• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

بذلٌ وعطاء.. السيدة أم البنين أنموذجاً خالداً

هدى المفرجي / السبت 06 كانون الأول 2025 / تربية / 732
شارك الموضوع :

ولم يكن بذلها مقتصراً على العاطفة، بل تجسد في أعظم مشروع إنساني وهو التربية، فلقد صاغت من أبنائها الأربعة رجالاً أشاوس

هناك في أعماق الروح لحظات صامتة، كأنها أنفاس قادمة من عالم آخر، لحظات لا تُسمع فيها إلا همسات القلب ونبضات الضمير، في هذه اللحظات القدسية، تُطل علينا شرفة الروح، وتهمس في أذن وجداننا: "اقبل.. إنهُ موعد البذل".

إنه النداء الخفي الذي ينتشلنا من ضجر الذات وضيق الأنانية، ليرفعنا إلى فضاءات العطاء الواسعة، فالبذل ليس مجرد كلمة تتهادى على الشفاه، بل هو لغة خاصة تُترجم بأفعال تشبه المعجزات، إنه السر الذي يحول الحياة من وجود مادي إلى قصيدة من نور، تُضيء لصاحبها طريق الخلود، وفي ساحة البذل هذه حيث تتصارع الأنفس بين الشح والعطاء، تبرز لنا قامة شامخة، امرأة جعلت من حياتها كلها وقفاً على الحب والإيمان، امرأة سمت ببذلها ليكون ترنيمة يرددها الأجيال، إنها السيدة أم البنين فاطمة بنت حزام (عليها السلام)، النموذج الذي حول لحظة الهمس إلى ملحمة عطاء تتحدث عنها القرون، كالشمس في كبد السماء، تُضيء الدجى، وترشد السالكين، وتذكر العالم بأن العطاء ليس فعلاً عابراً، بل هو جوهر الوجود وسر الخلود.

بذل في الحب.. يتجاوز الذات

لم تكن أم البنين مجرد زوجة للإمام علي (عليه السلام)، ولم تكن فقط أماً للأبطال الأربعة، بل كانت مدرسة كاملة في التجرد والعطاء، روحاً سخية وهبت نفسها كلها في سبيل مبادئها وقيمها، وإن أعظم أنواع البذل هو أن تبذل مشاعرك، أن تتصاغر أنانيتك في محراب الحب الإلهي والإنساني، فلقد دخلت أم البنين الدار وهي تعلم من ستكون أماً لهم، فلم تحمل في قلبها إلا الحب والوفاء، لم تُفرق بين ولد وولد، بل ربت الحسن والحسين (عليهما السلام) بقلب الأم الحنون، ورعتهما بعينها التي لم تنم، فكانا بالنسبة لها أعز من بصرها وروحها، لقد جسدت مفهوم البذل العاطفي بأسمى معانيه، إنه بذل ينطلق من إيمان عميق، وقلب متسع كالبحر لا يعرف حقداً ولا ضغينة.

ولم يكن بذلها مقتصراً على العاطفة، بل تجسد في أعظم مشروع إنساني وهو التربية، فلقد صاغت من أبنائها الأربعة رجالاً أشاوس، صمدوا في أعتى المحن، وترسخت في قلوبهم مبادئ الولاء والحق منذ نعومة أظفارهم، علمتهم أن الشهادة في سبيل الحق ليست مصيبة، بل هي قمة العز والكرامة، لم تربي فيهم حب الدنيا وزخرفها، بل ربت في صدورهم همة تعلو على الجبال، وإيماناً يثقب السماء، فجاءوا كما أرادت، وكما أراد الله ورسوله، خير سند للإمام الحسين (عليه السلام) في يوم الطف.

بذل في الصبر.. نسيج من نور ودموع

لقد وصلت ذروة البذل في ذلك اليوم، يوم كربلاء، اليوم الذي اجتمعت فيه كل أنواع العطاء في شخصها، لقد قدمت أربعة من أبنائها قرابين في سبيل الدين، واحداً تلو الآخر، حتى لم يبق منهم أحد، فأي قلب يتحمل نبأ استشهاد فلذات أكبادها الأربعة في ساحة واحدة؟

لكن العظمة هنا لم تكن فقط في التضحية بالأبناء، بل في سمو الروح وعلو الهمة، فالروايات التاريخية تؤكد أن أول سؤال سألته عندما وصلها خبر استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) كان: "كيف أصبح ابني الحسين؟" لقد جعلت مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) فوق مصيبتها، وغمها بفقد أولادها تحت غمها بفقد سبط الرسول (صلى الله عليه وآله)، إنه بذل يتجاوز المألوف، نالت به ذلك المقام الرفيع عند الله، فلم تبكِ على أبنائها أمام الناس، بل حفظت دمعة العين لتفجرها في الصلاة والمناجاة، كانت دموعها سراً بينها وبين ربها، أما في العلن، فكانت صابرة محتسبة، تروي مصيبة كربلاء للأطفال والنساء، لتبقى القضية حية، والدمعة جارية.

