• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الميثاق الذي لم يُكتب: عبد الله الرضيع وولادة قانون الطفولة

زينب شاكر السماك / الأثنين 07 تموز 2025 / حقوق / 1554
شارك الموضوع :

كان عبد الله الرضيع طفلًا لا يحمل سيفًا ولا يهدد عرشًا، بل لم يعرف من الدنيا سوى حضن أمه

في الوقت الذي تحتفل فيه الأمم المتحدة سنويًا منذ عام 1989 باتفاقية حقوق الطفل، التي تنصّ على حق كل طفل في الحياة، والرعاية، والحماية من العنف، نجد أن هذه المبادئ قد رُسمت بدماء بريئة على أرض كربلاء قبل أكثر من ألف عام. يومها لم تُكتب نصوص، ولم تُعقد مؤتمرات، بل كانت الواقعة صامتة بصوت الصرخة، ناطقة بدم حنجرة عبد الله الرضيع، أصغر شهيد في معركة الطف، والتي مثّلت أحد أبشع أشكال انتهاك الطفولة في التاريخ.

كان عبد الله الرضيع طفلًا لا يحمل سيفًا ولا يهدد عرشًا، بل لم يعرف من الدنيا سوى حضن أمه، غير أنه رُفع على يدي أبيه الإمام الحسين (عليه السلام) أمام جموع الأعداء، طلبًا لقطرة ماء، لا أكثر. قال أبا عبد الله (عليه السلام): «إن لم ترحموني فارحموا هذا الطفل، أما ترونه كيف يتلظّى عطشًا؟». لم يكن هذا مجرد توسُّلا، بل كانت أول صرخة حقوقية تطالب بحدٍّ أدنى من الإنسانية تجاه الأطفال في زمنٍ تجرد من الرحمة. وبينما كانت اتفاقية حقوق الطفل الحديثة تنصّ في مادتها السادسة على أن "لكل طفل حق أصيل في الحياة"، اختارت السلطة الأموية أن تبدأ هزيمتها من انتهاك هذا الحق، فأجاب السهم المثلث بدلًا من الماء، واخترق عنق الطفل من الوريد إلى الوريد وهو بين يدي والده.

أبرز الإمام الحسين (عليه السلام) الطفل بين يديه إلى السماء بعد أن تلقاه مذبوحًا بين يديه، وكأنه يرفع شكواه إلى من بيده العدالة المطلقة. لم يكن ذلك المشهد مجرد فاجعة عاطفية، بل تجسيدًا عمليًا لفكرة أن حقوق الطفل لا تتعلق فقط بالعيش، بل بالحماية من كل شكل من أشكال العنف الممنهج، لا سيما إن كان مستهدفًا على أساس الهويّة الدينية أو السياسية. فمن ذا الذي يستطيع أن يبرّر استهداف رضيع لا يفقه من الدنيا إلا الرضاعة؟ أليست هذه أبشع صور انتهاك الطفولة؟

إن واقعة كربلاء من هذه الزاوية تُبرز جانبًا أخلاقيًا تشريعيًا سابقًا لعصره، ففي زمنٍ لم تكن فيه الدولة تراعي حتى كبار السن، كان الإمام الحسين (عليه السلام) يسعى إلى حماية أصغر أفراد أسرته من العطش والقتل، وهو ما يجعل منه رائدًا لفكر حقوق الطفل قبل أن يكون الفكر نفسه مولودًا في قاموس البشرية. ولعل استدعاء واقعة الطف اليوم، خصوصًا في ظل تزايد انتهاكات حقوق الأطفال حول العالم، هو بمثابة دعوة لتأسيس وعيٍ حقوقيّ أصيل، يستلهم من دم الرضيع فكرة أنّ الدفاع عن الأطفال لا ينبغي أن يكون رفاهية قانونية، بل هو واجب عقائدي وأخلاقي.

إننا حين نقرأ اليوم المواد الدولية مثل المادة 19 من اتفاقية حقوق الطفل، التي تنص على "حماية الطفل من كل أشكال العنف أو الضرر البدني أو العقلي"، نجد أنّ كربلاء وثّقت هذا الانتهاك بدم، لا بحبر. وبهذا المعنى، فإن الطف ليست قصة قديمة تُروى للبكاء فقط، بل قضية حيّة تصلح لتكون ميثاقًا أخلاقيًا عالميًا، يعيد إلى الضمير الإنساني توازنه في زمن الحروب والانتهاكات.

ولا يمكن الحديث عن هذه القضية دون الإشارة إلى ما أقرّه فقهاء المسلمين من تحريم قتل الطفل حتى في أقسى ظروف القتال. ففي الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أراد أن يبعث سرية، دعاهم فأجلسهم بين يديه، ثم يقول: سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله… لا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبياً، ولا امرأة، ولا تقلعوا شجراً، إلا أن تضطروا إليها، وأيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى رجل من المشركين، فهو جار حتى يسمع كلام الله، فإن تبعكم فأخوكم في الدين، وان أبى فأبلغوه مأمنه، واستعينوا بالله عليه) وهو ما يعبّر عن تشريع مبكّر لمبادئ القانون الإنساني الدولي الذي أصبح لاحقًا يُعرف بـ"قانون النزاعات المسلحة" أو "القانون الدولي الإنساني"، الذي يحرم استهداف المدنيين، لا سيما الأطفال.

في كربلاء، انتهكت هذه القواعد بشكلٍ سافر. فسيد الشهدء (عليه السلام) لم يحمل طفله ليشكو من العطش فقط، بل ليضع الأمة في اختبار ضميرها، فسقطت. أما الطفل، فقد ارتقى شهيدًا، ليصبح شاهدًا خالدًا على بربرية السلطان حين يفقد ضميره. ولذلك لا يمكن النظر إلى عبد الله الرضيع كرمز ديني فحسب، بل كنموذج عالمي يُذكّر بأن أول صرخة حقوقية في وجه الظلم، خرجت من صدر طفل مذبوح على يد من ادّعى الإسلام.

وهكذا، فإننا حين نتحدث عن حقوق الطفل في زمننا الحاضر، ينبغي أن نستحضر دموع كربلاء، لا لنبكي فقط، بل لنفهم أن حماية الطفولة ليست شأنًا قانونيًا عابرًا، بل مسؤولية حضارية وأخلاقية وثقافية. ومن هنا نرى أن الإمام الحسين (عليه السلام) بدم طفله، قد سطّر أول وثيقة حقوق إنسانية بمدادٍ من دم ونور، وهو ما يجعل من واقعة كربلاء مدرسة إنسانية قبل أن تكون فاجعة.

·       موقع الامام الشيرازي
·       موقع الامم المتحدة (حقوق الانسان)
·       موقع العتبة الحسينية المقدسة
عاشوراء
الامام الحسين
كربلاء
الطفل
القانون
الانسانية
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    السبت 05 ايلول 2026/
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    الأحد 23 آب 2026/
    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/
    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    الخميس 13 آب 2026/
    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    الأثنين 10 آب 2026/
    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    الأربعاء 15 تموز 2026/

    آخر الاضافات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    كيف يتحقق السلام الداخلي؟

    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض

    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟

    ظاهرة المؤثرين: تحليل للدور الحقيقي والتأثير على المجتمع

    الكمأة.. ثروة طبيعية تجمع بين القيمة الغذائية والفخامة

    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك

    الإدارة والقيادة الذاتية وأثرهما في حياة الفرد

    آخر القراءات

    مِحرابُ الشَّهادةِ وَيُتْمُ العَدالة: قراءةٌ في كَونِيَّةِ الرَّحيلِ العَلَويّ

    النشر : الثلاثاء 10 آذار 2026
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    الرؤية الاستراتيجية للتنمية الاجتماعية في "نهج البلاغة"

    النشر : الأربعاء 26 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    الاحتيال المالي يتفاقم.. هل تستطيع البنوك الصمود بمفردها؟

    النشر : الأحد 22 كانون الأول 2024
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    ظواهر.. الثقافة الحيوانية

    النشر : الثلاثاء 13 حزيران 2023
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    قوم عاد والحضارة المفقودة

    النشر : الأحد 02 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    طريقة الشحن وواق الشاشة.. تعرَّف على كيفية حماية هاتفك الذكي من التلف

    النشر : الثلاثاء 18 تموز 2017
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    في رحاب اسم الله الهادي

    • 330 مشاهدات

    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح

    • 326 مشاهدات

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    • 317 مشاهدات

    حين تتحول رياضة الأطفال من وسيلة للمتعة إلى مصدر للضغط والقلق

    • 314 مشاهدات

    طرق بسيطة لتخفيف حرقة المعدة في المنزل وتجنب تكرارها

    • 303 مشاهدات

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    • 301 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1136 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1104 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1044 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 987 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 750 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 656 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات
    • منذ 21 ساعة
    كيف يتحقق السلام الداخلي؟
    • منذ 21 ساعة
    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض
    • منذ 21 ساعة
    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟
    • الأربعاء 16 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة