• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الخيانة في الولاء للخونة: قراءة في حديث الإمام الجواد

هدى المفرجي / الثلاثاء 27 آيار 2025 / اسلاميات / 2000
شارك الموضوع :

من يُظهر الولاء للخونة، حتى لو لم يشاركهم أفعالهم، يصبح شريكاً في إضفاء الشرعية على جرائمهم

كأسي انكسرت... فانسكب دم الأيتام على الأرض، بينما تُقطع أحشائي بصَرير سلاسل المظلومين، والواعظون يرقصون على جثث دفنوها بأفواههم قبل أن تبرد.

الكأس لم تكن مملوءةً بالماء، بل بقيح الضمائر، ومنظرها يفتح جروح الجوعى الذين التهمتهم السجون صامتين، وصوت أخي يصرخ تحت الركام: "أنقذوني"، بينما واعظ السلطان يُهدئ الجمهور بحديث مقطوع السند: "السكوت حكمة"، ويد القاتل تقطر دماً طرياً، يتسلل إلى المنبر ويغسل الجهلةُ أيديهم به، ويقولون: "هذا ليس دماً، بل طهارة السياسة وعطر الساسة"، في ذات الوقت الذي تكون فيه الأم تلتقط أشلاء ولدها من أمام دار القضاء، بينما القاضي يخطب في "حرمة التشهير بالحُكّام".

فتحولت الكلمات جثثاً، وكل لفظة "حرية" تُشنق في الساحات. صرخ قريبي بصوت عالٍ فأيقظني من سرابي الذي عشت فيه لثوانٍ معدودات، وهو يُنبهني ألا يضرّني الزجاج الذي تلاشى من كأسي بعدما أبصرته دم المظلومين، في اللحظات التي سمعته بها ينطق كلماتٍ سامة وهو يدافع عن الجلاد في مدينته، وهو يعلم أنه سارق وقاتل في آنٍ واحد، لكن "المصلحة" أضافت غشاء الشيطان على عينيه.

هنا تذكرت قول مولاي الإمام الجواد (عليه السلام):

"كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً للخونة."

ويبرز حديث الإمام الجواد (عليه السلام) كمنارة أخلاقية في زمنٍ تتداخل فيه المصالح وتتعدد الولاءات، تحذيراً من خطر الخيانة غير المباشرة، مُركّزاً على قبح الموقف بتشريح دقيق لآفةٍ اجتماعية خطيرة، وهي "الخيانة بالولاء".

فليس الخائن فقط من يرفع السيف ضد الحق، بل أيضاً من يمدّ جسر الصمت أو التأييد للظالم، ويُلبس خيانته ثوب "الواقعية" أو "الضرورة".

فإن الحديث يضعنا أمام مرآة قاسية توضح أنه لا توجد براءة في أن تكون "محايداً" أو "متعاوناً" مع نظام الفساد.

فمن يُظهر الولاء للخونة، حتى لو لم يشاركهم أفعالهم، يصبح شريكاً في إضفاء الشرعية على جرائمهم، والإمام (عليه السلام) يرفض هنا أي حُجّة تُبرر هذا الانزلاق، سواء كانت "خوفاً"، أو "مصلحة"، أو "تبعية عمياء".

وفي التاريخ الإسلامي، نجد أمثلة كثيرة على هذا النوع من الخيانة: وعّاظ السلاطين الذين برروا الظلم، والقضاة الذين حنّكوا جرائم الحُكّام بفتاوى مزيفة، والكُتّاب الذين حولوا أقلامهم إلى سكاكين يذبحون بها الحقيقة.

ولا نذهب بعيداً... لننظر اليوم كيف تنهش الذئاب أجساد الفقراء بحجة قانون لا يُطبّق إلا على المجردين من حياتهم، ولا ننسى حُكم الفاجرات، وكيف يسير الوقت طبقاً لأهوائهن، والفاسق يقف بكل شموخ ويقول: "سرقت، أليس من مبصر؟"، ويمر بسلام.

والمثقفون الذين يبيعون ضمائرهم، ويحولون معارك الأمة إلى مجرد حوارات صالونات فاخرة، ومنهم إلى الإعلاميين الذين يغسلون أدمغة الجماهير بأكاذيبٍ مُحلّاة بلغة "الوطنية الزائفة".

وأخيراً، وليس آخراً، أولئك الذين يدّعون الدين ويسكتون عن المنكر.

وببساطة، هؤلاء لم يرفعوا السيف بأنفسهم، لكنهم بولائهم للخونة ساهموا في تمهيد الطريق للجريمة، فجميعهم، وإن لم يشاركوا في القتل مباشرة، أصبحوا "أمناء للخونة" بحسب تعبير الإمام الجواد (عليه السلام).

كيف ننجو من فخ "الولاء للخونة"؟

يُقدّم الإمام (عليه السلام) في هذا الحديث معياراً واضحاً للبراءة من الخيانة، وهو: الانحياز للحق مهما كانت التكاليف، وهذا يتطلب:

رفض التطبيل للظالم، حتى لو كان ذلك يعني العزلة أو الاضطهاد.

فطبقُ الطعام الذي يجعلك تُدلي بصوتك لصالح قاتل، اليوم ستتمناه غداً وأحشاؤك تتقطع جوعاً لاختيارك الشخص غير المناسب ليحكمك.

