تتكسر الحروف وتعجز الكلمات، وتتلاشى حدود الجغرافيا، وتبتعد المسافات حين تطأ قدمك أرض الطريق المؤدي إلى كربلاء المقدسة لأول مرة.
إنها ليست مجرد رحلة خطوة بخطوة، بل هي عبور إلى عالم آخر، عالم تلتحم فيه الأرواح وتذوب فيه الفوارق بين البشر، لتتأكد أنك لست أمام ظاهرة عابرة، بل أمام "بحر من العاشقين" يجرف كل ما في طريقه نحو مقصد واحد: حرم سيد الشهداء الإمام الحسين، وحامل لوائه أبي الفضل العباس (عليهما السلام).
أول ما يلفت نظرك وأنت تخوض تجربة المشي لأول مرة في زيارة الأربعين، هو ذلك التنوع المذهل في وجوه الزائرين.. أمواج متلاطمة من كل حدب وصوب؛ كبار بالسن يخالجون التعب بابتسامة، وأطفال صغار يحملون رايات خضراء وحمراء يهرولون بها بشغف، ونساء يحملن أطفالهن بثبات ينبض بالإيمان.. ألوان مختلفة، لغات متعددة، وجنسيات تقاطرت من كل أنحاء الأرض؛ من شرق آسيا وغربها إلى قلب أفريقيا، ومن عمق أوروبا إلى شوارع أمريكا اللاتينية.. جميعهم تركوا أسباب الراحة والرفاهية جانباً، وارتدوا ثوب التواضع الشديد، يتحدثون لغة واحدة يفهمها الجميع بلا ترجمة: لغة الحب الحسيني.
على جانبي الطريق، تتجلى مشاهد لا يصدقها عقل إلا من شاهدها بعينيه. المواكب الحسينية تتنافس في تقديم كل ما يملك أصحابها، بل وأكثر. لا يتوقف العطاء لحظة واحدة؛ من طعام متنوّع يُقدَّم بابتسامة تعلوها المحبة، إلى مياه باردة والشاي العراقي الفريد يروي عطش السائرين تحت أرجاء السماء، وصولاً إلى جلسات التدليك واستراحة الأقدام المتعبة.
"أهلاً بالزائر، خادمكم تحت أقدامكم".. عبارة ليست مجرد شعار يُقال، بل حقيقة تتجسد في انحناء أصحاب المواكب بكل تواضع وشرف لخدمة المارين، يرجون بذلك شرف الزيارة والتبرّك بالنظرة والشفاعة. تجد الغني والفقير يقفان جنباً إلى جنب للخدمة، في ملحمة لا تجد لها مثيلاً في أي مكان آخر على وجه الأرض.
ليلة الوصول.. بزوغ المنائر ودموع الاشتياق، ومع الاقتراب من أعتاب كربلاء المقدسة، تزداد القلوب خفقاً وتتسارع الأنفاس. تختلط المشاعر بين التعب الجسدي الشديد والنشوة الروحية العارمة، وما إن تلوح في الأفق منائر حرم الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام)، حتى تفيض الأعين بالدموع، وتسقط الأجسام ساجدة لربها شُكراً على نيل هذا الشرف العظيم.
هناك، بين الحرمين الشريفين، حيث تتعامد المآذن وتصدح الصرخات بالولاء، تشعر وكأنك تجردت من كل أثقال الدنيا. تتزاحم الأكتاف وتتلاحم الصفوف في خشوع تام، يجمعهم الرجاء في القرب والشفاعة، وتلهج الألسن بالدعاء والسلام. إنها لحظات تختصر كل معاني الإيمان والوفاء، وتترك في الوجدان أثراً لا يمحوه الزمن، لتسأل الله وأنت تودّع المكان ألا يجعلها آخر العهد منك لهذه الزيارة المباركة.


اضافةتعليق
التعليقات