• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

بلا هدف.. لكنه يحمل المعنى

هدى المفرجي / الثلاثاء 19 آب 2025 / ثقافة / 863
شارك الموضوع :

فيما أكتب أنا هذه الحروف، أسمع صوت أمّي الشجيّ يُطربني بشكر الله، وهي في الحقيقة نعمتي التي ميّزتها

حروفه تسقط كأوراق الخريف الميتة، تُحاكي فراغًا لا قاع له، بينما تُنادي سكينته الغافلة صمتًا أشبه بصُراخ مختنق، فيحذّره عقله: "إيّاك والتمرّد"، ثم يضحك بمرارة تذوب فيها كل آماله: "أيّ حياةٍ هذه؟ وأيّ أملٍ ترميه بين يديّ كالفُتات؟ حتى الله قد نسيني!" ينطقها بحزنٍ مبهم.

ثم يمتدّ به اليوم كظلٍ طويل يجرّ أذيال النقم بدل النِّعَم، يشتكي ويتساءل وينظر إلى السماء بعينين تشبهان قبرًا مفتوحًا، ويجرّ ساقيه من على سريرٍ مريح، يدفع عنه الغطاء وكأنّه يرفض دفئًا لم يعد يستحقّه، بينما المكيّف يُذكّره بأنّ "الحرّ" مجرّد كلمة في قاموسٍ لم يقرأه. يمسك هاتفه بيديه السليمتين، يتجوّل بين تطبيقات تعرض له العالم: مجاعة هنا، دمٌ هناك، طفلٌ يبكي تحت الأنقاض، لكنّ أصابعه تتمرّغ في البرودة وتلمس شاشةً من زجاج لا تشعر، متصفّحًا كتالوج ألمٍ لا يعنيه.

فتتنوع الصور بين معاناة الأطفال تحت الأنقاض، وجائعٍ يُقارب على الموت، فيُقلّب الصور بمللٍ شديد، حتى ظهر له من عمق مجتمعه ومدينته الفتى بلا يدين، يسير نحو كربلاء بقلبٍ يجرّ الجبال، فتتوقّف الحروف في حلقه، يشعر أنّ الكون كلّه يضحك عليه، فبينما يرفض الخروج من شدّة الحر، هناك من لا يملك إلا الإرادة، يصنع الفارق، ويملأ الطريق، ولا يهتمّ إن كان معه معيل أم لا، فهو يعلم أنّ الذي ألهمه الهمّة لن يتركه في طريق الحق. وأنت، كلّ نعمةٍ بين يديك تحوّلها إلى سجن.

وفي زاوية الغرفة، يظهر ظلّه، ذلك الغريب الذي يراقبه منذ أيام، منذ أن قرّر أن الحياة مجرّد غفوة بين اليأس والملل، فيسأله بخوف: "مَن أنت؟"

انعكاسه يردّ: "أنت... لكن حين ترفض نعمة العيش."

يصمت، فيكمل الظلّ بصوتٍ كالرعد: "أتدري كم قلبًا توقّف اليوم وهو يحلم بأن يملك دقيقة من وقتك الضائع؟ كم عينًا تمنت أن ترى ما تراه أنت، ثم تُغمضها الدماء؟"

وبنبرةٍ حادّة، منبّهًا إيّاه: "استيقظ قبل أن تتحوّل النعم إلى حجارة على صدرك، وقبل أن تدرك أن اللا معنى خاصّتك لم يكن إلا وهمًا صنعته أنت وفات أوانه، بينما المعنى كان يناديك طوال الوقت."

تدمع عيناه فجأة، كأنّما الظلّ فتح نافذةً في جدارٍ كان يحبس فيه روحه، يسمع همسًا داخليًا: "الهدف لم يغب، أنت من أغمض عينيه." فيهزّ رأسه، ويخرج من غرفته مسرعًا كمن يخاف أن يفوته القطار، فيجد كوب الشاي على المائدة ما زال دافئًا، وصوت أمه بجانبه، نعمة لا تُحصى، تُخبره قائلة: "بُنيّ، غداء اليوم هو طبقك المفضّل."

في تلك اللحظة، يكتشف أنه كان يبحث عن المعنى في كلّ مكان إلا حيث وُضِع له منذ البداية: حيث محيطه، ونعمه، وحياته هو، لا غيره.

النعمة بين عطاء الشكر وجحود النكران

في دوّامة الحياة، تُسلب النعم من بين أيدينا ونحن غارقون في غفلةٍ مركّبة، بين رفضٍ متعجرف، وجحودٍ مستكبر، وقلّةِ رضًا تفقدنا بركة ما نملك، فنرمي النعم وراء ظهورنا كأنها أعباء، حتى إذا فارقتنا، التفتنا إليها بلهفة الظمآن إلى قطرة ماء. فيا ليت اللقمة التي أهدرناها بطرًا تعود إلينا، ويا ليت العطش يعلّمنا قيمة النبع الذي كنّا نغوص فيه.

وفي هذا السياق، يبرز قول أمير المؤمنين (عليه السلام) نورًا يضيء طريق الشاكرين:

"إذا وصلت إليكم أطراف النِّعَم، فلا تنفّروا أقصاها بقلّة الشكر"، مبينًا أنّ الشكر ليس مجرّد كلمات تُقال، بل هو عهدٌ بين العبد وربّه، يحفظ به نعيم الدنيا، ويستجلب به مزيد الفضل. فالله عزّ وجلّ قد تكفّل برزق كلّ مخلوق، لكن الزيادة والبركة تُمنحان لمن أدرك لسان الامتنان، فجعل قلبه مرآةً تعكس عظمة المُنعِم.

وهنا يأتي البيان الإلهي ليرسي قاعدةً ذهبية بقوله تعالى:

﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾

فالشكر مفتاح الزيادة، والنكران سبيل الزوال. حتى الجماد، والحيوان، والنبات يشكر خالقَه بلغته الخاصّة، فكيف بالإنسان، وهو سيّد المخلوقات؟

ولطالما كانت الحكمة الإلهية تختبر العباد بالنِّعَم؛ فتزيدها ليروا صدقهم، أو تسلبها ليدركوا تقصيرهم. فما أقسى لحظة اليقظة حين تتبخّر النعمة ويُفتح الباب للندم على نعمٍ لا تُعد، وحمدٍ لا ينقطع.

فكم ردّ الله عنّا شرّ حاسدٍ غارقٍ في حسرته، وكم جنّبنا أهوالًا تهزّ القلوب رعبًا، فنحن في أمانٍ بينما غيرنا محاصر بالخوف، وفي صحّةٍ بينما آخرون يُقاسون آلام السقم، وأحرارٌ بينما يُكبّل المظلومون بقيود السجون، وفي سكينةٍ بينما تنهش أراضٍ أخرى بنيران الحروب.

وكلّ هذا الفضل، ليس بفضلنا، بل هو عطاء من ربٍّ كريم، فكيف لا نسبّح بحمده؟ وكيف لا نسجد شكرًا على نعمة صوت أمٍّ حانية، أو دفء بيتٍ آمن، أو رغيف خبزٍ يُشبع جوعًا؟ فالشكر ليس ردّ فعلٍ عابرًا، بل هو فلسفة حياة، هو أن ترى يد الله في كل شيء، أن تعيش اللحظة بقلبٍ ممتلئ باليقين.

وفيما أكتب أنا هذه الحروف، أسمع صوت أمّي الشجيّ يُطربني بشكر الله، وهي في الحقيقة نعمتي التي ميّزتها في لحظتي هذه، فكثير قد غاب عنهم صوت "جِنانهم"، وأنا أنعم بدفء جنتي.

هي كلمات كتبتُها بلا هدف، فكلٌّ منّا يحمل هدفًا مختلفًا، ولكنّنا نجتمع بذات المعنى جميعًا:

"مَن لم يشكر النعمة، فقد عرضها للزوال".

فالحمد لله حمدًا يليق به، وشكرًا لا انقطاع له، مناجيةً إيّاه بما ناجى به الإمام زين العابدين (عليه السلام) وأقول:

"فكيف لي بتحصيل الشكر، وشكري إياك يفتقر إلى شكر."

القرآن
الايمان
التفكير
الحياة
الانسان
الشكر
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    الخميس 30 تموز 2026/
    فلسفة الرفق بالنفس في مواسم الانطفاء والفتور

    فلسفة الرفق بالنفس في مواسم الانطفاء والفتور

    السبت 25 تموز 2026/
    الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

    الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

    الأثنين 20 تموز 2026/
    حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

    حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

    الخميس 16 تموز 2026/
    من دروس الطف: هيهات منا الذلة

    من دروس الطف: هيهات منا الذلة

    السبت 04 تموز 2026/
    هل تحرمنا التكنولوجيا من متعة الذكريات المشوهة؟

    هل تحرمنا التكنولوجيا من متعة الذكريات المشوهة؟

    الأثنين 15 حزيران 2026/

    آخر الاضافات

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني

    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت

    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟

    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين

    الأربعين موسم للتغيير وبناء الإنسان

    زيارة الأربعين: من استذكار الشهادة إلى تجديد العهد

    الغرض الحقيقي من إدارة الوقت

    تراجع جودة الهواء.. كيف يؤثر التلوث على صحة الإنسان ومتى يصبح الخروج إلى الخارج خطراً؟

    آخر القراءات

    ماهي أسباب سقوط قوم عاد؟

    النشر : الخميس 06 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    المرأة وجدلية خوضها المضمار السياسي

    النشر : الأربعاء 23 آب 2017
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    السيدة الزهراء.. انموذج رائع للحياة كريمة خالية من المشاكل

    النشر : الأحد 22 كانون الأول 2024
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    تربية الأطفال..بين القول والفعل

    النشر : الأربعاء 13 كانون الأول 2017
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    مسجد السيدة الزهراء.. بين الموالاة والبراءة

    النشر : السبت 23 تشرين الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    قصة عشق.. ليت الذي كان لم يكن

    النشر : الأربعاء 15 آذار 2017
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 457 مشاهدات

    التربية في مدرسة النبي محمد

    • 339 مشاهدات

    نذر على الطريق.... لكل خطوة حكاية عطاء

    • 321 مشاهدات

    دراسة: حقن إنقاص الوزن قد ترتبط بزيادة خطر تساقط الشعر

    • 305 مشاهدات

    كرامات لا تنتهي.... لأبي الفضل العباس

    • 305 مشاهدات

    الرأس الشريف بين الكوفة والركب الحسيني

    • 302 مشاهدات

    الأسرة وادارة الأزمات .. الأسرة الحسينية نموذجا

    • 1131 مشاهدات

    نِداء اليقين

    • 1077 مشاهدات

    نهجُ السجّاد: منارُ الثبات وميثاقُ الإنسانية

    • 921 مشاهدات

    الخير كله بخدمة الحسين.. حصاد برنامج شهر محرم في حسينة الامام الحسن

    • 870 مشاهدات

    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    • 792 مشاهدات

    صدى الكبدِ المقطّعة: مأساةُ السبطِ في طشتِ الغدر

    • 640 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني
    • منذ 18 ساعة
    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت
    • منذ 18 ساعة
    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟
    • منذ 18 ساعة
    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين
    • منذ 18 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة