في كربلاء الحسين (عليه السلام)، لا تنتهي الحكاية عند حدود الزمن، ولا تُطوى صفحاتها بانقضاء يوم العاشر من المحرم، لأن الطف لم تكن معركة سيفٍ ورمحٍ فحسب، بل كانت معركة وعيٍ إنساني ما زال يتجدد في كل عصر. وحين نقرأها بعيون الحاضر، ندرك أنها ليست حدثًا مضى وانتهى، بل سؤالٌ مفتوح يتردد في ضمير الإنسان: أين تقف حين يُمتحن المبدأ؟
في إحدى ليالي كربلاء، حيث كان المخيم يستعد لامتحان الفجر الأخير، لم يكن الصمت مجرد غيابٍ للأصوات، بل كان امتلاءً باليقين والثبات. يروي السيد ابن طاووس في كتاب اللهوف على قتلى الطفوف أن الإمام الحسين (عليه السلام) جمع أصحابه وأهل بيته وقال: «إني لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي». لم تكن تلك الكلمات ثناءً عابرًا، بل شهادة خالدة على نموذج إنساني فريد، تتحول فيه الأخوّة إلى موقف، والولاء إلى مسؤولية، والإيمان إلى فعلٍ يُترجم على أرض الواقع.
لم تكن معركة الطف مواجهةً بين جيشين فحسب، بل كانت مواجهة بين رؤيتين للحياة: رؤية ترى النجاة في البقاء بأي ثمن، ورؤية ترى الحياة الحقيقية في صون الكرامة ولو كان الثمن الحياة نفسها. ومن هنا جاءت الصرخة الخالدة للإمام الحسين (عليه السلام): «ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة». إنها ليست عبارة تاريخية تُروى، بل مبدأ أخلاقي خالد يُقاس به الإنسان كلما وُضع أمام خيار التنازل عن قيمه أو الثبات عليها.
لقد قدّم أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) صورة استثنائية للأخوّة القائمة على العقيدة والوعي. فلم يكن ارتباطهم بالإمام ارتباط جندٍ بقائد، بل ارتباط أصحاب رسالة بقضية آمنوا بها حتى الرمق الأخير. وحين أذن لهم الإمام بالانصراف ليلة العاشر، اختاروا البقاء بإرادتهم الحرة، مؤكدين أن الوفاء الحقيقي لا يُصنع بالإكراه، بل بالاقتناع العميق بعدالة القضية.
وعندما نتحدث عن وفاء الاخوة ووفاء العقيدة في معركة الطف لابد ان نذكر أبو الفضل العباس (عليه السلام) بوصفه أحد أعظم نماذج الوفاء في التاريخ الإسلامي. فهو لم يكن مجرد حامل لواء أو بطلٍ في ساحة القتال، بل كان تجسيدًا حيًا لمعنى الأخوّة حين ترتقي إلى مستوى الرسالة. ففي زيارة الناحية المقدسة نقرأ: «السلام على أبي الفضل العباس بن أمير المؤمنين، المواسي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، الفادي له، الواقي الساعي إليه بمائه، المقطوعة يداه». وهنا لا تختزل شخصية العباس (عليه السلام) في البطولة العسكرية، بل تتجلى في معناها الأعمق؛ أن يكون الإنسان امتدادًا لوفائه قبل أن يكون امتدادًا لذاته.
لكن كربلاء لم تقدّم بطولة أفرادٍ منعزلين، بل قدّمت منظومة متكاملة من القيم والمبادئ. فكل شهيد فيها كان فكرةً تمشي على الأرض، وكل موقف فيها كان درسًا أخلاقيًا يتجاوز حدود الزمان والمكان. وحين سقط مسلم بن عوسجة شهيدًا، وقف الإمام الحسين (عليه السلام) عنده قائلاً: «رحمك الله يا مسلم، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر». وكأن الشهادة لم تكن نهاية الرحلة، بل بداية حضورٍ آخر يتجاوز الجسد إلى المعنى.
ومن هنا فإن استحضار واقعة الطف اليوم لا يهدف إلى البكاء على حدثٍ مضى، بقدر ما يهدف إلى استعادة رسالتها الجوهرية. فالسؤال الذي طرحته أرض الغاضرية قبل أكثر من ألف عام ما زال حاضرًا بقوة: أين يقف الإنسان عندما تتعارض القيم مع المصالح؟ لذلك تبقى عاشوراء مدرسةً فكرية وإنسانية مفتوحة، تعيد تعريف الشجاعة والحرية والمسؤولية في كل قراءة جديدة.
وفي عالمنا المعاصر، تتكرر كربلاء بأشكال مختلفة. قد لا تكون سيوفًا ورماحًا، لكنها قد تكون كلمة حق في بيئة يسودها الصمت، أو موقفًا أخلاقيًا في مجتمع يضغط باتجاه المنفعة، أو رفضًا للظلم في مؤسسة أو شارع أو حتى داخل النفس البشرية. وهنا يعود السؤال الحسيني ليفرض حضوره: هل تنحاز إلى المبدأ أم إلى السلامة؟
لقد رأى كثير من الباحثين في السيرة الحسينية أن أحد أعظم دروس كربلاء هو قدرتها على تحويل الألم إلى وعي، والدم إلى مشروع نهضة مستمرة. ولهذا لم يبقَ الإمام الحسين (عليه السلام) حاضرًا في الوجدان الإسلامي فحسب، بل أصبح رمزًا إنسانيًا عالميًا لكل من يبحث عن الحرية والكرامة والعدالة.
وفي اللحظات الأخيرة من يوم عاشوراء، حين وقف الإمام الحسين (عليه السلام) وحيدًا في ظاهر المشهد، لم يكن وحيدًا في الحقيقة؛ لأن منطق كربلاء يؤكد أن صاحب الحق لا يكون وحيدًا وإن خذله الناس جميعًا. فالحق ليس عددًا، بل موقف، وليس قوةً مادية، بل قوةُ يقين.
واليوم، حين نتأمل عاشوراء بعين البصيرة، ندرك أنها ليست بكاءً على الماضي، بل بناءً للمستقبل. ليست ذكرى تُستحضر فحسب، بل قيمة تُمارس ومعيارًا يُحتكم إليه في تفاصيل الحياة اليومية. ولذلك تبقى كلمات الإمام الحسين (عليه السلام): «كونوا أحرارًا في دنياكم» دعوةً مفتوحة لكل إنسان يسعى إلى أن يعيش حرًا في فكره، كريمًا في موقفه، أمينًا على مبادئه.
وهكذا تبقى ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) سؤالًا لا ينتهي، يتجدد مع كل جيل: هل نعيش عاشوراء بوصفها طقسًا يُستذكر، أم قيمةً تُمارس؟ وبين الصرخة التي أطلقها الحسين في كربلاء والمعنى الذي ما زال يصنع الوعي حتى اليوم، تبقى «هيهات منا الذلة» مشروعًا أخلاقيًا خالدًا للإنسانية جمعاء.








اضافةتعليق
التعليقات