القرآن الكريم هو المعجزة الربانية الخالدة، وحبل الله المتين المتصل بين الأرض والسماء، ذلك الكتاب العظيم الذي لا يُذكر فيه سوى الشخصيات العظيمة الخالدة، والذي جعله الله سبيلاً لنجاة الإنسان، ذلك الكتاب الذي قال عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في منهاج الثقلين: «إني تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض»(1).
والزهراء (عليها السلام) هي المحور الأساس لهذا المنهج، فهي التي تلقت العلوم القرآنية في منزل مهبط الوحي، وأمضت كل حياتها متنقلة بين مدينة العلم وبابها، فكيف لا تكون نهجاً وعقيدةً في القرآن الكريم؟!
فهي كوثر القرآن وليلة قدره، وهي مباهلته، وهي قلب آية التطهير وآية المودة والشهادة وآية النور. هناك آيات كثيرة في كتاب الله المجيد تدل على نهجها وعقيدتها بالله، فكل كلمة في القرآن تحمل بين طياتها ألف معنى، فالزهراء (عليها السلام) هي سر الوجود، هي القدر ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾(2)، هي من اشتُق اسمها من فاطر السماوات والأرض، فاطمة التي فُطم الناس عن معرفتها(3).
ومن أشهر تلك الآيات آية النذر والإنفاق من سورة الإنسان، التي تعبر عن نهجها في الزهد والإيثار، وكذلك الثبات والصبر على مرارة الجوع، والأعظم صبراً أنها تُصبِّر الحسنين على ذلك كله، من أجل ابتغاء وجه الله بشكل مخلص: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾.
فأغلب المفسرين بيّنوا في الروايات أن أهل البيت (عليهم السلام) قد أعطوا طعامهم للمحرومين والمعوزين مع شدة احتياجهم إليه، وقد قيل: لثلاث ليالٍ متوالية(4).
إن هذا المنهج ليس منحصراً بالإطعام فقط، فقد كانت تسعى إلى تعليم النساء تفاسير القرآن وأحكامه، فتحوّل بيتها إلى أول مدرسة نسائية في الإسلام(5).
فكان نهجها وقصد نيتها في كل عمل تقوم به هو رضا الله وحده، حيث قالت (عليها السلام): «حُبِّب إليَّ من دنياكم ثلاث: تلاوة كتاب الله، والنظر في وجه رسول الله، والإنفاق في سبيل الله»(6).
ولعل من ثمار شغفها بتلاوة القرآن أنه قد قيل إن خادمتها فضة كانت حافظة له، ولمدة عشرين سنة لم تتكلم إلا به، حتى رُوي أنه عندما سألها أحدهم: من أنتِ؟ قالت: ﴿وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾(7، 8).
كما أن خطبتها الفدكية، التي ألقتها على مسامع الناس، كانت عبارة عن خطاب قرآني عكس بشكل واضح عمق عقيدتها ونهجها في الحياة، وخاصة عقيدة التوحيد، ونهج الدفاع عن أحكام القرآن التي بيّنها أبوها، ولا سيما أحكام الإرث، والدفاع عن الإمامة، ونهج الصدق والوفاء بالعهد، وكذلك نهج الشكر والثناء على الله.
فعلى الرغم من تقرّح فؤادها نتيجة أفعال القوم بعد وفاة أبيها، فإنها ابتدأت خطبتها المشهورة بالشكر والثناء على الله، والتذكير بأصول الدين وفروعه، حيث تضمنت الخطبة آيات قرآنية استشهدت بها عن كل ما مرّ بها، وكانت أغلب الآيات التي وظّفتها هي آيات ترهيب للقوم لإنكارهم عموم القرآن وعدم تطبيقهم أحكامه(9).
فكانت (عليها السلام) تتكلم بالقرآن وتتحدث بمعانيه حتى أصبح جزءاً من شخصيتها وفكرها، وبالمقابل تكلّم القرآن عنها، وضمّنها بين آياته، وأشار إليها في أكثر من آية.
قوله تعالى في سورة النور، الآية (35):
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
فقال الإمام الصادق (عليه السلام) في التفسير:
«عن صالح بن سهل الهمداني قال: سمعت أبا عبد الله يقول في قول الله: الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة، المشكاة فاطمة، فيها مصباح، الحسن، المصباح الحسين، في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري، كأن فاطمة كوكب دري بين نساء أهل الدنيا ونساء أهل الجنة، يوقد من شجرة مباركة، يوقد من إبراهيم، لا شرقية ولا غربية، لا يهودية ولا نصرانية، يكاد زيتها يضيء، يكاد العلم ينفجر منها، ولو لم تمسسه نار، نور على نور، إمام منها بعد إمام، يهدي الله لنوره من يشاء، يهدي الله للأئمة من يشاء، ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم»(10).


اضافةتعليق
التعليقات