أعظم العهود ليست تلك التي تحفظها الأوراق، بل تلك التي تحفظها القلوب وتصدقها المواقف. وفي السماء تكون أقدس المواثيق هي التي تُكتب باليد المرفوعة قبل أن تُخطَّ على الورق. وفي ذلك اليوم الخالد من أيام الرسالة، لم يكن في غدير خُمّ قلمٌ ولا صحيفةٌ تُدوَّن عليها العهود، بل كان هناك ما هو أبلغ من الحبر وأبقى من الوثيقة؛ كان هناك موقفٌ صاغته السماء ليبقى حيّاً في ذاكرة الأمة ووجدانها.
توقف عند هذه الصورة لحظة: لا خطيب على منبرٍ، ولا قاعة فسيحة تقي الناس وهج الشمس، ولا كاميرات توثّق الحدث وتنقله للأجيال. كانت هناك صحراء مترامية الأطراف، وحرارة تلفح الوجوه، وغبار الطريق، وقلوب أنهكها السفر بعد حجة الوداع. ومع ذلك، اختار الله ذلك المشهد البسيط بكل تفاصيله ليكون مسرحاً لأعظم إعلانٍ في تاريخ الأمة، وكأن الرسالة أرادت أن تقول إن الحق لا يحتاج إلى زينة المكان ليبلغ القلوب، وإن المواقف الخالدة تصنعها عظمة المعنى لا فخامة المشهد.
وفي تلك اللحظة المفصلية، رفع النبي (صلى الله عليه وآله) يد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أمام الجموع وقال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه». كلماتٌ قليلة في عددها، عظيمة في معناها، تجاوز صداها حدود الزمان والمكان. لم تكن مجرد إشادةٍ برجلٍ عرفه المسلمون بالشجاعة والعلم والإيمان، بل إعلاناً عن منزلةٍ استثنائية تجسدت فيها قيم الرسالة ومبادئها.
ومن هنا يمكن فهم سرّ حضور الغدير في وجدان الملايين حتى يومنا هذا. فالقضية ليست مجرد ذكرى تاريخية تُستعاد في مناسبة سنوية، بل منظومة قيم متكاملة. فعندما يُذكر الإمام علي (عليه السلام)، يُذكر العدل الذي لم يُساوم، والعلم الذي لم يتكبر، والشجاعة التي لم تظلم، والرحمة التي لم تفرّق بين غني وفقير. ولهذا فإن إحياء الغدير لا يقتصر على رفع الرايات وإقامة الاحتفالات، بل يتمثل قبل كل شيء في استحضار تلك القيم وتحويلها إلى سلوكٍ يومي.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تنهض بالشعارات وحدها، بل بالمبادئ التي تتحول إلى واقع. وغدير خُمّ قدّم نموذجاً واضحاً لهذا المعنى؛ إذ ربط القيادة بالفضيلة، وربط السلطة بالمسؤولية، وربط المكانة بخدمة الناس لا بالتسلط عليهم. ولذلك بقي الغدير مدرسةً فكرية وأخلاقية يستلهم منها المؤمنون معاني الوفاء للحق والالتزام بالقيم.
وفي عالمنا المعاصر، حيث تتسارع الأحداث وتتشابك المصالح وتكثر النزاعات، تبدو رسالة الغدير أكثر حاجةً من أي وقت مضى. فالبشرية لا تزال تبحث عن نماذج للعدل والنزاهة والإنسانية، وهي الصفات التي تجسدت في شخصية الإمام علي (عليه السلام) حتى أصبح رمزاً عالمياً للحكمة والإنصاف. وليس من المصادفة أن يقف كثير من المفكرين والكتّاب من ثقافات مختلفة بإعجاب أمام سيرته ومواقفه الإنسانية.
إن الغدير، في جوهره، ليس حدثاً انتهى بانتهاء يومه، بل رسالة متجددة تدعو الإنسان إلى أن يكون منحازاً للحق، أميناً في مسؤوليته، عادلاً في حكمه، ورحيماً في تعامله. ولهذا بقي حاضراً في القلوب قبل المنابر، وفي الضمائر قبل الكتب. وإذا كان العالم قد عرف عقوداً كثيرة ومواثيق لا تُحصى، فإن غدير خُمّ يبقى العقد الذي لم يُوقَّع بالحبر، لكنه كُتب بالإيمان، وحُفظ بالمحبة، وتوارثته الأجيال جيلاً بعد جيل.
وأخيراً، تذكّر:
العقود التي تُكتب بالحبر يمكن أن تتمزق، والمواثيق التي تحفظها الأرشيفات قد يطويها النسيان.
أما العقد الذي كُتب بيدٍ مرفوعة أمام عشرات الآلاف، وخُتم بآيةٍ من القرآن، فلا يُلغى بمرور الزمن، ولا يُدفن في صفحات التاريخ، لأنه لم يُكتب على الورق أصلاً، بل كُتب في القلوب.
إنه عقدٌ حيّ، يتجدد كل عام في يوم الغدير، ويُعرض على ضمير كل مؤمن قبل أن يُعرض على ذاكرته.
فكل غديرٍ وأنت على العهد ثابت، وكل غديرٍ وقلبك معلّقٌ بقيم العدالة والوفاء والحق التي جسّدها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).








اضافةتعليق
التعليقات