• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الروائح.. شقيقةُ الشهيق

مريم حسين العبودي / الأثنين 13 آذار 2023 / ثقافة / 2468
شارك الموضوع :

أباريق الشاي المهيّل التي تتخمر ببطء على الفحم المجمّر، الذي يمتلك بدوره رائحةً تشبه رائحة الماضي

تتمشى في الأسواق التقليدية الشعبية القديمة فتجتاحُ أنفك أنواع الروائح المختلفة، من البهارات وروائح الأقمشة المنبعثة محال الخياطة، ورائحة الجلود من محلات الحقائب، روائح الهيل والشاي وأكشاك بيع الكعك بالسمسم وأفران الخبز والمعجنات.

تعبرُ من بين جبال البهارات المتراكمة على جوانب الدكاكين، القرنفل والكمون والفلفل الأسود تداعبُ أنفك وتنعشُ كل خلاياك. تختارُ مقهىً تجلسُ فيه فيأتيك فنجان القهوة ورائحة البن المحمّص تتصاعد منه لتسكن رئتيك فتوقظ حواسك كلها. على الجانب الآخر أباريق الشاي المهيّل التي تتخمر ببطء على الفحم المجمّر، الذي يمتلك بدوره رائحةً تشبه رائحة الماضي، وروائح التبغ القادمة من الطاولة المجاورة. تلمحُ صديقاً قديماً فتضُمُهُ وتشمُ فيه أريج صداقةٍ دامت لعشرين عام.

بالرغم من كونها غير مرئية، إلا أنها تنتشرُ حولنا في كل مكان، حاضرة في جميع تجاربنا وأمزجتنا وذكرياتنا وتفاعلنا مع الحياة والأحداث من حولنا، لا يكاد يخلو منها أي موقف يومي نمر به، مع الأشخاص، والمناسبات، والمدن، إذ لا تتشكل حياتنا من المشاهد والأصوات فحسب، بل من الروائح، التي نعثُر عليها أو نتعثر بها. رائحة البخور، الرز الذي ينضج على النار، قشور البرتقال، أول الفجر، الخبز المنزليّ وهو يخرج من التنور، رداء الصلاة، الكتب القديمة، النقود الورقية، محطات البنزين، جلد مقاعد السيارات الجديدة، الهواء المحمّل برطوبة المطر قبل الهطول، والبطيخ الأحمر بمجرد أن تقطعه نصفين.

الرائحة هي السبب الخفي لعودتك إلى مكانٍ ما بعد وقت طويل، والسبب الواضح في رغبتك بالمغادرة فوراً من مكانٍ آخر حتى وإن توفرت فيه كل أسباب البقاء، فكيف تعمل أنوفنا إذاً؟!

يحتوي الغشاء الأنفي على ما يُقارب 6 إلى 10 ملايين خلية حسية، فأنفُك الصغير الذي قد تستهين بقدراته، يمكنه تمييز أكثر من ترليون رائحة، بل إنه قادر على تمييز الروائح عن بعضها حتى لو كان الاختلاف بينها طفيفاً. لقد خُلقنا بأنوف حساسة للروائح، كإحدى سُبل النجاة على مر العصور، فهي وسيلة للاستدلال على مصادر النار، روائح الأطعمة الصالحة للأكل، وحتى روائح الناس الذين نألفهم، ولكن مع تطور سُبل الاستدلال، نمت قدرتنا على التمييز بهذه الحاسة الفريدة، من ضيق النجاة إلى سعة الرفاهية، فأطلقنا العنان لأنوفنا لتكتشف روائح الكون، وحفظناها في قوارير زجاجية فاخرة، لنُعلن مع أول زجاجة عطر صنعها الفراعنة، بأننا قد حبسنا سر تعويذة الرائحة المنتشرة في الهواء في قارورة، لتتغير الطريقة التي نتفاعل بها مع الروائح إلى الأبد.

تربطنا بالشم علاقة شائكة منذُ فجر التاريخ، فلقد هبط به أفلاطون إلى أدنى درجات سلم الحواس. فالشم على حد وصف بعض الفلاسفة ليس إلا حاسة مثيرة للشهوة والرغبة، تحملُ طابعاً حيوانياً لا يليق بالنبلاء من البشر، فلم ير في الجسد بكل روائحه، إلا قبراً مؤقتاً للروح.

أما سُقراط فكان أقل حديّة في التعامل مع الرائحة، إذ خلُص إلى أن الرائحة تعكس الانتماء الاجتماعي والوضع الطبقي للفرد. ولكن مع انبلاج عصر التنوير تغيرت النظرة إلى الرائحة، من الطابع الغريزي إلى الطابع العلمي الذي يضعها تحت المجهر ويدرسها بعين الباحث الذي يتحسس الأدلة ويُحللها.

الروائح هي جواز سفرك الشمّي للتنقل إلى أعذب اللحظات أو أصعب الذكريات، ببساطة لأن البصلة الشميّة (وهي المنطقة المسؤولة عن تحليل الروائح) تقع بجوار مركز الذاكرة، وهو جزء بالدماغ مسؤول عن صناعة الذكريات طويلة المدى، وعلى العكس من الحواس الأخرى مثل السمع والبصر، فإن المعلومات المتعلقة بالروائح تنفذ إلى المناطق المسؤولة عن المشاعر والذكريات في الدماغ مباشرةً، مما يُفسّر ارتباط الروائح بمشاعر التوق واللهفة والحنين. ففي لحظة عابرة قد تسافر بك رائحة الكيك المنبعثة من الفرن إلى جَمعة الأهل في أماسي الشتاء، وقد تأخذك رائحة المستشفى أو عيادات الأسنان لفترة علاج سابقة، أنفنا سجل حيّ لكل الذكريات التي تعيش في بواطن لا وعينا بحُلوها ومُرّها، بما نتوق لتذكّره وبما نُجاهد لأن ننساه.

الشم هو الحاسة الوحيدة التي لا يمكنك الهروب منها مهما حاولت، فكل هطول للمطر، كل نفحة عطر، هو قدرٌ لا يُخطئ الطريق إلى أنفاسك، فكما يقول سوزكيند في رواية العطر: "قد يستطيع الناس أن يُغمِضوا عيونهم في وجه العَظمة، في وجه الرُعب، في وجه الجمال، وأن يُغلقوا آذانهم أمام الألحان أو الكلمات الخلابة، لكنهم لا يستطيعون النفاذ من الرائحة، فالرائحة هي شقيقةُ الشهيق".

المصادر: بودكاست أبجورة (بتصرّف).

التفكير
صحة نفسية
السلوك
علم النفس
الشخصية
الصحة النفسية
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    الهيليوم: أكثر من مجرد غاز يجعل صوتك مضحكًا

    الهيليوم: أكثر من مجرد غاز يجعل صوتك مضحكًا

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/
    المخاطر الخفية للكعب العالي وتأثيره على جسم المرأة

    المخاطر الخفية للكعب العالي وتأثيره على جسم المرأة

    الأربعاء 26 آب 2026/
    الشيطان أعلن خطته كاملة في القرآن... فهل قرأتها؟

    الشيطان أعلن خطته كاملة في القرآن... فهل قرأتها؟

    الأثنين 17 آب 2026/
    دليل المرأة لاستخدام المكملات الغذائية.. متى يمكن الجمع بين الفيتامينات؟

    دليل المرأة لاستخدام المكملات الغذائية.. متى يمكن الجمع بين الفيتامينات؟

    الأثنين 20 تموز 2026/
    بين سكينٍ لم تذبح إسماعيل وسيوفٍ انهالت على جسد الحسين.. تسليمٌ مطلق لأمر الله

    بين سكينٍ لم تذبح إسماعيل وسيوفٍ انهالت على جسد الحسين.. تسليمٌ مطلق لأمر الله

    الأحد 28 حزيران 2026/
    ماهي أكثر الدول امتلاكًا للذهب في العالم؟

    ماهي أكثر الدول امتلاكًا للذهب في العالم؟

    الأثنين 01 حزيران 2026/

    آخر الاضافات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    كيف يتحقق السلام الداخلي؟

    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض

    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟

    ظاهرة المؤثرين: تحليل للدور الحقيقي والتأثير على المجتمع

    الكمأة.. ثروة طبيعية تجمع بين القيمة الغذائية والفخامة

    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك

    الإدارة والقيادة الذاتية وأثرهما في حياة الفرد

    آخر القراءات

    كيف تتعلم فن التصرف والتدبير؟

    النشر : السبت 09 تشرين الثاني 2019
    اخر قراءة : منذ 10 ثواني

    الحائكات العراقيات.. قصص مؤلمة مشذرة بالمثابرة والعطاء

    النشر : السبت 18 تموز 2020
    اخر قراءة : منذ 10 ثواني

    الصحفية جوانا فرانسيس للمرأة المسلمة: نحن من يتعرض للاضطهاد لا أنتن

    النشر : السبت 16 تشرين الثاني 2019
    اخر قراءة : منذ 31 ثانية

    شهر محرم الحرام.. يطرق أبواب العالم

    النشر : السبت 30 تموز 2022
    اخر قراءة : منذ 31 ثانية

    اللامبالاة.. من منظارين مختلفين

    النشر : السبت 23 تشرين الاول 2021
    اخر قراءة : منذ 31 ثانية

    هل نهاية العالم أصبحت وشيكة؟

    النشر : الأحد 29 آذار 2020
    اخر قراءة : منذ 32 ثانية

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    في رحاب اسم الله الهادي

    • 330 مشاهدات

    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح

    • 326 مشاهدات

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    • 317 مشاهدات

    حين تتحول رياضة الأطفال من وسيلة للمتعة إلى مصدر للضغط والقلق

    • 314 مشاهدات

    طرق بسيطة لتخفيف حرقة المعدة في المنزل وتجنب تكرارها

    • 303 مشاهدات

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    • 301 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1136 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1104 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1044 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 987 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 750 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 656 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات
    • منذ 22 ساعة
    كيف يتحقق السلام الداخلي؟
    • منذ 22 ساعة
    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض
    • منذ 22 ساعة
    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟
    • الأربعاء 16 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة