في حياتنا اليومية، لا بد أننا شاهدنا رحيل فرد من أفراد الأسرة، أو فجعنا بموت قريب أو صديق؛ عشنا مرارة الفقد، وعرفنا بحقٍ ماذا يعني الموت.
إنها تلك اللحظة القاسية التي لا يمكن لأي بليغ أن يصف عمق غصتها؛ لحظة تجف فيها الدموع في المآقي، وتتكسر الصرخة في الحنجرة قبل أن تخرج. في تلك الوهلة، تعود بك الذاكرة سريعاً إلى شريط الذكريات، وتتساءل بذهول وانكسار: هل أصبح كلٌّ منّا مجرد ذكرى؟ هل سيعود مرة أخرى؟! ماذا عن أحاديثنا المؤجلة؟ ماذا عن أحلامنا المشتركة؟.. والكثير الكثير من الوجع الذي لا تسعه الحروف.
نحن البشر، عندما نفقد أباً، أو أخاً، أو أماً، إثر موت مفاجئ أو حادث سير عابر، ينقلب عالمنا رأساً على عقب. نعتزل الحياة، نرتدي السواد المستدام، نترك الزينة، ونشعر بأننا كبرنا مئة عام قبل أعمارنا الحقيقية.. هذا ونحن ندفن أمواتنا بكامل قواهم، ونواريهم الثرى محفوفين بالمعزين والأحبة، فهناك حولنا من يواسينا ويجبر بخاطرنا المكسور.
سؤالٌ عميق طرحتُه على نفسي في ذكرى يوم دفن الأجساد الطاهرة:
ماذا إذن عن إمامنا زين العابدين (عليه السلام)؟ ماذا عن المحطات الوجدانية التي عاشها بعد أن انتهى من مراسيم الدفن وعاد إلى أسر الكوفة؟
المحطة الأولى: وجع اللقاء ولمّ الشتات
بعد ثلاثة أيام من السبي، والقتل، واللوعات، جاء الإمام السجاد (عليه السلام) ليتفقد الجسد الشريف. وقف ليتأمل تلك البقايا الموزعة على الأرض تحت أشعة الشمس الحارقة. لم يكن جسداً عادياً، بل كانت هناك قطعٌ طُحنت عظامها تحت سنابك الخيل ولا يمكن جمعها كأشلاء تامة، فما كان منه إلا أن يجمع تلك الرضوض والعظام المسحوقة في "حصيرة".
هنا تتجسد مأساة كاملة الأركان، مأساة تحتاج منا إلى وقفة طويلة من الزمن، لنستوعب فقط عِظم ما شاهدته عين الإمام، وعُمق الصبر والأسى الذي تغلغل في روحه الشريفة وهو يلم بيمينه بقايا أبيه.
المحطة الثانية: وحشة العودة مقارنةً ببيوتنا
إذا كان الفاقد منا يعود بعد الدفن إلى بيته ليجد مكان الميت فارغاً فيعتصره الألم، فإن الإمام السجاد (عليه السلام) عاد من الدفن ليتلقاه مشهدٌ أشد قسوة؛ عاد ليجد آثار الخيام المحروقة، والسهام النابتة في الأرض، وقِربة الماء الممزقة.
عاد الإمام يحمل في عينيه مشهد الأجساد المقطعة التي واراها بيديه قبل قليل، وفي يده قيود الأسر. لم يكن أمامه متسعٌ من الوقت أو المكان لينفرد بحزنه ويسكب دموعه براحة، بل كان عليه فوق حزنه أن يكون القائد، والعماد، والملجأ لتلك الحرائر والأطفال المفجوعين.
المحطة الثالثة: استحضار الذكرى في تفاصيل الحياة اليومية
لم يكن الموت عند الإمام السجاد (عليه السلام) حادثة تُنسى أو تتلاشى بالتقادم. لقد تحولت حياته كلها بعد الدفن إلى محطة وجدانية مستمرة من الاستذكار، فكان كل تفصيل يومي يمر به يجدد غصته ويهيج لوعته:
محطة الماء: إذا قُدم له شراب، بكى ونظر إليه قائلاً: "كيف أشرب وقد قُتل ابن رسول الله عطشاناً؟".
محطة الطعام: إذا رأى جزاراً يريد أن يذبح شاة، يسأله برأفة: "هل سقيتها ماءً؟"، فإذا قال الجزار: نعم يا بن رسول الله، إنا لا نذبح دابة حتى نسقيها الماء، بكى الإمام ونادى منتحباً: "وا لهفاه عليك أبا عبد الله، تُذبح عطشاناً".
خاتمة: الشيب قبل الأوان
لقد واري الإمام أجساد أبيه، وإخوته، وعمومته، وعاد يحمل ثقل تلك الساعات الكربلائية في قلبه طوال حياته. ورغم أنه كان في مقتبل العمر وغض الشباب، إلا أن تلك الفجيعة غيرت ملامح حياته تماماً، وصار يُعرف في التاريخ بـ "البكّاء"؛ لا جزعاً من قضاء الله وقدره، بل عمقاً في الوفاء والولاء لدمٍ طاهر صُبّ كُرهاً في سبيل الله.
إننا من خلال مقايسة حزننا البشري البسيط على منازل الفقد في حياتنا، نستطيع أن نلمح بطرفٍ خفي حجم التضحية والصبر الذي تجرعه الإمام زين العابدين (عليه السلام) في ذلك اليوم.. وماذا بعد الدفن .








اضافةتعليق
التعليقات