وكذلك هي الأغطية التي تدفئك اليوم، ستُجرّدك حتى من ملابسك غداً. وغيرها الكثير من الوسائل الوضيعة، وقتها محدود، وأثرها عمراً من الشقاء.

وهي لا تقتصر على الحكام، بل هي توضيح لحياةٍ كاملة، أينما كنت: لا تأتمن خائناً، فحديثه المُفخّم وجيبه الممتلئ لن يرمي لك سوى خردة بالية لن تسدّ رمقك، بل ستحرقك بلهيب نارها يوم لا ينفع مال ولا بنون.

تحرير العقل من تبعية الأسماء الكبيرة، فكل ناطق، مهما زاد شأنه، يجب أن يُقاس بمقدار اقترابه من الحق أو بعده عنه.

وهذا ديدن الرسول وآل بيته الأطهار، حيث كان الحق هو أساس الحكم لديهم، ومن المؤكد أنهم لا يحبّون من ابتعد عن الله، سواء كان فعلاً أو قلباً.

وعلى حبّ إمامي، أنا اليوم أُحب الناس، فإن قيل: "الاختلاف في الرأي لا يُفسد للود قضية"، أجزِمُ أنه يُفسده، وأن من قاله لا يعلم أن فساد العقل يتسلل إلى القلب فيفسد وده.

لذلك، قريبي العزيز، ربما قد فسد ودي لك حينما رأيتك مؤمناً بقاتل وتُبرر على حساب الضحية، بينما قال تعالى:

(ولا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم)

فكلمتك، وعملك، وإيمانك، واتباعك... كلها أمانات، فكيف لا يفسد وُدّ الخائن لأمانته، ومنها لله ولرسوله.

وفي النهاية، حديث الإمام الجواد (عليه السلام) ليس تذكيراً بالماضي، بل صفعةً للوعي المعاصر.

إن الخيانة ليست فقط في السكين التي تُغرس في الظهر، بل أيضاً في اليد التي تمسك بالشمعة لتُضيء للقاتل طريقه، وفي اللسان الذي يُجمّل خصالاً رُسمت بالدم، وفي الأذن التي تسمع إبليس وهو يتكلم فتُصفّق، فتكون كما وصفها الإمام الجواد (عليه السلام):

"من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس فقد عبد إبليس."

فكيف إذا كان المرء قد أكل من طعام الخونة، وشاركهم شرابهم، وسار على إيقاع كلامهم؟

ببساطة العبارة، سيكون على هذه الشاكلة:

يركع أمام منابر تنطق كلام الشيطان، بينما تُحاك الأكفان من لحم الأحياء.

فإذا كنا لا نستطيع مواجهة الطغاة مباشرة، فلنكن على الأقل غير أمناء لهم، لأن التاريخ لا يُسجّل أسماء الذين سكتوا، بل يُخلّد أولئك الذين وقفوا، ولو وحيدين، في وجه العاصفة، وقالوا:

"كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً للخونة."

الشيعة
الارهاب
العقائد
الدين
الظلم
الامام الجواد
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الأحد 01 تشرين الثاني 2026/
    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    السبت 10 تشرين الاول 2026/
    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    السبت 03 تشرين الاول 2026/
    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    الأثنين 21 ايلول 2026/
    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    الخميس 17 ايلول 2026/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/

    آخر الاضافات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)

    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا

    كيف نتعامل مع الكمالية؟

    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الصاحب ساحب... حين تصنع الصداقة مصير الإنسان

    التعلّم النشط: أساليب تصنع المشاركة والإبداع

    هل تكشف ملامح الوجه عن نقص الحديد في الجسم؟

    آخر القراءات

    امضِ قدما نحو سلم النجاح

    النشر : السبت 08 نيسان 2017
    اخر قراءة : منذ 50 دقيقة

    الشخص العدواني: كيف يمكن أن نتعامل مع سلبية هذه الشخصية؟

    النشر : الثلاثاء 30 تشرين الثاني 2021
    اخر قراءة : منذ 50 دقيقة

    إملأ الفراغات التالية...

    النشر : الثلاثاء 02 نيسان 2019
    اخر قراءة : منذ 50 دقيقة

    ما هي كمية الخبز المسموح بتناولها يوميا؟

    النشر : الثلاثاء 12 ايلول 2023
    اخر قراءة : منذ 50 دقيقة

    نصائح لإدارة الوقت بشكل منظم وفعال

    النشر : السبت 21 آيار 2022
    اخر قراءة : منذ 50 دقيقة

    أهم النشاطات التي تزيد من قدرات طفلك العقلية

    النشر : الأحد 02 كانون الثاني 2022
    اخر قراءة : منذ 51 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    من يملك وقتك؟

    • 532 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 492 مشاهدات

    تورّم القدمين وانتفاخ الجسم.. متى يصبح احتباس السوائل مؤشراً للخطر؟

    • 333 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. الشاهد الأول والضحية الأولى لأحداث السقيفة

    • 330 مشاهدات

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    • 329 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. رائدة الثورة وشهيدة الولاية

    • 324 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1573 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1173 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1027 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 801 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 719 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 554 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)
    • منذ 6 ساعة
    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا
    • منذ 6 ساعة
    كيف نتعامل مع الكمالية؟
    • منذ 6 ساعة
    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام
    • منذ 7 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة