• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الروائح.. شقيقةُ الشهيق

مريم حسين العبودي / الأثنين 13 آذار 2023 / ثقافة / 2422
شارك الموضوع :

أباريق الشاي المهيّل التي تتخمر ببطء على الفحم المجمّر، الذي يمتلك بدوره رائحةً تشبه رائحة الماضي

تتمشى في الأسواق التقليدية الشعبية القديمة فتجتاحُ أنفك أنواع الروائح المختلفة، من البهارات وروائح الأقمشة المنبعثة محال الخياطة، ورائحة الجلود من محلات الحقائب، روائح الهيل والشاي وأكشاك بيع الكعك بالسمسم وأفران الخبز والمعجنات.

تعبرُ من بين جبال البهارات المتراكمة على جوانب الدكاكين، القرنفل والكمون والفلفل الأسود تداعبُ أنفك وتنعشُ كل خلاياك. تختارُ مقهىً تجلسُ فيه فيأتيك فنجان القهوة ورائحة البن المحمّص تتصاعد منه لتسكن رئتيك فتوقظ حواسك كلها. على الجانب الآخر أباريق الشاي المهيّل التي تتخمر ببطء على الفحم المجمّر، الذي يمتلك بدوره رائحةً تشبه رائحة الماضي، وروائح التبغ القادمة من الطاولة المجاورة. تلمحُ صديقاً قديماً فتضُمُهُ وتشمُ فيه أريج صداقةٍ دامت لعشرين عام.

بالرغم من كونها غير مرئية، إلا أنها تنتشرُ حولنا في كل مكان، حاضرة في جميع تجاربنا وأمزجتنا وذكرياتنا وتفاعلنا مع الحياة والأحداث من حولنا، لا يكاد يخلو منها أي موقف يومي نمر به، مع الأشخاص، والمناسبات، والمدن، إذ لا تتشكل حياتنا من المشاهد والأصوات فحسب، بل من الروائح، التي نعثُر عليها أو نتعثر بها. رائحة البخور، الرز الذي ينضج على النار، قشور البرتقال، أول الفجر، الخبز المنزليّ وهو يخرج من التنور، رداء الصلاة، الكتب القديمة، النقود الورقية، محطات البنزين، جلد مقاعد السيارات الجديدة، الهواء المحمّل برطوبة المطر قبل الهطول، والبطيخ الأحمر بمجرد أن تقطعه نصفين.

الرائحة هي السبب الخفي لعودتك إلى مكانٍ ما بعد وقت طويل، والسبب الواضح في رغبتك بالمغادرة فوراً من مكانٍ آخر حتى وإن توفرت فيه كل أسباب البقاء، فكيف تعمل أنوفنا إذاً؟!

يحتوي الغشاء الأنفي على ما يُقارب 6 إلى 10 ملايين خلية حسية، فأنفُك الصغير الذي قد تستهين بقدراته، يمكنه تمييز أكثر من ترليون رائحة، بل إنه قادر على تمييز الروائح عن بعضها حتى لو كان الاختلاف بينها طفيفاً. لقد خُلقنا بأنوف حساسة للروائح، كإحدى سُبل النجاة على مر العصور، فهي وسيلة للاستدلال على مصادر النار، روائح الأطعمة الصالحة للأكل، وحتى روائح الناس الذين نألفهم، ولكن مع تطور سُبل الاستدلال، نمت قدرتنا على التمييز بهذه الحاسة الفريدة، من ضيق النجاة إلى سعة الرفاهية، فأطلقنا العنان لأنوفنا لتكتشف روائح الكون، وحفظناها في قوارير زجاجية فاخرة، لنُعلن مع أول زجاجة عطر صنعها الفراعنة، بأننا قد حبسنا سر تعويذة الرائحة المنتشرة في الهواء في قارورة، لتتغير الطريقة التي نتفاعل بها مع الروائح إلى الأبد.

تربطنا بالشم علاقة شائكة منذُ فجر التاريخ، فلقد هبط به أفلاطون إلى أدنى درجات سلم الحواس. فالشم على حد وصف بعض الفلاسفة ليس إلا حاسة مثيرة للشهوة والرغبة، تحملُ طابعاً حيوانياً لا يليق بالنبلاء من البشر، فلم ير في الجسد بكل روائحه، إلا قبراً مؤقتاً للروح.

أما سُقراط فكان أقل حديّة في التعامل مع الرائحة، إذ خلُص إلى أن الرائحة تعكس الانتماء الاجتماعي والوضع الطبقي للفرد. ولكن مع انبلاج عصر التنوير تغيرت النظرة إلى الرائحة، من الطابع الغريزي إلى الطابع العلمي الذي يضعها تحت المجهر ويدرسها بعين الباحث الذي يتحسس الأدلة ويُحللها.

الروائح هي جواز سفرك الشمّي للتنقل إلى أعذب اللحظات أو أصعب الذكريات، ببساطة لأن البصلة الشميّة (وهي المنطقة المسؤولة عن تحليل الروائح) تقع بجوار مركز الذاكرة، وهو جزء بالدماغ مسؤول عن صناعة الذكريات طويلة المدى، وعلى العكس من الحواس الأخرى مثل السمع والبصر، فإن المعلومات المتعلقة بالروائح تنفذ إلى المناطق المسؤولة عن المشاعر والذكريات في الدماغ مباشرةً، مما يُفسّر ارتباط الروائح بمشاعر التوق واللهفة والحنين. ففي لحظة عابرة قد تسافر بك رائحة الكيك المنبعثة من الفرن إلى جَمعة الأهل في أماسي الشتاء، وقد تأخذك رائحة المستشفى أو عيادات الأسنان لفترة علاج سابقة، أنفنا سجل حيّ لكل الذكريات التي تعيش في بواطن لا وعينا بحُلوها ومُرّها، بما نتوق لتذكّره وبما نُجاهد لأن ننساه.

الشم هو الحاسة الوحيدة التي لا يمكنك الهروب منها مهما حاولت، فكل هطول للمطر، كل نفحة عطر، هو قدرٌ لا يُخطئ الطريق إلى أنفاسك، فكما يقول سوزكيند في رواية العطر: "قد يستطيع الناس أن يُغمِضوا عيونهم في وجه العَظمة، في وجه الرُعب، في وجه الجمال، وأن يُغلقوا آذانهم أمام الألحان أو الكلمات الخلابة، لكنهم لا يستطيعون النفاذ من الرائحة، فالرائحة هي شقيقةُ الشهيق".

المصادر: بودكاست أبجورة (بتصرّف).

التفكير
صحة نفسية
السلوك
علم النفس
الشخصية
الصحة النفسية
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    دليل المرأة لاستخدام المكملات الغذائية.. متى يمكن الجمع بين الفيتامينات؟

    دليل المرأة لاستخدام المكملات الغذائية.. متى يمكن الجمع بين الفيتامينات؟

    الأثنين 20 تموز 2026/
    بين سكينٍ لم تذبح إسماعيل وسيوفٍ انهالت على جسد الحسين.. تسليمٌ مطلق لأمر الله

    بين سكينٍ لم تذبح إسماعيل وسيوفٍ انهالت على جسد الحسين.. تسليمٌ مطلق لأمر الله

    الأحد 28 حزيران 2026/
    ماهي أكثر الدول امتلاكًا للذهب في العالم؟

    ماهي أكثر الدول امتلاكًا للذهب في العالم؟

    الأثنين 01 حزيران 2026/
    ما الذي تهرب منه النساء إلى الصمت؟

    ما الذي تهرب منه النساء إلى الصمت؟

    الأحد 10 آيار 2026/
    الألياف أم البروبيوتيك: أيهما أفضل لصحة الأمعاء؟

    الألياف أم البروبيوتيك: أيهما أفضل لصحة الأمعاء؟

    الثلاثاء 05 آيار 2026/
    5 علامات تدل أنك في علاقة صداقة من طرف واحد

    5 علامات تدل أنك في علاقة صداقة من طرف واحد

    الأثنين 27 نيسان 2026/

    آخر الاضافات

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني

    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت

    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟

    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين

    الأربعين موسم للتغيير وبناء الإنسان

    زيارة الأربعين: من استذكار الشهادة إلى تجديد العهد

    الغرض الحقيقي من إدارة الوقت

    تراجع جودة الهواء.. كيف يؤثر التلوث على صحة الإنسان ومتى يصبح الخروج إلى الخارج خطراً؟

    آخر القراءات

    عراقيات يأملن في مواصلة الحياة.. بعد الخطف والقمع في ظل الدولة الإسلامية

    النشر : الأحد 27 تشرين الثاني 2016
    اخر قراءة : منذ 13 دقيقة

    مبادئ أساسيّة تضمن السعادة الزوجيّة

    النشر : الأحد 14 آذار 2021
    اخر قراءة : منذ 13 دقيقة

    ما لا يراه الآخرون

    النشر : الأربعاء 15 نيسان 2020
    اخر قراءة : منذ 13 دقيقة

    نفحات ايمانية

    النشر : الثلاثاء 08 آيار 2018
    اخر قراءة : منذ 13 دقيقة

    كيف ندخل إلى عالم تفكير أطفالنا: ورشة تقيمها جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية

    النشر : الأربعاء 15 آيار 2024
    اخر قراءة : منذ 13 دقيقة

    إتحاد أدباء كربلاء المقدسة يحتفي بأعضائه الجدد

    النشر : الأثنين 07 كانون الأول 2020
    اخر قراءة : منذ 13 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 457 مشاهدات

    التربية في مدرسة النبي محمد

    • 341 مشاهدات

    نذر على الطريق.... لكل خطوة حكاية عطاء

    • 322 مشاهدات

    دراسة: حقن إنقاص الوزن قد ترتبط بزيادة خطر تساقط الشعر

    • 306 مشاهدات

    كرامات لا تنتهي.... لأبي الفضل العباس

    • 306 مشاهدات

    الرأس الشريف بين الكوفة والركب الحسيني

    • 302 مشاهدات

    الأسرة وادارة الأزمات .. الأسرة الحسينية نموذجا

    • 1131 مشاهدات

    نِداء اليقين

    • 1077 مشاهدات

    نهجُ السجّاد: منارُ الثبات وميثاقُ الإنسانية

    • 922 مشاهدات

    الخير كله بخدمة الحسين.. حصاد برنامج شهر محرم في حسينة الامام الحسن

    • 870 مشاهدات

    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    • 793 مشاهدات

    صدى الكبدِ المقطّعة: مأساةُ السبطِ في طشتِ الغدر

    • 640 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني
    • منذ 21 ساعة
    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت
    • منذ 21 ساعة
    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟
    • منذ 21 ساعة
    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين
    • منذ 22 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة