• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

يتيم مرة أخرى..

سارة اللامي / الأحد 30 كانون الأول 2018 / حقوق / 3050
شارك الموضوع :

انتصف الليل وغطّت المدينة في سبات عميق، وأطلّ القمر يحرس بيوت الفقراء من لصوص الظلام، سالت دمعة على وجنته، قطّعت أوتار الصبر، وسكَنَتْ في م

انتصف الليل وغطّت المدينة في سبات عميق، وأطلّ القمر يحرس بيوت الفقراء من لصوص الظلام، سالت دمعة على وجنته، قطّعت أوتار الصبر، وسكَنَتْ في منتصف وجههِ، كما يجلس الخال على خدّ الفتاة، أبت السقوط، فما زال شبحُ أملٍ يلوّح في سمائِهِ، غطّى القلق تفاصيل وجههِ، كان جالساً أمامَ بابِ بيتٍ طينيٍّ، زيّن الفقرُ كلّ شبرٍ فيهِ.

مسح الدمعة بكمِّ ردائهِ، ووقف يتلفّتُ يميناً ويساراً، يمدّ بصره الى آخر الزقاق، ينتظره.

عاد يبكي بصمت، فإنّها الليلة الثالثة التي لا يزورُهُ فيها، دارت في ذهنِهِ تساؤلات، زادت قلقَهُ!

هل هو مريض؟

هل غادر المدينة؟

هل أصابه مكروه؟

هل نسيني؟

غطّى وجهه بكلتا راحتيْهِ، طارداً تلك الأفكار المخيفة، التي أصبحت غمامة سوداء، تلف قلبه وتعصره.

نهض واقفاً، أخذ يجرّ قدمه بصعوبة، مجتازاً البيوت ليصل الى آخر الحارة، علّه يلمح طيفَهُ من بعيد، لكن بعد دقائق عادَ أدراجَهُ، تعلو الخيبة ملامحَهُ، فهو لن يأتيَ كالليلتيْن الماضيتيْن.

جلس أمام البيت واضعاً رأسَهُ بين ركبتيْهِ، متّكئاً على حائط متهرّئ، كان يمسك سقف البيت بمعجزة، تسلّلت إلى رأسِهِ ذكرى آخر ليلة، كان النسيم بارداً حلواً حين أقبل من بعيد، تداعبُ النسماتُ أطراف عباءته، على كتفِهِ جرابُهُ، متلثّماً بعمّتِهِ كعادتِهِ، ما إن رآهُ الصبيّ حتى تهلّلَ وجهُهُ فرِحاً، وصاح:

- ملاكي الملثّم! وهرَعَ إليه راكضاً، فأنزلَ الرجلُ الجرابَ على الأرضِ، ونزَلَ جالساً القرفصاءَ، فاتحاً ساعديْهِ، مستقبلاً إيّاهُ بأحضانِهِ، قفز الطفلُ وعانقه، مسح الرجُلُ على رأسِهِ، وقبّله ثمّ أجلسه بقربه، واضعاً رأسه على صدره، ويسأل عن أحوالِهِ وأحوالِ أهلِهِ.

ثمّ أخذ يلاطفُ الطفلَ ويداعبُهُ، ويضحكه ويعطيه من الحنان والرأفة والعطف ما كان فقدَهُ بعد رحيلِ أبيهِ في وقعة الحرّة الأليمة، وهو في المهد صغيراً، كان له كالأب يعظُهُ ويعلّمه بين طيّات كلامه اللطيف الذي كان ينساب رقراقاً على مسامع الطفل، ويسكن قلبه زارعاً فيه بذورَ الرحمة والأمل، وتارة يكون له نظيراً يلاعبه، وأخرى حضناً دافئاً يحنو عليه إذا مسّه بردُ أو ألم.

حتى تعوّد الطفلُ على مجيئه كلّ ليلة، ليضيء له نهار اليوم التالي بالحبّ والبهجة..

مسحَ الطفلُ دموعه الحارقة، وراح يتذكّر وصايا الملاك له، بأن يكون بارّاً بأمّه، والدعاء لأبيه بالرحمة والمغفرة، وعلّمه بعضاً من الدعاء ''اللَّهُمَّ اشْكُرْ لَهُمَا تَرْبِيَتِي، وَأَثِبْهُمَا عَلَى تَكْرِمَتِي،

وَاحْفَظْ لَهُمَا مَا حَفِظَاهُ مِنِّي فِي صِغَرِي.. اللَّهُمَّ لَا تُنْسِنِي ذِكْرَهُمَا فِي أَدْبَارِ صَلَوَاتِي، وَفِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ نَهَارِي..''.

ظلّ صدى هذه الكلمات يتردّد في أذنه حتى انتشله النوم من ألم الفقْد إلى سكينة الوهم..

في صباحِ يومٍ غطّت الغيوم فيه شمسَ السماء وغيّرت حالها، رياح مزعجة عصَفَتْ بالمدينة، قلبت أحوالها، وعلى إثْر ذلك جلَسَتْ مذعورةً تتفقّد مكان اضطجاعِهِ، فلم تجده، ذعرت والدتُه، وهرولت تفتح الباب لتجده يغطّ في نومٍ عميقٍ، متوسّداً الحائط، وملتحفاً ذرّات التراب الصغيرة..

أقبلت عليه لتوقظه، هزّت كتفه بلطفٍ وهي تقول:

- ولدي حبيبي.. حتى استيقظ فزعاً مذعوراً، صاح: هل جاء؟! عانقته الأمّ بلطفٍ، وابتلعت غصّة كادت أن تبكيها وتؤذيه، ربتت على ظهره قائلة:

- سيأتي لا تخف!.. كان جالساً في زاوية المنزل مكفهّر الوجه، تعلو فوقه غمامة الألم والوهن، لا يحرّك ساكناً منذ الصباح، كأنّ الزمن بقي حبيس اللحظة الأخيرة، التي جمعته بملاكِهِ ثمّ توقف يأبى المضيُّ قبل قدومه من جديد.

هناك في سوق المدينة الشعبيّ حيث الأزقّة يملؤها الفقراء الذين كانوا يعرفون بعضهم بسيمائهم، أقنعت طفلها بعد الكثير من الترجّي، كي يخرج معها للسوق، علّها تخفّف عنه وتنسيه ألمه، وتعوّض عجزها عن مساعدته..

ضجيج الناس كان عالياً، أصحاب المحالّ قد غلّقوها، وأخذوا يسيرون متّجهين للجانب الآخر من المدينة، كانت تقف مندهشة ممّا يحصل، هل هو يوم الحساب والنشور؟ تقدّمت تسأل إحداهنّ:

- لكن ماذا حدث؟ أجابتها السيدة:

- إنّ الإمام علي بن الحسين السجاد انتقل اليوم الى ذمّة ربّه، وهم عادوا من تشييعه توّاً. وقع الخبر على مسامعها بقوة تاركاً خلفه جراحات تدمي القلب لمصائب أهل بيت النبي.. مشت معه والهمّ ثالثهما وهي تسمع أحاديث الناس، قيل أن السم فتك به؟ لكن من سمّه؟ هل هو حفيد الرسول؟ يقال أنه كان شاهداً على وقعة الطفّ، لقد سمعت أن الوليد بن عبد الملك من سمّه، بصوت خافت.. حتى سمعت مالم تتمنى سماعه ابداً "قيل انه كثير الصدقة في الليل حيث كان يغطي وجهه خوفاً من الرياء، لكن هل صاحب الجراب كان علي بن الحسين؟ أجل هو حتى أنهم وجدوا آثار الجراب محفورة على كتفه عند تغسيله" كانت تلك الكلمات الأخيرة ذات وقع مختلف فكأنها تجرعت ذات السم الذي فتك به عليه السلام هوت ببصرها رأته شابح البصر وجهه يخلو من أي تعبير للحياة عدا دمعة معلقة بأهدابه تحاول أن تحييه بعد موت شعوره.. بني، قالت له، لم يرد عليها، جلست قبالته وهزت كتفه وهي تناديه ولدي، نظر إليها نظرة يتيمة منكسرة لا ينعكس الضوء خلالها بل تمتصه عينه. يعيش اليتم مرة أخرى بل هذا أشد وأكبر.. تمتم بصوت متقطع، ملاك ملاكي الملثم رحل!.

أفلت يدها وأخذ يركض أمامها دون أن تثنيه صرخاتها خلفه وجريها علها تلحق به حتى قادته قدماه الصغيرتان هناك عند البقيع حيث مدفن آل بيت النبي. وصل عند القبر الجديد وهوى بجسده عليه يعفر خده بتراب القبر حته اختلط الدمع والتراب على وجنته وهو يخاطبه بنبرة يتيم كسره الفقد:

- من لي بعدك ابتي.

الفقر
الطفل
الامام السجاد
قصة
اليتيم
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    التحليق في سماء العشق

    التحليق في سماء العشق

    الأربعاء 22 تشرين الثاني 2017/
    ابتسامة عيد..

    ابتسامة عيد..

    الأثنين 04 ايلول 2017/

    آخر الاضافات

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني

    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت

    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟

    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين

    الأربعين موسم للتغيير وبناء الإنسان

    زيارة الأربعين: من استذكار الشهادة إلى تجديد العهد

    الغرض الحقيقي من إدارة الوقت

    تراجع جودة الهواء.. كيف يؤثر التلوث على صحة الإنسان ومتى يصبح الخروج إلى الخارج خطراً؟

    آخر القراءات

    عراقيات يأملن في مواصلة الحياة.. بعد الخطف والقمع في ظل الدولة الإسلامية

    النشر : الأحد 27 تشرين الثاني 2016
    اخر قراءة : منذ 12 دقيقة

    مبادئ أساسيّة تضمن السعادة الزوجيّة

    النشر : الأحد 14 آذار 2021
    اخر قراءة : منذ 12 دقيقة

    ما لا يراه الآخرون

    النشر : الأربعاء 15 نيسان 2020
    اخر قراءة : منذ 12 دقيقة

    نفحات ايمانية

    النشر : الثلاثاء 08 آيار 2018
    اخر قراءة : منذ 12 دقيقة

    كيف ندخل إلى عالم تفكير أطفالنا: ورشة تقيمها جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية

    النشر : الأربعاء 15 آيار 2024
    اخر قراءة : منذ 12 دقيقة

    إتحاد أدباء كربلاء المقدسة يحتفي بأعضائه الجدد

    النشر : الأثنين 07 كانون الأول 2020
    اخر قراءة : منذ 12 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 457 مشاهدات

    التربية في مدرسة النبي محمد

    • 341 مشاهدات

    نذر على الطريق.... لكل خطوة حكاية عطاء

    • 322 مشاهدات

    دراسة: حقن إنقاص الوزن قد ترتبط بزيادة خطر تساقط الشعر

    • 306 مشاهدات

    كرامات لا تنتهي.... لأبي الفضل العباس

    • 306 مشاهدات

    الرأس الشريف بين الكوفة والركب الحسيني

    • 302 مشاهدات

    الأسرة وادارة الأزمات .. الأسرة الحسينية نموذجا

    • 1131 مشاهدات

    نِداء اليقين

    • 1077 مشاهدات

    نهجُ السجّاد: منارُ الثبات وميثاقُ الإنسانية

    • 922 مشاهدات

    الخير كله بخدمة الحسين.. حصاد برنامج شهر محرم في حسينة الامام الحسن

    • 870 مشاهدات

    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    • 793 مشاهدات

    صدى الكبدِ المقطّعة: مأساةُ السبطِ في طشتِ الغدر

    • 640 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني
    • منذ 21 ساعة
    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت
    • منذ 21 ساعة
    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟
    • منذ 21 ساعة
    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين
    • منذ 22 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة