يتصل مفهوم التعلم بعمليات اكتساب السلوك والخبرات والتغيرات التي تطرأ عليها، فنتائج عملية التعلم تظهر في جميع أنماط السلوك والنشاط الإنساني الفكرية والحركية والاجتماعية والانفعالية واللغوية، بحيث تتراكم الخبرات والمعارف الإنسانية وتنتقل من جيل إلى آخر عبر عمليات التنشئة الاجتماعية والتفاعل مع العالم المادي.
ويشتمل التعلم الإنساني على الأنماط السلوكية البسيطة والمعقدة منها، ويتضح في مظاهر سلوكية متعددة عقلية واجتماعية وانفعالية ولغوية وحركية، فهو مفهوم افتراضي يشير لعملية حيوية تحدث لدى الكائن البشري، وتتمثل في التغير في الأنماط السلوكية وفي الخبرات، إذ من خلالها يستطيع الفرد السيطرة على البيئة المحيطة به والتكيف مع الأوضاع المتغيرة، ويستخدم مصطلح التعلم في علم النفس بمعنى أوسع من استخداماته في الحياة اليومية فهو لا يقتصر على التعلم المدرسي المقصود بل يشمل كل ما يكتسبه الفرد من معارف ومعاني وأفكار واتجاهات واستراتيجيات وطرائق وأساليب وعواطف وعادات وقيم سواء تم هذا الاكتساب بطريقة متعمدة ومخططة أو بطريقة عرضية دونما قصد، وعلى ذلك فنحن نتعلم الخوف من الظلام وأساليب الكلام وطرائق التعبير عن الانفعالات ونتعلم المشي والجري والتسلق والقفز والقراءة والكتابة والعزف على الآلات الموسيقية ونتعلم قول الصدق والخجل مين الكذب، والسلوك السوي والمنحرف وهذه كلها نماذج من حالات التعلم.
ويعد موضوع التعلم في الوقت الحالي المحور الأساسي الذي ترتكز عليه النظريات النفسية والاجتماعية والتربوية المختلفة في فهم السلوك الإنساني والتنبؤ به وفي ضبطه وتوجيهه، ومن المفاهيم التي تناولت التعلم ما يلي:
عملية عقلية داخلية نستدل علي حدوثها عن طريق آثارها أو النتائج المترتبة عليها، وذلك في صورة تعديل يطرأ علي سلوك الفرد سواء من الناحية الانفعالية قبل اكتساب اتجاهات وقيم وعواطف وميول جديدة أو من الناحية العقلية قبل اكتساب معلومات أو مهارات للاستعانة بها عند التفكير، اكتساب الفرد لوسائل مساعدة علي إشباع الحاجات والدوافع وتحقيق الأهداف، وكثيرا ما يتخذ صورة حل المشكلات، تغيير في السلوك ناتج عن استثارة التغيير في السلوك قد يكون نتيجة لأثر منبهات بسيطة وقد يكون نتيجة موقف معقد، كل فعل يمارسه الشخص بذاته يهدف من ورائه اكتساب معارف ومهارات وقيم جديدة؛ لذا يجب التفريق بين التعليم والتعلم، فهما ملتصقان لدرجة الخلط بينهما، التعليم عملية يقوم بها المعلم ليكسب الطالب معارف ومهارات وبصيغة بسيطة فالمعلم يمارس التعليم والطالب يمارس التعلم.
تغيير وتعديل في السلوك ثابت نسبياً وناتج عن التدريب، حيث يتعرض المتعلم في التعلم إلى معلومات أو مهارات ومن ثم يتغير سلوكه أو يتعدل بتأثير ما تعرض له، وهو ثابت نسبياً بشكل عام، فغالباً ما يكون هناك مجموعة من المعارف والمهارات تقدم للمتعلم، فيكون التعلم عن طريق بذل ذلك المتعلم جهداً يحاول من خلاله تعلم تلك المعارف أو المهارات، ومن ثم اكتسابها وللتحقق من معرفته لها عن طريق معرفة الفرق بين حالة الابتداء في الموقف وحالة الانتهاء منه، فإذا زاد الفرق في الأداء أكد لنا حدوث التعلم، وعملية يستطيع خلالها الفرد اكتساب معلومات ومهارات واتجاهات من خلال تفاعله بالنظم الاجتماعية والثقافية المحيطة به وذلك بالتفكير والدراسة والممارسة أو نتيجة عمليات التعليم التي حصل عليها وتتم عمليات تعلم كل إنسان بشكل تلقائي حيث تتفاعل ظروفه الشخصية وقدراته مع ما يحيط به من ظروف اجتماعية وثقافية لاستثمار تعلمه لتطوير نفسه وقدراته، إضافةً إلى سلسلة تغيرات في سلوك الإنسان وهنا يجدر بنا أن نميز بين التعلم وبين التقدم أو استمرار التحسن المفيد، ذلك أن التعلم كما يقول جثري وبورز قد يكون تقدماً أو تراجعاً شأنه في ذلك شأن كثير من العمليات الأخرى.
وكذلك ليس كل تغير يمكن أن يسمى تعلماً، وكما يؤكد هليغارد وبور فان التغير الذي يحدث في نشاط الإنسان بفعل عوامل النضج أو الاستجابات الفطرية لا ينبغي أن ننظر إليها على أنها تعلماً، فلا يمكن القول أن الطفل الذي يستطيع الوقوف على قدميه نتيجة نموه الطبيعي قد تعلم الوقوف، ولا انقباض عين الإنسان عندما يبهرها ضوء المصباح تعلماً بل هو فعل منعكس وقد وصف أندرسون وجيتس التعلم بأنه عملية تكيف الاستجابات لتناسب مواقف مختلفة، أما جانييه فدعي للتمييز بين العوامل التي تتحكم فيها الوراثة لحد بعيد كالنمو وبين العوامل التي أساسها نتاج التجربة البيئية وهي التعلم، وقد وصف ثورب التعلم بأنه مجموعة تغيرات تكيفية تحدث لسلوك المرء وهي في محصلتها تعبير عن خبراته في التلاؤم مع البيئة، فالتعلم عملية تغير سلوك الإنسان بفعل الخبرة.
إن نظرة متفحصة لتعريفات التعلم تظهر أن الأفكار الرئيسة والمشتركة التي انطوت عليها معظم التعريفات المذكورة هي:
إن تغيرات السلوك الدالة على حدوث التعلم يجب أن تكون ناجمة عن التدريب أو الخبرة السابقة. وهذا يعني استبعاد تلك التغيرات التي تسببها عوامل أخرى للتغيير مثل التعب والمخدرات وسواها.
التعلم تغير ثابت نسبياً فأية ظاهرة من ظواهر التعلم تقتضي دوماً عمل الذاكرة والدوام النسبي للتغير في الذاكرة قد يكون قصير أو طويل المدى.
التعلم تغير ينجم عن مواجهة الفرد الموقف جديد مماثل أو مشابه لموقف سبق له أن واجهه وخبره من قبل.
يستدل على حدوث التعلم من الأداء فالتعلم ليس هو الأداء ذاته فقد يحدث في وضع تعلمي ما ومع ذلك لا يظهر الأداء إلا في وضع آخر.
التعلم الأصيل يحتاج إلى وجود دوافع تكون على درجة من القوة الكافية لتنشيط إمكانات المتعلم وقدراته.
التعلم الإنساني غالباً ما يحتاج إلى وسائل وتقنيات يستعين المتعلم بها من أجل القيام بالنشاط التعليمي المطلوب.
يتميز التعلم الإنساني بطابعه العقلي المعرفي، فالتعلم لدى الإنسان ولا سيما المراهق والراشد لا يتم حتى في شكله الحسي الحركي إلا بالتحليل والتركيب والمقارنة والتجريد والتعميم.
وتوضح أيضا إنه تغيير في الأداء تحت شروط الممارسة ولا يمكن تفسيره علي ضوء عوامل مؤقتة مثل التعب أو ما إلى ذلك من عوامل تؤثر في الكائن الحي تأثيراً وقتياً معينا، وهذا يوضح انه تغيير شبه دائم في إمكانية حدوث السلوك، ينتج عن الممارسة المعززة.
وهذا يوضح انه كل ما يلي:
-تغيير: وهذا يعني أن الكائن الحي كان يسلك سلوكه في الماضي بطريقة معينة ثم غير من سلوكه، وقد يكون التغيير جزئيا أو كلياً أو شبه دائم وهذا يوضح أنه ليس تغيراً وقتياً أو مؤقتاً، وإنما هو تغيير ثابت وتصل درجة ثباته إلي شبه الدوام، فالتغير الناتج عن التعب أو النضج أو الدافعية والعقاقير والتي تختفي مباشرة عقب زوال سببها الأصلي، لا تعتبر تعلم، أما التغير شبه الدائم فهو تغير يتميز بالاستقرار والثبات النسبي لفترة من الزمن فالكائن الحي مطالب كل يوم بل كل لحظة بتغيرات جديدة.
-إمكانية السلوك فالسلوك هو كل ما يصدر عن الكائن الحي من قول أو فعل أو عمل، وكل ما يؤديه الكائن الحي من تصرفات والتعلم هو تغيير في إمكانية السلوك وهذا يعني تغيير قدرة علي اكتساب القدرة علي أداء أفعال معينة، فنحن نتعلم من قراءة الكتب ومن السينما والتلفزيون والمسرح، أي إننا نكتسب بعض إمكانيات السلوك من المصادر السابقة وهذه تعتبر عمليات تعلم، وكل هذه الإمكانات قد لا يظهر أثرها مباشرة، وإنما تظل كامنة لبعض الوقت وهذه الحالة يطلق عليها علم نفس التعلم اسم ظاهرة الكمون، والأداء هو مجموعة استجابات يأتي بها الفرد في موقف معين وتكون قابلة للملاحظة والقياس وهنا يكون الأداء ترجمة التعلم إلى سلوك.
- ينتج عن الممارسة تتضمن عمليات التكرار والتدريب، وكلها عمليات ضرورية لحدوث التعلم، فتعطي للمتعلم للتأكد من حدوث استجابة صحيحة، ونعززها كي تقوي وتصبح شبه دائمة للتأكد من حدوث التعلم.
-الممارسة المعززة والتعزيز كمصطلح يعبر عن فكرة تقوية حدوث الاستجابة المتوقعة والمرغوبة نتيجة للثواب أو الجزاء المكافأة المادية أو المعنوية التي يحصل عليها الكائن الحي وتظهر حالة التعزيز نتيجة لإشباع الحاجات أو نقص حالة التوتر أو وصول المتعلم إلى هدفه والتعزيز مهم جدا لعملية التعلم فعدم التأكيد عليه في التعريف يجعله يصلح للعملية وعكسها في وقت واحد ويصلح لتعريف التعلم والانطفاء.
وما سبق يوضح أن شروط التعلم تتمثل في وجود الفرد إنسانا كان أو حيوانا أمام موقف جديد أو عقبة تعترض إرضاء حاجاته أي توجد مشكلة يجب حلها، ووجود دافع يدفع الفرد للتعلم، وبلوغه مستوى من النضج والفهم.








اضافةتعليق
التعليقات