم المتحدث بصياغتها في شكل برنامج صوتي في الذاكرة، يصلح لكل الكلمات المكونة لعناصر الجملة في الحال فهي تشمل تمثيلاً للمقاطع الصوتية والنبرات والتنغيم.
5. النطق المفصل: وهو الخطوة الأخيرة في تنفيذ مضمون البرنامج النطقي، ويتم ذلك من خلال الميكانيزمات التي تضيف التتابع والتوقيت للبرنامج النطقي وتخبر العضلات الخاصة بالنطق متى تفعل ذلك؟ وتترجم هذه الخطوة إلى أصوات مسموعة أو الكلام.
العمليات الأدائية
وهي العملية التي تبدأ حيث تنتهي العملية السابقة (العملية العقلية)، عند إخبار العقل للعضلات الخاصة بالنطق، وهذه العملية تتضمن ما يلي:
1. القدرة على الأداء اللغوي في الموقف الفعلي، وذلك وفق القواعد المتعارف عليها والتي يسير الكلام المنطوق وفقاً لها.
2. يصاحب هذه الأداء اللغوي إشارات وتلميحات لأعضاء الجسم الإشارات الملمحية التي تساهم في توضيح المعنى.
ونجد إلى أن تنظيم عملية التحدث تمر بخمس عمليات أساسية أو أحداث متتالية مترابطة، يقود بعضها إلى بعض حتى تتم الدائرة بين المتكلم والسامع في أبسط موقف من المواقف اللغوية، وهذه العمليات هي:
1-الأحداث النفسية والعمليات العقلية التي تجري في ذهن المتكلم قبل الكلام أو في أثنائه.
2-عملية إصدار الكلام المتمثل في أصوات ينتجها ذلك الجهاز المسمى جهاز النطق.
3-عملية انتقال الصوت في شكل موجات وذبذبات صوتية الواقعة بين فم المتكلم وأذن السامع، بوصفها ناتجة عن حركة أعضاء النطق، وبوصفها أثراً مباشراً من آثار هذه الحركات.
4-العمليات العضوية التي يخضع لها الجهاز السمعي لدى السامع والتي وقعت بوصفها رد فعل مباشر للموجات الصوتية والذبذبات المنتشرة في الهواء.
5-الأحداث النفسية والعمليات التي تجري في ذهن السامع عند سماعه للكلام واستقباله للموجات والذبذبات الصوتية المنتقلة إليه بواسطة الهواء.
وواضح من العرض السابق لعملية التحدث أن أخذ الموقف الاتصالي برمته بين المتكلم والمستمع، حيث بين العمليات النفسية والعقلية والنطقية والفيزيائية التي تمر بها عملية الأصوات من فم المتحدث إلى أن تصل إلى أذن السامع بما في ذلك انتقال هذا الصوت عبر وسط مادي ناقل له ألا وهو الهواء.
كما أن عملية الكلام بصفة عامة عبارة عن عملية الفسيولوجية وتتمثل في سيطرة الإنسان على عملية التنفس، فنحن نتحدث ونحن نتنفس على المخرج نفسه كما هو واقع الأمر، لذلك فإننا عند نطق جملة طويلة أو إلقاء حيث نتنفس ببطء، ونأخذ شهيقاً حاداً من حين إلى آخر؛ لنجدد التزود بما نحتاجه من الهواء، إنك إن حاولت أن تتكلم وأن تلتقط أنفاسك فسوف تجد أن النواطق تعمل بصورة كافية ولكن الصوت الفعلي الصادر ينحدر إلى صوت أجش منخفض غير مريح كنقيق الضفادع، كما تتضح هذه العملية كذلك من خلال عمل المخ البشري في أثناء الكلام ويتم ذلك من خلال التغيرات التي تطرأ في الجهاز الصوتي وفي التحريك العصبي للسان وفي السيطرة على التنفس كلها ضرورية لظهور الكلام، ولكنها ليست كافية، فحتى نصنع أصوات الكلام يجب أن نزن بدقة بين إنتاج الأصوات وحركات النواطق مثل: اللسان والشفتين، وحتى نتكلم فعلياً يجب أن نصل إلى تكوينات المخ التي تحكم فهم العالم ومعرفته، والتي تحدد الأشياء التي نريد أن نتحدث عنها، وأن نربط ذلك كله معاً، فإنه يتطلب برمجة معقدة، ولذلك نحتاج إلى مخ أو نصف مخ، فنحن نستخدم نحو مائة عضلة عندما نتكلم وننتج فونيمات بمعدل من عشرة إلى خمس عشرة ثانية.
كما أن عملية التحدث تتضمن ما يلي:
1. الاستثارة ووجود المثير: وتتمثل هذه الاستثارة في وجود الدافع الذي يحث المتكلم للتحدث، فقبل أن يتحدث المتكلم بأي كلام لابد أن يستثار، والمثير إما أن يكون خارجياً كأن يرد المتحدث على من أمامه، أو يجيب عن سؤال طرحه مخاطبة، أو يشترك في نقاش مع الآخرين، أو يشارك في حوار أو ندوة، وما إلى ذلك من المجالات المختلفة التي يرد فيها على مثير خارجي، وقد يكون المثير انفعالاً داخلياً مثل: السرور، والغضب والضيق والحزن أو الشكر، وقد تلح على المتحدث فكرة، ويريد أن يعبر عنها أمام الآخرين، ومن ثم فالدافع أو الاستثارة أمر لازم لبدء عملية التحدث؛ فلا يوجد تحدث دون دافع يحث الفرد على عملية التكلم وإلا وسم بالجنون.
2. التفكير: بعد أن يستثار الإنسان كي يتكلم يبدأ في التفكير فيما سيقوله للآخر أو ما سيعرضه على أسماعهم، فيجمع الأفكار ويرتبها، ولذا فإن الإنسان الذي لا يعطي نفسه الوقت الكافي للتفكير فيما سيقول فسيكون كلامه خالياً من المعنى العام أو الدلالة، وسيكون كلاماً غير منظم خال من الأفكار المهمة، وسيكون اضطراب المتكلم في عرض الموضوع سبباً حتمياً في انصراف المستمعين عنه، ولذا فعلى الفرد أن يفكر فيما سيتحدث به فالكلمة تحكمه قبل أن ينطقها، فإذا نطق بها حكمته وأصبحت ملزمة له.
3. الصياغة: يبدأ المتحدث بعد مرحلة الاستثارة والتفكير فيما سيقوله في انتقاء الرموز اللغوية والألفاظ والعبارات والتراكيب؛ لأن الألفاظ قوالب للمعاني واختيار اللفظ المناسب للمعنى يوصل هذا المعنى للسماع من أقصر الطرق دون تعقيد أو غموض أو لبس.
4. النطق: تأتي بعد ذلك المرحلة الأخيرة وهي مرحلة النطق، فلا يكفي أن يكون لدى المتكلم دافع للكلام، وأن يفكر ويرتب أفكاره، وينتقي من الألفاظ والعبارات ما يتناسب مع هذه الأفكار، ويتناسب مع نوعية المستمعين، فهذه كلها عمليات داخلية أي تحدث داخل الفرد ذاته، فلا بد من أن ينطق، حيث إن النطق السليم هو المظهر الحقيقي لعملية التحدث، ومن ثم وجب أن يكون النطق صحيحاً، بريئاً من الأخطاء النحوية، وخالياً من العيوب النطقية التي تشينه، أو تلك التي تحول دون إفهام الرسالة اللغوية على وجهها الصحيح.








اضافةتعليق
التعليقات