فالسلام على تلك الروح العظيمة التي ترسل لنا رسالة عبر الأزمان في معاني العطاء والقلب الباحث عن الخلود، وسيرتها ليست مجرد صفحات من الماضي نقرأها بدمع متحجر، بل هي منهج حياة نعيشه بأنفاسنا في زمن طغت فيه المادة وتفشت الأنانية، تأتي هذه السيرة العطرة لتعلمنا في هذا الزمن الصاخب، حيث تتصارع الأصوات ويتزاحم البشر، والقلوب تزداد وحشة، حيث أصبحت فيه "الأنا" هي البطل، فيصدح فعلها من عمق التاريخ ليصدمنا بسؤال وجودي:

أين أنت من البذل؟

ليس بذل المال فحسب، بل بذل المشاعر الذي أصبح أغلى من الماس، بذل كلمة طيبة في وجه أخٍ حزين، بذل ساعة من وقتك لصديق يحتاج لأذن تسمعه، بذل غض الطرف عن زلة، بذل شكر لمن يستحق، بذل صبر على من نحب، انظر حولك أمك التي تنتظر اتصالك، زوجتك التي تتوق إلى كلمة تقدير، صديقك الذي يخفي هموما، أبوك الذي يعطي دون أن يتكلم، جارك الذي قد يكون في أمس الحاجة لصحبة، كل هذا يسألك عن البذل، فزماننا ليس معركة في أرض، بل معركة في كل قلب، معركة بين أنانية تهمس لك: "احفظ نفسك لنفسك"، وروح العطاء التي تناديك: "أنت جزء من كُلٍ أكبر"، فالبذل الحقيقي ليس أن تعطي ما فاض عنك، بل أن تعطي ما هو جزء منك، أن تعطي من وقتك، من مشاعرك، من اهتمامك، من حضورك، ولا تنتظر حتى تصبح غنياً كي تبذل، فأغنى الناس قلوباً هم الأكثر عطاء، ويمكنك أن تبدأ من حيث أنت:

· ابتسم.. فهذا بذل

· استمع.. فهذا عطاء

· سامح.. فهذه حرية

· اشكر.. فهذا اعتراف بالجميل.

لتكن حياتك قصيدة عطاء كما كانت حياة السيدة أم البنين (عليها السلام)، ففي النهاية لن يُسأل الإنسان كم جمع، بل كم أعطى، لن يُسأل عن مكانته بين الناس، بل عن قلبه بينهم، إنها تخبر قلبك أن لا تدع قسوة العالم تقسيك، لا تدع خيبات الأمس تمنعك عن عطاء اليوم، ابذل لأن في العطاء حياة أخرى للقلب، ومساحة من النقاء لا تصل إليها أنانية العالمين، ابذل فالعطاء هو أجمل لغات الوجود، وأصدق تعبير عن أنك حي.

كربلاء
اهل البيت
التربية
السلوك
ام البنين
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    منذ 21 ساعة/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/
    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/
    حسن الخلق في ميزان القيامة

    حسن الخلق في ميزان القيامة

    الخميس 03 ايلول 2026/
    الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

    الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

    الأحد 30 آب 2026/
    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    الثلاثاء 25 آب 2026/

    آخر الاضافات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    كيف يتحقق السلام الداخلي؟

    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض

    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟

    ظاهرة المؤثرين: تحليل للدور الحقيقي والتأثير على المجتمع

    الكمأة.. ثروة طبيعية تجمع بين القيمة الغذائية والفخامة

    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك

    الإدارة والقيادة الذاتية وأثرهما في حياة الفرد

    آخر القراءات

    مِحرابُ الشَّهادةِ وَيُتْمُ العَدالة: قراءةٌ في كَونِيَّةِ الرَّحيلِ العَلَويّ

    النشر : الثلاثاء 10 آذار 2026
    اخر قراءة : منذ 45 دقيقة

    الرؤية الاستراتيجية للتنمية الاجتماعية في "نهج البلاغة"

    النشر : الأربعاء 26 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 45 دقيقة

    الاحتيال المالي يتفاقم.. هل تستطيع البنوك الصمود بمفردها؟

    النشر : الأحد 22 كانون الأول 2024
    اخر قراءة : منذ 46 دقيقة

    ظواهر.. الثقافة الحيوانية

    النشر : الثلاثاء 13 حزيران 2023
    اخر قراءة : منذ 46 دقيقة

    قوم عاد والحضارة المفقودة

    النشر : الأحد 02 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 46 دقيقة

    طريقة الشحن وواق الشاشة.. تعرَّف على كيفية حماية هاتفك الذكي من التلف

    النشر : الثلاثاء 18 تموز 2017
    اخر قراءة : منذ 46 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    في رحاب اسم الله الهادي

    • 330 مشاهدات

    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح

    • 326 مشاهدات

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    • 317 مشاهدات

    حين تتحول رياضة الأطفال من وسيلة للمتعة إلى مصدر للضغط والقلق

    • 314 مشاهدات

    طرق بسيطة لتخفيف حرقة المعدة في المنزل وتجنب تكرارها

    • 303 مشاهدات

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    • 301 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1136 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1104 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1044 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 987 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 750 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 656 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات
    • منذ 21 ساعة
    كيف يتحقق السلام الداخلي؟
    • منذ 21 ساعة
    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض
    • منذ 21 ساعة
    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟
    • الأربعاء 16 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة