• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

بلا هدف.. لكنه يحمل المعنى

هدى المفرجي / الثلاثاء 19 آب 2025 / ثقافة / 931
شارك الموضوع :

فيما أكتب أنا هذه الحروف، أسمع صوت أمّي الشجيّ يُطربني بشكر الله، وهي في الحقيقة نعمتي التي ميّزتها

حروفه تسقط كأوراق الخريف الميتة، تُحاكي فراغًا لا قاع له، بينما تُنادي سكينته الغافلة صمتًا أشبه بصُراخ مختنق، فيحذّره عقله: "إيّاك والتمرّد"، ثم يضحك بمرارة تذوب فيها كل آماله: "أيّ حياةٍ هذه؟ وأيّ أملٍ ترميه بين يديّ كالفُتات؟ حتى الله قد نسيني!" ينطقها بحزنٍ مبهم.

ثم يمتدّ به اليوم كظلٍ طويل يجرّ أذيال النقم بدل النِّعَم، يشتكي ويتساءل وينظر إلى السماء بعينين تشبهان قبرًا مفتوحًا، ويجرّ ساقيه من على سريرٍ مريح، يدفع عنه الغطاء وكأنّه يرفض دفئًا لم يعد يستحقّه، بينما المكيّف يُذكّره بأنّ "الحرّ" مجرّد كلمة في قاموسٍ لم يقرأه. يمسك هاتفه بيديه السليمتين، يتجوّل بين تطبيقات تعرض له العالم: مجاعة هنا، دمٌ هناك، طفلٌ يبكي تحت الأنقاض، لكنّ أصابعه تتمرّغ في البرودة وتلمس شاشةً من زجاج لا تشعر، متصفّحًا كتالوج ألمٍ لا يعنيه.

فتتنوع الصور بين معاناة الأطفال تحت الأنقاض، وجائعٍ يُقارب على الموت، فيُقلّب الصور بمللٍ شديد، حتى ظهر له من عمق مجتمعه ومدينته الفتى بلا يدين، يسير نحو كربلاء بقلبٍ يجرّ الجبال، فتتوقّف الحروف في حلقه، يشعر أنّ الكون كلّه يضحك عليه، فبينما يرفض الخروج من شدّة الحر، هناك من لا يملك إلا الإرادة، يصنع الفارق، ويملأ الطريق، ولا يهتمّ إن كان معه معيل أم لا، فهو يعلم أنّ الذي ألهمه الهمّة لن يتركه في طريق الحق. وأنت، كلّ نعمةٍ بين يديك تحوّلها إلى سجن.

وفي زاوية الغرفة، يظهر ظلّه، ذلك الغريب الذي يراقبه منذ أيام، منذ أن قرّر أن الحياة مجرّد غفوة بين اليأس والملل، فيسأله بخوف: "مَن أنت؟"

انعكاسه يردّ: "أنت... لكن حين ترفض نعمة العيش."

يصمت، فيكمل الظلّ بصوتٍ كالرعد: "أتدري كم قلبًا توقّف اليوم وهو يحلم بأن يملك دقيقة من وقتك الضائع؟ كم عينًا تمنت أن ترى ما تراه أنت، ثم تُغمضها الدماء؟"

وبنبرةٍ حادّة، منبّهًا إيّاه: "استيقظ قبل أن تتحوّل النعم إلى حجارة على صدرك، وقبل أن تدرك أن اللا معنى خاصّتك لم يكن إلا وهمًا صنعته أنت وفات أوانه، بينما المعنى كان يناديك طوال الوقت."

تدمع عيناه فجأة، كأنّما الظلّ فتح نافذةً في جدارٍ كان يحبس فيه روحه، يسمع همسًا داخليًا: "الهدف لم يغب، أنت من أغمض عينيه." فيهزّ رأسه، ويخرج من غرفته مسرعًا كمن يخاف أن يفوته القطار، فيجد كوب الشاي على المائدة ما زال دافئًا، وصوت أمه بجانبه، نعمة لا تُحصى، تُخبره قائلة: "بُنيّ، غداء اليوم هو طبقك المفضّل."

في تلك اللحظة، يكتشف أنه كان يبحث عن المعنى في كلّ مكان إلا حيث وُضِع له منذ البداية: حيث محيطه، ونعمه، وحياته هو، لا غيره.

النعمة بين عطاء الشكر وجحود النكران

في دوّامة الحياة، تُسلب النعم من بين أيدينا ونحن غارقون في غفلةٍ مركّبة، بين رفضٍ متعجرف، وجحودٍ مستكبر، وقلّةِ رضًا تفقدنا بركة ما نملك، فنرمي النعم وراء ظهورنا كأنها أعباء، حتى إذا فارقتنا، التفتنا إليها بلهفة الظمآن إلى قطرة ماء. فيا ليت اللقمة التي أهدرناها بطرًا تعود إلينا، ويا ليت العطش يعلّمنا قيمة النبع الذي كنّا نغوص فيه.

وفي هذا السياق، يبرز قول أمير المؤمنين (عليه السلام) نورًا يضيء طريق الشاكرين:

"إذا وصلت إليكم أطراف النِّعَم، فلا تنفّروا أقصاها بقلّة الشكر"، مبينًا أنّ الشكر ليس مجرّد كلمات تُقال، بل هو عهدٌ بين العبد وربّه، يحفظ به نعيم الدنيا، ويستجلب به مزيد الفضل. فالله عزّ وجلّ قد تكفّل برزق كلّ مخلوق، لكن الزيادة والبركة تُمنحان لمن أدرك لسان الامتنان، فجعل قلبه مرآةً تعكس عظمة المُنعِم.

وهنا يأتي البيان الإلهي ليرسي قاعدةً ذهبية بقوله تعالى:

﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾

فالشكر مفتاح الزيادة، والنكران سبيل الزوال. حتى الجماد، والحيوان، والنبات يشكر خالقَه بلغته الخاصّة، فكيف بالإنسان، وهو سيّد المخلوقات؟

ولطالما كانت الحكمة الإلهية تختبر العباد بالنِّعَم؛ فتزيدها ليروا صدقهم، أو تسلبها ليدركوا تقصيرهم. فما أقسى لحظة اليقظة حين تتبخّر النعمة ويُفتح الباب للندم على نعمٍ لا تُعد، وحمدٍ لا ينقطع.

فكم ردّ الله عنّا شرّ حاسدٍ غارقٍ في حسرته، وكم جنّبنا أهوالًا تهزّ القلوب رعبًا، فنحن في أمانٍ بينما غيرنا محاصر بالخوف، وفي صحّةٍ بينما آخرون يُقاسون آلام السقم، وأحرارٌ بينما يُكبّل المظلومون بقيود السجون، وفي سكينةٍ بينما تنهش أراضٍ أخرى بنيران الحروب.

وكلّ هذا الفضل، ليس بفضلنا، بل هو عطاء من ربٍّ كريم، فكيف لا نسبّح بحمده؟ وكيف لا نسجد شكرًا على نعمة صوت أمٍّ حانية، أو دفء بيتٍ آمن، أو رغيف خبزٍ يُشبع جوعًا؟ فالشكر ليس ردّ فعلٍ عابرًا، بل هو فلسفة حياة، هو أن ترى يد الله في كل شيء، أن تعيش اللحظة بقلبٍ ممتلئ باليقين.

وفيما أكتب أنا هذه الحروف، أسمع صوت أمّي الشجيّ يُطربني بشكر الله، وهي في الحقيقة نعمتي التي ميّزتها في لحظتي هذه، فكثير قد غاب عنهم صوت "جِنانهم"، وأنا أنعم بدفء جنتي.

هي كلمات كتبتُها بلا هدف، فكلٌّ منّا يحمل هدفًا مختلفًا، ولكنّنا نجتمع بذات المعنى جميعًا:

"مَن لم يشكر النعمة، فقد عرضها للزوال".

فالحمد لله حمدًا يليق به، وشكرًا لا انقطاع له، مناجيةً إيّاه بما ناجى به الإمام زين العابدين (عليه السلام) وأقول:

"فكيف لي بتحصيل الشكر، وشكري إياك يفتقر إلى شكر."

القرآن
الايمان
التفكير
الحياة
الانسان
الشكر
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    منذ 21 ساعة/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/
    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/
    حسن الخلق في ميزان القيامة

    حسن الخلق في ميزان القيامة

    الخميس 03 ايلول 2026/
    الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

    الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

    الأحد 30 آب 2026/
    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    الثلاثاء 25 آب 2026/

    آخر الاضافات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    كيف يتحقق السلام الداخلي؟

    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض

    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟

    ظاهرة المؤثرين: تحليل للدور الحقيقي والتأثير على المجتمع

    الكمأة.. ثروة طبيعية تجمع بين القيمة الغذائية والفخامة

    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك

    الإدارة والقيادة الذاتية وأثرهما في حياة الفرد

    آخر القراءات

    مِحرابُ الشَّهادةِ وَيُتْمُ العَدالة: قراءةٌ في كَونِيَّةِ الرَّحيلِ العَلَويّ

    النشر : الثلاثاء 10 آذار 2026
    اخر قراءة : منذ 45 دقيقة

    الرؤية الاستراتيجية للتنمية الاجتماعية في "نهج البلاغة"

    النشر : الأربعاء 26 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 46 دقيقة

    الاحتيال المالي يتفاقم.. هل تستطيع البنوك الصمود بمفردها؟

    النشر : الأحد 22 كانون الأول 2024
    اخر قراءة : منذ 46 دقيقة

    ظواهر.. الثقافة الحيوانية

    النشر : الثلاثاء 13 حزيران 2023
    اخر قراءة : منذ 46 دقيقة

    قوم عاد والحضارة المفقودة

    النشر : الأحد 02 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 46 دقيقة

    طريقة الشحن وواق الشاشة.. تعرَّف على كيفية حماية هاتفك الذكي من التلف

    النشر : الثلاثاء 18 تموز 2017
    اخر قراءة : منذ 46 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    في رحاب اسم الله الهادي

    • 330 مشاهدات

    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح

    • 326 مشاهدات

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    • 317 مشاهدات

    حين تتحول رياضة الأطفال من وسيلة للمتعة إلى مصدر للضغط والقلق

    • 314 مشاهدات

    طرق بسيطة لتخفيف حرقة المعدة في المنزل وتجنب تكرارها

    • 303 مشاهدات

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    • 301 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1136 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1104 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1044 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 987 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 750 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 656 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات
    • منذ 21 ساعة
    كيف يتحقق السلام الداخلي؟
    • منذ 21 ساعة
    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض
    • منذ 21 ساعة
    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟
    • الأربعاء 16 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة