• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

بين صمت المحراب وضجيج السعي

هدى المفرجي / الثلاثاء 25 آب 2026 / ثقافة / 504
شارك الموضوع :

هذا الرغيف الذي يوضع على المائدة في نهاية اليوم ليس مجرد طعام إنه قطعة من عمر الساعي، وقطرة من صفايا روحه، كُسبت بالكرامة لتستهلك بالحب

في سجف الليل حين تهدأ الأصوات، وتتوارى الأجساد خلف دثار الكرى، ينبثق سؤال خفي يتردد في أروقة الروح: أين يكمن وجه الله عز وجل؟

هل هو في صومعة معزولة عن آلام البشر، أم في تكبيرة إحرام تقتطعك عن هذا العالم، أم أن ثمة محرابا آخر، أوسع أفقا، وأعمق غرسا، لم تُفلح في تصويره إلا عين تتطلع بنور النبوة وحكمة الإمامة؟

هنا يجيبنا الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بعبارةٍ تقلب موازين النسك التقليدي، وتهز أركان الفهم السطحي للفضيلة: «إن الذي يَطلبُ مِن فَضلٍ يَكُف بِهِ عِيالَهُ، أعظَمُ أجراً مِنَ المُجاهِدِ في سَبيلِ اللهِ»، إنها ليست مجرد كلمات تُقرأ في بطون الكتب، بل إعلان عن ثورة روحية وإنسانية تُعيد الاعتبار للحياة، وللعرق المنهمر من جبهة أبٍ متعب، وللخطوات المجهدة التي يخطوها إنسانٌ يسعى في مناكب الأرض لكي يحفظ كرامة بيته ولا يمد يده لأحد.

فقد فتح الامام الرضا نافذةً على "بطولةٍ صامتة"، بطولةٍ لا هتاف فيها ولا بيارق تُنشر، ولا دماء تُسفك، بل دراما يومية ينسجها التعب والكتمان، فإن كسب العيش ليس مجرد "ضرورة مادية" يفرمل بها الإنسان جموح حاجة الجسد، بل هو فعل حب ومقاومة ، فعندما يخرج الساعي في غبش الفجر، متسلحا بالأمل، متحملا مرارة الأيام وجفاء الظروف وقسوة السعي، ليشتري كرامة بيته، ويغرس في نفوس أطفاله شعورا بالأمان والاعتزاز لا يُقدر بثمن .

فهذا الرغيف الذي يوضع على المائدة في نهاية اليوم ليس مجرد طعام إنه قطعة من عمر الساعي، وقطرة من صفايا روحه، كُسبت بالكرامة لتستهلك بالحب، فلو تأملنا حركة الأقدام في الصباح الباكر حين تتفتح أزرار النهار الأولى، وينفض الناس عن أجسادهم كسل النوم ، ثمة أيدي خشنة تحتمل قساوة العمل، وأقدام تُسرع الخطى نحو الأسواق، والحقول، والمصانع، والمكاتب، في كل خطوة يخطوها هذا الساعي، تُكتب قصيدة لم تُقرأ، وتُنسم زفرة رجاءٍ تصعد إلى السماء .

فليس العرق المنهمر من الجبين مجرد إفراز جسدي نتيجة الجهد الفسيولوجي إنه ماءُ الحياة الذي يُسقى به بستان الأسرة ، كل قطرة عرق تسقط على الأرض تماثل في طهارتها وعلو شأنها قطرات المطر التي تمد التربة الهامدة بأسباب النماء ، و تتجلى جمالية قول الامام الرضا عليه السلام في كونه يرفع العمل اليومي البسيط من دوائر الماديات المجردة إلى رتبة العبادة العليا والنسك المقبول.

فلم يعد الدكان، أو الحقل، أو المكتب، أو ورشة البناء مجرد أمكنة لكسب المال، بل استحالت جميعها إلى امتدادٍ حقيقي للمحراب ، و إن الله سبحانه وتعالى لا يُعبد فقط بالانكفاء على الذات في زوايا العزلة، ولا بالفرار من تكاليف الحياة الاجتماعية والأسرية تحت دعوى الزهد ، بل يتقرب إليه السالك بدفع العوز عن بيته، ورفع الضيم عن روحه، وأن يكون يدا عليا تُعطي وتُطعم وتُكف، لا يدا سفلى تسأل الناس أَعطَوها أم منعوها .

وإن الإمام (عليه السلام) في نصيحته هذه، يضعنا أمام مفهوم متكامل لـ "الزهد الفاعل" فليس الزهد أن لا تملك شيئا، بل الزهد أن لا يملكك شيء، وأن تسعى في الأرض كسبا وعمرانا وأنت موصول القلب بالباري، ترعى من أعالك الله أمرهم، وتصون حرمة بيتك بعزة ومجد ،فإن السعي لكف العيال يمتد أثره ليتجاوز البعد الفردي إلى البعد الاجتماعي والأخلاقي الشامل، فالإنسان الذي يستشعر مسؤوليته تجاه من يعول، يتحول إلى شريان أمان للمجتمع برمته، فعندما يكف المرء عياله عن الحاجة يحمي المجتمع من آفة المسألة ، ويمنع تفشي روح الاتكالية والضعف والهوان ، و يبني أجيالاً واثقة ، و ينشأ الأطفال في بيوتٍ عزيزة، لم تطأها قدم الاستجداء، فيتربون على قيم العزة والاعتماد على النفس.

الايمان
القيم
الكرامة
العمل
الاسرة
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الأحد 01 تشرين الثاني 2026/
    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    السبت 10 تشرين الاول 2026/
    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    السبت 03 تشرين الاول 2026/
    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    الأثنين 21 ايلول 2026/
    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    الخميس 17 ايلول 2026/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/

    آخر الاضافات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)

    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا

    كيف نتعامل مع الكمالية؟

    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الصاحب ساحب... حين تصنع الصداقة مصير الإنسان

    التعلّم النشط: أساليب تصنع المشاركة والإبداع

    هل تكشف ملامح الوجه عن نقص الحديد في الجسم؟

    آخر القراءات

    امضِ قدما نحو سلم النجاح

    النشر : السبت 08 نيسان 2017
    اخر قراءة : منذ 22 دقيقة

    الشخص العدواني: كيف يمكن أن نتعامل مع سلبية هذه الشخصية؟

    النشر : الثلاثاء 30 تشرين الثاني 2021
    اخر قراءة : منذ 23 دقيقة

    إملأ الفراغات التالية...

    النشر : الثلاثاء 02 نيسان 2019
    اخر قراءة : منذ 23 دقيقة

    ما هي كمية الخبز المسموح بتناولها يوميا؟

    النشر : الثلاثاء 12 ايلول 2023
    اخر قراءة : منذ 23 دقيقة

    نصائح لإدارة الوقت بشكل منظم وفعال

    النشر : السبت 21 آيار 2022
    اخر قراءة : منذ 23 دقيقة

    أهم النشاطات التي تزيد من قدرات طفلك العقلية

    النشر : الأحد 02 كانون الثاني 2022
    اخر قراءة : منذ 23 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    من يملك وقتك؟

    • 532 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 491 مشاهدات

    تورّم القدمين وانتفاخ الجسم.. متى يصبح احتباس السوائل مؤشراً للخطر؟

    • 333 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. الشاهد الأول والضحية الأولى لأحداث السقيفة

    • 330 مشاهدات

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    • 329 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. رائدة الثورة وشهيدة الولاية

    • 324 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1573 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1173 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1027 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 801 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 719 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 554 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)
    • منذ 6 ساعة
    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا
    • منذ 6 ساعة
    كيف نتعامل مع الكمالية؟
    • منذ 6 ساعة
    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام
    • منذ 6 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة