• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

بلا إفراط ولا تفريط: ثقافة التطرف العاطفي

هدى المفرجي / الأربعاء 03 ايلول 2025 / ثقافة / 1045
شارك الموضوع :

العاطفة لها حدود، والعقل له الأولوية. فالعاطفة يجب أن تمنحك السعادة دون أن تسرق منك عقلك

كانت عيناها بحرًا من الأمل الهائج، تُبحر فيه باتجاه جزيرتها الوحيدة، باتجاهه هو. كان في نظرها أكثر من مجرد إنسان، هو النصر الأسطوري الذي تحتفي بذكراه في سرّها وجهرها. فمجرد وجوده في حياتها إنجازٌ تستحق عليه التمجيد، وحظٌّ ساحر حلّ عليها كمعجزة إلهية. بل إنه أدرك مكانة طوق النجاة الذي تشبثت به، والضوء الوحيد الذي أضاء ظلام نفقها الطويل. لكنها لم تدرك أنها كانت تبني مملكتها على جبل من الثلج، حتى جاءت اللحظة القاسية التي ذاب فيها كل شيء أمام عينيها، ذاب ذلك الحب الوهمي كقطعة ثلج في لهيب الشمس، تاركًا وراءه بركة ماءٍ مالح، دموعها هي فقط.

وفي لحظة جنون عاطفي، قررت سلمى أن تُنهي حياتها، كما تفعل الكثيرات في سنّها، ضحايا عواطف جارفة حوّلت قلوبهن إلى مقابر لأحلام لم تعش إلا في الخيال.

إن ما حدث مع سلمى ليس مجرد قصة درامية عابرة، بل هو تجسيد حي لظاهرة "الإفراط العاطفي" التي تُسيطر على العقل وتدفع بالإنسان إلى حافة الهاوية. إنها حالة من الانغماس الكلي في المشاعر إلى درجة فقدان التوازن النفسي والمنطقي، حيث يُصبح القلب هو الحاكم الوحيد، والعقل سجينًا بين جدران الأوهام.

والأسوأ من ذلك أننا نعيش في عصر "التشجيع على الإفراط العاطفي"، فمنصات التواصل الاجتماعي، والأفلام، والروايات الرومانسية تروّج لفكرة "الحب بجنون"، التي لا تروج فقط للإفراط في الحب، بل في جميع المشاعر السلبية أيضًا، مقدّمةً إياها على أنها ردود فعل طبيعية، بل ورومانسية في بعض الأحيان، كفكرة الرجل المتسلط المريض نفسيًا الذي "يُصلحه حب امرأة"، بينما في الحقيقة هذه الفكرة خطيرة جدًا؛ فهي تشجّع الفتيات على تحمّل علل نفسية وسلوكيات سامة تحت شعار: "حبي سيُغيّره".

أو حتى مشاهد "الملاحقة وعدم احترام الحدود"، حيث يظهر البطل وهو يلاحق حبيبته السابقة، يرسل مئات الرسائل، يقف تحت شباكها بالمطر، ويتوسل لها في مكان عملها، ويتم تقديم هذا على أنه "إثبات للحب" وليس كمخالفة للحدود الشخصية.

الكثير من الأفكار السامة تتسلل إلى خلايا عقلنا عبر مشاهد خيالية صنعتها السينما. وهنا لا يتم تقديم العاطفة على أنها علاقة إنسانية جميلة قائمة على الاحترام والتوازن، بل كمرض عضال يفقد فيه الشخص هويته وعقله.

ومن جنون الحب إلى "ثقافة الانهيار والدراما"

"كان يومي سيئًا، أنا منهار بالكامل" بسبب أمور روتينية مثل وجود زحام مروري، أو سوء طلب في المطعم، أو عطل تقني بسيط. حيث يتم تضخيم ردّ الفعل العاطفي ليتناسب مع دراما الموقف الذي يتم نشره، لا مع واقعيته.

فلم يعد الانهيار ردّ فعل، بل أصبحت هواتفنا مليئة بـ "ستايلات" الدراما: صورة للقهوة المنسكبة على المكتب وعبارة "كان يومي جحيمًا"، أو فيديو مُعدّل بإضاءة حزينة على أنغام موسيقى كئيبة منقوش عليه "أنا منهارة نفسيًا" بسبب خلاف عابر.

وهنا تحوّلت المشاعر إلى "محتوى" نتنافس على عرضه، لا إلى حالة نتعافى منها. صار الانهيار وسيلة للحصول على التفاعل والتعليقات المُتعاطفة، بدلًا من أن يكون إشارة حقيقية نستمع إليها لنساعد أنفسنا على النهوض.

والأخطر مما سبق هو تمجيد الاكتئاب والقلق، فأحيانًا يُقدّم بشكل جمالي على أنه علامة على الرقة والحساسية المفرطة، بدلًا من تشجيع التعامل معه على أنه حالة صحية تحتاج إلى علاج ودعم.

فنجد الصفحات تسرده على أنه محتوى يستحق الإعجاب، ويُروَّج بين الجميع كـ"ترند" حالي معلّق في صفحاتهم.

والأسوأ هو أن يتعدى الإفراط العاطفي حدود إيذاء النفس ليتحوّل إلى آلة دفاع عن القاتل، مثل القتل بسبب الفقر أو المشاكل المالية. وهذا النوع هو الأكثر خطورة، لأنه يحوّل اليأس العاطفي إلى فعل جرمي لا رجعة فيه.

والأخطر منه هو القصص الإخبارية والتبريرات الاجتماعية. فعند حدوث جريمة قتل بسبب الديون أو الفقر، تظهر أصوات في التعليقات تقول: "هذا البلد غير قابل للحياة"، والكثير من التبريرات المقدّمة للقاتل، كأن يكون الرجل كان يتحمّل همّ عائلته، أو اليأس دفعه لذلك، أو الخيانة جعلتها وحشًا.

وفي الحقيقة، هذه ليست فقط موافقة على الجريمة، بل محاولة لتقديمها كرد فعل "مفهوم"، وليس كجريمة مروّعة.

وكأن العاطفة أصبحت تلك الأداة التي تفقدك عقلك وتوازنك، دون الانتباه إلى أنها جزء خلقه الله في الإنسان ليبني لا ليهدم، هو شعور مكمّل لحياتك، لا حياتك بأكملها.

ليُصبح الإفراط العاطفي شكلًا من أشكال "الإدمان النفسي".

الخلط بين العاطفة والشعور

إن العاطفة هي الاستجابة الأولية الهائجة، مثل الموجة العاتية التي تضرب الشاطئ، أما الشعور فهو البحر بأكمله، أعمق وأهدأ وأكثر قدرة على حمل السفن.

وهنا يأتي الإفراط العاطفي على هيئة الاستسلام للموجة الأولى، واتخاذ قرارات مصيرية تحت تأثيرها، بينما الحكمة هي انتظار هدوء الموجة، والتفكير بعمق البحر الذي بداخلنا.

والسؤال هنا: كيف نحمي أنفسنا ومن نحب من هذه الظاهرة؟

في الحقيقة، إن الحماية من هذا الإعصار العاطفي لا تعني أن نصبح جليدًا بلا مشاعر، بل أن نرتدي سترة النجاة قبل أن نغامر بالسباحة في أعماقه. إليكم كيف:

تعلُّم فن التمييز: تدرب على تمييز الصوت الهامس للحدس الداخلي الحكيم، من الصوت الصارخ للرغبة العاطفية الجامحة. فالأول يهمس لك: "هذا الشخص قد يؤذيك، ابتعد"، والثاني يصرخ: "لا يمكنك العيش بدونه، هذه هي الفرصة الوحيدة". هنا يكون الأول يبني، والثاني يهدم.

الوعي بالمشكلة: الاعتراف بأن الإفراط العاطفي حالة غير صحية هو أول خطوات العلاج. مثلًا: يجب أن نُدرك أن الحب لا يعني الذوبان في الآخر، بل البقاء كيانين متكاملين.

تعزيز الثقة بالنفس: غالبًا ما يكون الإفراط العاطفي ناتجًا عن فراغ داخلي أو ضعف في تقدير الذات. ملء هذا الفراغ بالهوايات، والأهداف الشخصية، وتطوير الذات، يخلق حصنًا منيعًا ضد الاعتماد العاطفي المرضي.

الموازنة بين العقل والقلب: لا يجب أن يكون أحدهما ضد الآخر. استمع إلى قلبك، ولكن دائمًا امنح عقلك حق النقض، وصاحب الحكم الأخير على قراراتك المصيرية.

ختامًا، إن العاطفة لها حدود، والعقل له الأولوية. فالعاطفة يجب أن تمنحك السعادة دون أن تسرق منك عقلك، وتعطيك الأمل دون أن تجعلك عبدًا لخيالك.

لذلك، لا تجعلها تأخذك نحو الموت، بل امنحك مليون سبب لتحيا.

تشبه المنارة، تُنير الطريق في العتمة، لكنها تبقى ثابتة رغم كل العواصف.

لذلك، لنجعل من قلوبنا حدائق أمل، لا مقابر لأحلامنا. هي العاطفة ببساطة، يجب أن تكون: بلا إفراط ولا تفريط.

التفكير
صحة نفسية
المجتمع
السلوك
العاطفة
الشخصية
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    الخميس 30 تموز 2026/
    فلسفة الرفق بالنفس في مواسم الانطفاء والفتور

    فلسفة الرفق بالنفس في مواسم الانطفاء والفتور

    السبت 25 تموز 2026/
    الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

    الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

    الأثنين 20 تموز 2026/
    حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

    حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

    الخميس 16 تموز 2026/
    من دروس الطف: هيهات منا الذلة

    من دروس الطف: هيهات منا الذلة

    السبت 04 تموز 2026/
    هل تحرمنا التكنولوجيا من متعة الذكريات المشوهة؟

    هل تحرمنا التكنولوجيا من متعة الذكريات المشوهة؟

    الأثنين 15 حزيران 2026/

    آخر الاضافات

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني

    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت

    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟

    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين

    الأربعين موسم للتغيير وبناء الإنسان

    زيارة الأربعين: من استذكار الشهادة إلى تجديد العهد

    الغرض الحقيقي من إدارة الوقت

    تراجع جودة الهواء.. كيف يؤثر التلوث على صحة الإنسان ومتى يصبح الخروج إلى الخارج خطراً؟

    آخر القراءات

    ماهي أسباب سقوط قوم عاد؟

    النشر : الخميس 06 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    المرأة وجدلية خوضها المضمار السياسي

    النشر : الأربعاء 23 آب 2017
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    السيدة الزهراء.. انموذج رائع للحياة كريمة خالية من المشاكل

    النشر : الأحد 22 كانون الأول 2024
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    تربية الأطفال..بين القول والفعل

    النشر : الأربعاء 13 كانون الأول 2017
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    مسجد السيدة الزهراء.. بين الموالاة والبراءة

    النشر : السبت 23 تشرين الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    قصة عشق.. ليت الذي كان لم يكن

    النشر : الأربعاء 15 آذار 2017
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 457 مشاهدات

    التربية في مدرسة النبي محمد

    • 339 مشاهدات

    نذر على الطريق.... لكل خطوة حكاية عطاء

    • 321 مشاهدات

    دراسة: حقن إنقاص الوزن قد ترتبط بزيادة خطر تساقط الشعر

    • 305 مشاهدات

    كرامات لا تنتهي.... لأبي الفضل العباس

    • 305 مشاهدات

    الرأس الشريف بين الكوفة والركب الحسيني

    • 302 مشاهدات

    الأسرة وادارة الأزمات .. الأسرة الحسينية نموذجا

    • 1131 مشاهدات

    نِداء اليقين

    • 1077 مشاهدات

    نهجُ السجّاد: منارُ الثبات وميثاقُ الإنسانية

    • 921 مشاهدات

    الخير كله بخدمة الحسين.. حصاد برنامج شهر محرم في حسينة الامام الحسن

    • 870 مشاهدات

    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    • 792 مشاهدات

    صدى الكبدِ المقطّعة: مأساةُ السبطِ في طشتِ الغدر

    • 640 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني
    • منذ 18 ساعة
    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت
    • منذ 18 ساعة
    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟
    • منذ 18 ساعة
    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين
    • منذ 18 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة