• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

للكلمةِ مضمونٌ في حديثِ أميرِ المؤمنين

هدى المفرجي / الخميس 18 ايلول 2025 / اسلاميات / 1214
شارك الموضوع :

من خلال هذا الحديث البليغ، علينا إدراك معنى الكلمة، والسعي لأن نكون أوفياء لأمانتها

كلماتٌ ارتمت في أحضانِ مسامعي، وهي تهدم شخصًا يعزُّ عليّ، فما كانت ردّةُ فعله إلا أن أنزل رأسه خجلًا، وامتلأت عيناه بالدموع.

حينها تساءلت: كيف لكلمةٍ بسيطةٍ أن تخلق جرحًا غائرًا في أعماقِ الإنسان؟ ثم تأتي الذاكرة بصوتٍ هادئ يذكّرني: وماذا عن جُرحك أنت، حين حبستَ الألم حتى تورّمت حنجرتك، سجنًا لصرخةٍ لم تخرج؟

أهو الألم الذي تجمّد في الداخل، أم الكلمات التي ارتدّت كطلقاتٍ صامتةٍ تمزّق الروح من داخلها؟

شيءٌ ما حينها قتلني في ذلك اليوم؛ لم يكن سُوء الجرح هو الأسوأ، بل ذلك التناقض القاسي بين عُمق الجرح وسخافة الاعتذار: "آسف، إن ما في قلبي على لساني"، ممزوجةٍ بضحكةٍ باهتة.

فيا لها من كلمة! أرذل من أن تُوصَف بأنها اعتذار، بل هي هروبٌ واضح، واتهامٌ صارخ للسانٍ يُزعَم أنه خرج عن السيطرة.

وهذا المشهد الشخصي ليس بمعزلٍ عن عالمنا، بل هو جزءٌ من سماءِ خطابِنا العامِّ المتبلّد، منطلقًا من بيوتنا، وعدم الانتباه للكلام حتى يصل إلى المجتمع الخارجي، سواءً واقعيًا أو في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتحول الكلمات إلى قنابلَ موقوتةٍ يرميها القاذفون من خلفِ شاشاتهم، ليأتوك بعدها بحُججٍ هشّة: "لم أقصد"، أو "السياق خانني"، متناسين أن للكلمة مسؤوليةً قبل أن تكون تعبيرًا، وأمانةً قبل أن تكون رأيًا.

للكلام صوارمُ تقطع، وأزهارٌ تشفي

تقف كلماتُ الإمام عليٍّ (عليه السلام) وقفةَ حزمٍ أمام مثل هذه الأفعال، فيقول:

"لِسَانُ الْعَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ، وَقَلْبُ الْأَحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ".

وهنا يكشف عليه السلام الحقيقة التي يحاول الجارح إخفاءها: فلا تكن مخدوعًا، فما قذفه لسانُه لم يخرج من فراغ، بل من قلبه.

ومن خلال كلماتِ سيدِ البلغاء ندرك أن "لسان العاقل خلف قلبه" تعني أنه يُروِّضه ويُصفِّيه، ويتأكد من طهارة ما يخرج منه، فلا ينطق إلا بما يصلح، ولا يقذف إلا بما يُنمِّي.

أمّا الأحمق، فقلبه تابعٌ للسانه العابث، يُلقي بالكلمات كالحصى، لا يُبالي بما تُحدِثه من دمٍ أو ألم، غير مُدركٍ أن لسانه ليس حيوانًا طليقًا بلا صاحب كما يزعم، بل هو الترجمان الأمين لما يخطر في قلبه.

فالكلمات التي تُقال في لحظة غضبٍ أو استهتار، ليست سوى حجارةٍ كانت ملقاة في قاع القلب، فجاءت اللحظة المناسبة ليقذف بها لسانه نحوك.

والاعتذار بهذه الصورة العقيمة هو إقرارٌ صامت بأن هذه الحجارة جزءٌ من بناء نفسه، وأن قلبه وعاءٌ لكل ما هو ثقيلٌ وخطير، لذلك لا يغرنّك اعتذارٌ يجعل من لسانِ المقابل شيطانًا مستقلًّا عن إرادته.

فالعاقل مالكٌ لزمام قلبه ولسانه، والجارح الجاهل لسانُه هو الحاكمُ المطلق لقلبه الفارغ.

وكما أن للقولِ فلسفةً، فإن للاستماع آدابًا وحكمة، فحين يتوجّه إليك أحدُهم باعتذارٍ صادق، كُن متسامحًا لتقبّله، وحكيمًا لتميّز الصادق من غيره.

ولكن لا تسمح لأحد أن يجعل من لسانه سيفًا يصول ويجول، ثم يطلب منك أن تمسح الدماءَ بكلمة "آسف" عابرة.

فالصمت عن الجاهل أحيانًا حكمة، ولكن وضع حدودٍ واضحةٍ للكلام المسيء هو الحكمةُ كلها.

ومن هنا تأتي الترجمة العملية لحكمة الإمام عليٍّ عليه السلام، فهي ليست مجرد كلماتٍ نرددها، بل خارطةُ طريقٍ لترويض النفس.

لذلك عزيزي:

توقف لحظة، وامسك بزمام ذلك اللسان "الشقي" قبل أن يسبقك إلى الهاوية؛ فليست القوة أن تتكلم، بل القوة أن تملك نفسك عند الغضب.

اسأل نفسك: لماذا أريد قول هذا؟

وفي هذه اللحظة من التأمل تكمن لحظة اكتشاف الذات؛ فيها تكتشف تلك "الحجارة" في قاع القلب قبل أن تقذفها وتجرح بها من حولك.

تأكد من ضرورة الكلمة وصحتها ولطفها، فليس كل ما يُعرَف يُقال، وليس كل ما يُقال يُحسَن قوله.

فقم بتصفية ما في قلبك قبل أن يصل إلى لسانك، لأن الكلمة الطيبة صدقة، والكلمة الخبيثة جريمة.

ومن خلال هذا الحديث البليغ، علينا إدراك معنى الكلمة، والسعي لأن نكون أوفياء لأمانتها، ونعيد هندسة علاقتنا مع أقوى أسلحتنا وأخطرها، ألا وهي ألسنتُنا.

فكما أن الكلمة يمكن أن تكون قبرًا، يمكنها أن تكون حديقةً غنّاء. فلنقتدِ بسيد البلغاء (عليه السلام)، فلا نضع قلوبنا في أيدي ألسنتنا العابثة، بل نروّض ألسنتنا لتُترجم فقط عن طهارة قلوبنا وصفاء نفوسنا.

ولْيكن لساننا دائمًا وراء قلوبنا، ننطق بما يريده القلبُ الطيب، لا بما تهواه الأنانية وتدفع إليه الغفلة. ففي النهاية، ليست كلماتُنا سوى مرآةٍ لأرواحنا، فاجعل مرآتك نقيّة، تنعكس عليها أزهارٌ تشفي، لا صوارمُ تقطع.

الامام علي
الوعي
القيم
الكلمة
المجتمع
الألم
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الأحد 01 تشرين الثاني 2026/
    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    السبت 10 تشرين الاول 2026/
    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    السبت 03 تشرين الاول 2026/
    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    الأثنين 21 ايلول 2026/
    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    الخميس 17 ايلول 2026/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/

    آخر الاضافات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)

    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا

    كيف نتعامل مع الكمالية؟

    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الصاحب ساحب... حين تصنع الصداقة مصير الإنسان

    التعلّم النشط: أساليب تصنع المشاركة والإبداع

    هل تكشف ملامح الوجه عن نقص الحديد في الجسم؟

    آخر القراءات

    الوضع السياسي والاجتماعي للأمة في عصر الامام زين العابدين

    النشر : الأثنين 21 تموز 2025
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    هل تفقد الأطعمة قيمتها الغذائية عند التجميد؟

    النشر : الثلاثاء 16 كانون الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    تحمل ضريبة القلة

    النشر : الأربعاء 22 آذار 2023
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    عبد الله الرضيع.. حجة الرباب وأعجوبة الحسين

    النشر : الخميس 02 تموز 2026
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    نساء في متاهات الأربعين

    النشر : الثلاثاء 23 كانون الثاني 2018
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    النشر : الأثنين 14 ايلول 2026
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    من يملك وقتك؟

    • 532 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 492 مشاهدات

    تورّم القدمين وانتفاخ الجسم.. متى يصبح احتباس السوائل مؤشراً للخطر؟

    • 334 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. الشاهد الأول والضحية الأولى لأحداث السقيفة

    • 330 مشاهدات

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    • 329 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. رائدة الثورة وشهيدة الولاية

    • 324 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1573 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1174 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1027 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 801 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 719 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 554 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)
    • منذ 7 ساعة
    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا
    • منذ 7 ساعة
    كيف نتعامل مع الكمالية؟
    • منذ 8 ساعة
    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام
    • منذ 8 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة