في كتابه (العظماء المئة) يشير الكاتب هارت إلى الإسهامات الخالدة التي قدمها هؤلاء الأشخاص للثقافة الإنسانية، لا في عصرهم فحسب وإنما في العصور التي تلته إن هؤلاء الأفراد البارزين من المبدعين والقادة، يشتركون في امتلاكهم لخاصية العبقرية.
وهذه العبقرية تقاس من خلال مقدار التأثير الذي خلفته على المعاصرين واللاحقين وتعريف العبقرية لا يميز بين الإبداع والقيادة. فحين نضع أشهر المبدعين وأشهر القادة تحت الفحص، فإن ذلك الفرق بين الإبداع والقيادة يختفي، لأن الإبداع يُصبح شكلاً من أشكال القيادة فالمبدعون هم قادة ثقافيون.
وقد كان لأفكار آينشتاين النظرية تأثيرها البالغ على زملائه من علماء الطبيعة بشكل خاص، وعلى المجتمع العلمي بشكل عام. وكذلك كان تأثير بيتهوفن على الموسيقى وميكل أنجلو على النحت وشكسبير على الدراما، تأثيراً كبيراً في زمانهم هم، وفي الأجيال التالية لهم فالمبدعون المشهورون، هم قادة في الشؤون الفنية والعلمية.
ولو استعرضنا الإنجازات التي قدمها المبدعون على مدار التاريخ لأدركنا تأثيرها المباشر وغير المباشر على الأجيال المتعاقبة جيلاً بعد جيل. حتى أننا نكاد نراهم ونسمعهم ونتمثلهم أمامنا وسواء كان هؤلاء الأشخاص مبدعين في المجال السياسي أو الفني أو العلمي أو غير ذلك، فإن تأثيرهم علينا يظل كبيراً، وأهم ما يميز هؤلاء المبدعين، أن تأثيرهم لا يقتصر على شعب دون آخر وإنما يمتد ليشمل جميع شعوب العالم.
ولو تتبعنا التاريخ، لعرفنا كم كان للعرب تأثير على الثقافة الأوروبية في مجال الطب والفلك والموسيقى والرياضيات وغيرها من الفنون. وفي الوقت نفسه تأثرنا نحن العرب بالإنجازات التي حققها مبدعون عالميون من شعوب أخرى.
وأي إنجاز يُقدم للبشرية ويجري تعميمه، يتحوّل إلى فكر أو علم أو فن يمتزج في العقل الإنساني للفرد، حيث يتحول إلى جزء حميم من فكر وعلم وثقافة ذلك الفرد وأي اختراع مبدع، يتحوّل إلى أداة يستخدمها الآخرون، أو يقودهم إلى تطويره والبناء عليه في مزيد من الاختراعات التي تخدم البشرية كلها وليس غريباً إذن أن يُعتبر المبدعون قادة الحاضر والمستقبل، للأجيال المتعاقبة وكلما كان إنجازهم أكثر أهمية، كان حضورهم أكثر تأثيراً.
حتى أن برامز، وهو أحد المبدعين في الموسيقى، فسر توقفه عن كتابة إحدى سيمفونياته مدة اثني عشر عاماً بقوله: "إنك لن تستطيع أن تعرف كيف يشعر أمثالنا عندما نسمع وقع أقدام عملاق مثل بيتهوفن خلف ظهورنا" مما يشير إلى أن هؤلاء المبدعين يظلون حاضرين في أذهان من يتأثرون بإنجازاتهم على مدى الزمان والمكان.
هل للعمر تأثير على الإبداع؟
اخترع باسكال آلة حاسبة وهو في الثامنة عشرة من عمره كما اخترع سكاي دايتون، أحد الطلبة في مدرسة دلفاي بلوس انجلوس، شبكة (earthlink) الدولية وهو دون الثامنة عشرة وكان قد بدأ شركته بموظفين اثنين أو ثلاثة، وهي الآن تضم أكثر من (1200) موظفاً وموظفة.
صحيح أن العديد من الاكتشافات والاختراعات تمت في سن مبكرة من مكتشفيها إلا أن هذا لا يتعارض مع وجود عمالقة في الأدب والموسيقى وغير ذلك ممن كانوا يزيدون عن السبعين والثمانين من أعمارهم، أمثال غوته وبيتهوفن ومارك توين من الأجانب، وعمر الخيام وطه حسين ونجيب محفوظ وغيرهم من العرب والمسلمين أي أن الإبداع يمكن أن يحصل في فترات عمرية واسعة، فهو قد يبدأ من الخامسة عشرة أو أقل، ويمتد إلى التسعين.
إذ لا توجد حدود معينة في ذلك. وأفضل مثال على ذلك الفنان الإسباني الكبير بابلو بيكاسو، الذي واصل نشاطه الإبداعي في الفن التشكيلي إلى ما بعد التسعين، وتشير معظم الدراسات والأبحاث إلى أن سمات الإبداع تظهر لدى الأطفال قبل المرحلة الثانوية ثم تقوى وتزدهر في المرحلة الجامعية أما النتاجات الإبداعية في مجال الشعر والموسيقى، فيمكن أن تظهر في سن مبكرة، إلا أن المعطيات التي أوردها ليمان وآخرون، تبين أن النتاجات الإبداعية تنمو باستمرار من الثلاثين إلى الأربعين من العمر، ثم تهبط تدريجياً إلا أن هذا لا ينطبق على جميع المجالات، ولا على جميع الحالات.
حيث يدعوا المؤلف إلى الاهتمام بالطفولة المبكرة، وذلك بأن يبدأ التعليم قبل السن المدرسي خاصة تعليم اللغات والمهارات اليدوية الدقيقة. كما يدعو إلى استخدام أساليب مبتكرة تخاطب كل أنواع الذكاء وكل حواس الطفل وعواطفه وذلك من أجل التمهيد لتنمية قدراته على الإبداع والانطلاق بها فيما بعد.
وفي ضوء ما تقدم، يتضح أن هناك مجالات يبدأ فيها الإبداع لدى الأفراد في سن مبكرة، وقد يستمر إلى سن متأخرة أو لا يستمر. بينما هناك مجالات يظهر فيها الإبداع في سن متأخرة، خاصة في المجال السياسي وما يهمنا نحن أن ننمي الإبداع لدى جميع الأطفال من خلال برامج تعليمية تحفزهم وتتيح لهم فرصة الإبداع في المجالات المختلفة، وذلك بإثراء البيئة التعليمية التعلمية، وبتطوير المناهج، بحيث تلبي حاجاتهم وتقوي دافعيتهم للبحث والاكتشاف، وتنمي مواهبهم وتصقلها وتفتح لهم باب الخلق والإبداع على مصراعيه.








اضافةتعليق
التعليقات