• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

غدير خُمّ: العقد الذي لم يُوقَّع بالحبر

زينب شاكر السماك / الثلاثاء 02 حزيران 2026 / حقوق / 783
شارك الموضوع :

إنه عقدٌ حيّ، يتجدد كل عام في يوم الغدير، ويُعرض على ضمير كل مؤمن قبل أن يُعرض على ذاكرته

أعظم العهود ليست تلك التي تحفظها الأوراق، بل تلك التي تحفظها القلوب وتصدقها المواقف. وفي السماء تكون أقدس المواثيق هي التي تُكتب باليد المرفوعة قبل أن تُخطَّ على الورق. وفي ذلك اليوم الخالد من أيام الرسالة، لم يكن في غدير خُمّ قلمٌ ولا صحيفةٌ تُدوَّن عليها العهود، بل كان هناك ما هو أبلغ من الحبر وأبقى من الوثيقة؛ كان هناك موقفٌ صاغته السماء ليبقى حيّاً في ذاكرة الأمة ووجدانها.

توقف عند هذه الصورة لحظة: لا خطيب على منبرٍ، ولا قاعة فسيحة تقي الناس وهج الشمس، ولا كاميرات توثّق الحدث وتنقله للأجيال. كانت هناك صحراء مترامية الأطراف، وحرارة تلفح الوجوه، وغبار الطريق، وقلوب أنهكها السفر بعد حجة الوداع. ومع ذلك، اختار الله ذلك المشهد البسيط بكل تفاصيله ليكون مسرحاً لأعظم إعلانٍ في تاريخ الأمة، وكأن الرسالة أرادت أن تقول إن الحق لا يحتاج إلى زينة المكان ليبلغ القلوب، وإن المواقف الخالدة تصنعها عظمة المعنى لا فخامة المشهد.

وفي تلك اللحظة المفصلية، رفع النبي (صلى الله عليه وآله) يد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أمام الجموع وقال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه». كلماتٌ قليلة في عددها، عظيمة في معناها، تجاوز صداها حدود الزمان والمكان. لم تكن مجرد إشادةٍ برجلٍ عرفه المسلمون بالشجاعة والعلم والإيمان، بل إعلاناً عن منزلةٍ استثنائية تجسدت فيها قيم الرسالة ومبادئها.

ومن هنا يمكن فهم سرّ حضور الغدير في وجدان الملايين حتى يومنا هذا. فالقضية ليست مجرد ذكرى تاريخية تُستعاد في مناسبة سنوية، بل منظومة قيم متكاملة. فعندما يُذكر الإمام علي (عليه السلام)، يُذكر العدل الذي لم يُساوم، والعلم الذي لم يتكبر، والشجاعة التي لم تظلم، والرحمة التي لم تفرّق بين غني وفقير. ولهذا فإن إحياء الغدير لا يقتصر على رفع الرايات وإقامة الاحتفالات، بل يتمثل قبل كل شيء في استحضار تلك القيم وتحويلها إلى سلوكٍ يومي.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تنهض بالشعارات وحدها، بل بالمبادئ التي تتحول إلى واقع. وغدير خُمّ قدّم نموذجاً واضحاً لهذا المعنى؛ إذ ربط القيادة بالفضيلة، وربط السلطة بالمسؤولية، وربط المكانة بخدمة الناس لا بالتسلط عليهم. ولذلك بقي الغدير مدرسةً فكرية وأخلاقية يستلهم منها المؤمنون معاني الوفاء للحق والالتزام بالقيم.

وفي عالمنا المعاصر، حيث تتسارع الأحداث وتتشابك المصالح وتكثر النزاعات، تبدو رسالة الغدير أكثر حاجةً من أي وقت مضى. فالبشرية لا تزال تبحث عن نماذج للعدل والنزاهة والإنسانية، وهي الصفات التي تجسدت في شخصية الإمام علي (عليه السلام) حتى أصبح رمزاً عالمياً للحكمة والإنصاف. وليس من المصادفة أن يقف كثير من المفكرين والكتّاب من ثقافات مختلفة بإعجاب أمام سيرته ومواقفه الإنسانية.

إن الغدير، في جوهره، ليس حدثاً انتهى بانتهاء يومه، بل رسالة متجددة تدعو الإنسان إلى أن يكون منحازاً للحق، أميناً في مسؤوليته، عادلاً في حكمه، ورحيماً في تعامله. ولهذا بقي حاضراً في القلوب قبل المنابر، وفي الضمائر قبل الكتب. وإذا كان العالم قد عرف عقوداً كثيرة ومواثيق لا تُحصى، فإن غدير خُمّ يبقى العقد الذي لم يُوقَّع بالحبر، لكنه كُتب بالإيمان، وحُفظ بالمحبة، وتوارثته الأجيال جيلاً بعد جيل.

وأخيراً، تذكّر:

العقود التي تُكتب بالحبر يمكن أن تتمزق، والمواثيق التي تحفظها الأرشيفات قد يطويها النسيان.

أما العقد الذي كُتب بيدٍ مرفوعة أمام عشرات الآلاف، وخُتم بآيةٍ من القرآن، فلا يُلغى بمرور الزمن، ولا يُدفن في صفحات التاريخ، لأنه لم يُكتب على الورق أصلاً، بل كُتب في القلوب.

إنه عقدٌ حيّ، يتجدد كل عام في يوم الغدير، ويُعرض على ضمير كل مؤمن قبل أن يُعرض على ذاكرته.

فكل غديرٍ وأنت على العهد ثابت، وكل غديرٍ وقلبك معلّقٌ بقيم العدالة والوفاء والحق التي جسّدها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

الشيعة
الامام علي
الحب
عيد الغدير
التاريخ
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    ما وراء الحرية.. حين يصبح الاختلاف تهمة!

    ما وراء الحرية.. حين يصبح الاختلاف تهمة!

    الأحد 18 تشرين الاول 2026/
    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    الأربعاء 07 تشرين الاول 2026/
    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    الثلاثاء 29 ايلول 2026/
    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    السبت 05 ايلول 2026/
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    الأحد 23 آب 2026/
    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/

    آخر الاضافات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)

    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا

    كيف نتعامل مع الكمالية؟

    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الصاحب ساحب... حين تصنع الصداقة مصير الإنسان

    التعلّم النشط: أساليب تصنع المشاركة والإبداع

    هل تكشف ملامح الوجه عن نقص الحديد في الجسم؟

    آخر القراءات

    امضِ قدما نحو سلم النجاح

    النشر : السبت 08 نيسان 2017
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    الشخص العدواني: كيف يمكن أن نتعامل مع سلبية هذه الشخصية؟

    النشر : الثلاثاء 30 تشرين الثاني 2021
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    إملأ الفراغات التالية...

    النشر : الثلاثاء 02 نيسان 2019
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    ما هي كمية الخبز المسموح بتناولها يوميا؟

    النشر : الثلاثاء 12 ايلول 2023
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    نصائح لإدارة الوقت بشكل منظم وفعال

    النشر : السبت 21 آيار 2022
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    أهم النشاطات التي تزيد من قدرات طفلك العقلية

    النشر : الأحد 02 كانون الثاني 2022
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    من يملك وقتك؟

    • 532 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 491 مشاهدات

    تورّم القدمين وانتفاخ الجسم.. متى يصبح احتباس السوائل مؤشراً للخطر؟

    • 333 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. الشاهد الأول والضحية الأولى لأحداث السقيفة

    • 330 مشاهدات

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    • 329 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. رائدة الثورة وشهيدة الولاية

    • 324 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1573 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1173 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1027 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 801 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 719 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 554 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)
    • منذ 6 ساعة
    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا
    • منذ 6 ساعة
    كيف نتعامل مع الكمالية؟
    • منذ 6 ساعة
    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام
    • منذ 6 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة