• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

حين يصنع الصبر أجيالًا

دلال العكيلي / الأثنين 28 تشرين الاول 2024 / تربية / 1984
شارك الموضوع :

قد لا تُكتب قصص هؤلاء النساء في الكتب، وقد لا يُروى عنهن في المجالس، لكن أفعالهن تظل محفورة في قلوب من عاشوا حولهن

قبل عشرين عامًا تقريبًا، كنت أسمع بعض القصص عن صبر النساء على مصاعب الحياة وهمومها في حين كان اعتقادي أن كلّ النساء سعيدات وقويات، مستندًة إلى ما رأيته من تصرفاتهن، وكيف كانت الأم تهتم وترعى الأطفال وتغمرهم بالحب والسعادة دون أن يظهر عليها أيّ أثر للحزن أو التعب.

من بين تلك الشخصيات التي حفرت بصمتها في ذاكرتي، صديقة والدتي، كانت تلك السيدة تجسد القوة الحقيقية، إذ تدير شؤون منزلها ببراعة ودون أن تشكو، وربت خمسة أطفال على أكمل وجه حتى كبروا ليصبحوا أفرادًا ناجحين في حياتهم؛ فمنهم المعلم، والمهندس، والضابط، ويمتلكون خلقًا وثقافة عالية، كلّ ذلك بفضل إصرارها وتفانيها الذي لم يخذلهم يومًا.

هذه المرأة البسيطة، التي لم تكمل تعليمها، أسهمت في بناء عائلة ناجحة، وكانت نموذجًا للمرأة الصابرة المعطاءة لكنها لم تكن الوحيدة في مجتمعنا؛ بل هناك الكثير مثلها، وربّما نساء أكثر عطاءً منها، وما عرفته بعد مرور عقدين أن تلك السيدة كانت تتحمل معاناة شديدة بسبب قسوة زوجها وجحوده رغم كلّ ما واجهته، لم تُظهر معاناتها، وكانت السند والداعم لزوجها وقت الحاجة.

تحلت بالصبر والأخلاق الحسنة، ولم تدع سوء معاملة زوجها ينعكس على تربيتها لأبنائها، كانت تسعى دائمًا لإرضائه على أمل إصلاحه وإكمال ما بدأت به في بناء عائلتها، ورغم معرفتها بكلّ ما يجري، لم تدخل في جدال معه ولم تخبر صديقاتها عن معاناتها، مما جعل البعض يتساءل عن سبب صمتها وعدم اتخاذ موقفًا حاسمًا منه إذ كان معروفًا بسلوكياته السيئة عند المقربين منهما.

مع مرور السنين، كبر الأبناء وأصبحوا ناجحين في حياتهم، بينما بدأ الزوج يلاحظ، متأخرًا، أنه لم يعرف أبنائه حقًا، ولم يشارك في تربيتهم شعر بالغربة عنهم، غير مدرك لأحلامهم أو تطلعاتهم، وبادر زوجته بالعتاب لكن ردها جاء مفاجئًا: "لم أترك الأبواب مشرعة اعتباطًا، بل حاولت جاهدة أن أحتويك وأعيدك إلينا، لكن عندما أدركت أن محاولاتي معك مضيعة للوقت، ركزت كلّ اهتمامي على أولادنا كنت أعلم أن الاستمرار في الجدال معك سيستنزف طاقتي، وسيتفكك بيتنا لذلك اخترت أن أكون الأم والأب في آن واحد، فكنت لهم الأب الذي رسموه في مخيلتهم، أحبك أبناؤك دون جهد منك، بعد كلّ هذه السنين أفقت!".

لم يعتقد يومًا أن يكون هذا ردها، غرق في مراجعة نفسه أيامًا وفي آخر الأمر أدرك خطأه.

بادر الزوج في النهاية إلى تعويض زوجته عن تقصيره تجاهها، وضمّ أطفاله الذين كبروا، لأنه بحاجة إلى حبهم واهتمامهم، وَجدهم كما كانت تحلم الأم، متماسكين وناجحين، فزاد إحساسه بالذنب تجاه تلك السيدة التي زرعت حبّ والدهم في قلوبهم ولم تدع الفراغ الذي تركه يؤثر عليهم، أدرك كم كانت تلك السيدة عظيمة بحكمتها، مستمدة قوتها وصبرها من الله، فهي طالما دعت الله أن يمنحها الصبر والتوفيق لتربي أطفالًا صالحين، وقد تحقق ما كانت ترجو.

بعد سنوات، تابعتُ أخبار هذه السيدة وتساءلت عن حالها علمت أن الزوج قبل أن يفارق الحياة وفي آخر أيامه، قد منحها كلّ ثروته كنوع من التكفير عن تقصيره أما الأبناء، فقد تزوجوا وأصبحوا ناجحين في حياتهم.

في ظل هذه التضحيات التي قدمتها تلك السيدة، بدأت أتساءل عن قوة الإيمان الذي حوّل امرأة بسيطة إلى أعمدة تستند عليها أسرة كاملة لم يكن لديها ما تتكئ عليه سوى توكّلها على الله وحبها لأبنائها، صبرها لم يكن ضعفًا بل كان قمة القوة، إذ إنها اختارت أن تصنع حياة أفضل لأبنائها بعيدًا عن الصراعات التي كان يمكن أن تمزق أسرتها.

عاشت هذه السيدة حياة مليئة بالصبر والإخلاص، ووضعت حياتها وأحلامها جانبًا لترعى بذورًا زرعتها بحبّ وتفانٍ حتى أينعت وأثمرت عائلات صالحة، لم تكن تتوقع من الحياة أن تكون عادلة معها، لكن إيمانها العميق جعلها تتحمل أعباءها دون كلل، كان زوجها في البداية عاجزًا عن رؤية تلك العظمة، لكن عندما استفاقت بصيرته، أدرك الثروة الحقيقية التي أهملها طوال حياته، سيدة صنعت من نفسها ومن بيتها مدرسة في الصبر والتحمل.

اليوم، وفي ظل التحديات التي تواجه العديد من الأسر، كم من امرأة تستطيع أن تتخذ قرارًا كهذا؟ أن تتجرد من ذاتها وتضع مستقبل أولادها فوق كلّ اعتبار؟ كم من امرأة تستطيع أن تثق بالله ثقة كاملة، وتعلم أن الودائع التي تُوضع في يدي الله لا تضيع أبدًا.

قد لا تُكتب قصص هؤلاء النساء في الكتب، وقد لا يُروى عنهن في المجالس، لكن أفعالهن تظل محفورة في قلوب من عاشوا حولهن، أولادها وعائلاتهم اليوم هم الشهادة الحية على أنها نجحت في رسالتها لقد حملت هذه السيدة أمانةً عظيمة، وحافظت عليها بإيمان راسخ، وها هي اليوم تجد نفسها قد تركت أثرًا لا يزول.

النجاح
الايمان
قصة
الصبر
الأبناء
الأم
الأسرة
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    الامام الحسين.. أول دروسهم والمجلس أول مدرسة

    الامام الحسين.. أول دروسهم والمجلس أول مدرسة

    الأربعاء 23 تموز 2025/
    الآباء والتكنولوجيا: كيف نعيد التوازن في تربية الجيل الرقمي؟

    الآباء والتكنولوجيا: كيف نعيد التوازن في تربية الجيل الرقمي؟

    الأربعاء 16 تموز 2025/
    مسؤولية مبكرة ونضج مفاجئ

    مسؤولية مبكرة ونضج مفاجئ

    الأثنين 20 كانون الثاني 2025/
    مجسم البومة والثروة: تجارة الوهم التي تهدد وعي المجتمع العراقي

    مجسم البومة والثروة: تجارة الوهم التي تهدد وعي المجتمع العراقي

    الأحد 01 كانون الأول 2024/
    كيف يمكن للخنفساء أن تركض مع الخيل؟

    كيف يمكن للخنفساء أن تركض مع الخيل؟

    الخميس 31 تشرين الاول 2024/
    انتفاخ الذات: بين الثقة والتعالي.. كيف نواجه تحديات الأنا؟

    انتفاخ الذات: بين الثقة والتعالي.. كيف نواجه تحديات الأنا؟

    الأثنين 21 تشرين الاول 2024/

    آخر الاضافات

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني

    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت

    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟

    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين

    الأربعين موسم للتغيير وبناء الإنسان

    زيارة الأربعين: من استذكار الشهادة إلى تجديد العهد

    الغرض الحقيقي من إدارة الوقت

    تراجع جودة الهواء.. كيف يؤثر التلوث على صحة الإنسان ومتى يصبح الخروج إلى الخارج خطراً؟

    آخر القراءات

    ماهي أسباب سقوط قوم عاد؟

    النشر : الخميس 06 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    المرأة وجدلية خوضها المضمار السياسي

    النشر : الأربعاء 23 آب 2017
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    السيدة الزهراء.. انموذج رائع للحياة كريمة خالية من المشاكل

    النشر : الأحد 22 كانون الأول 2024
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    تربية الأطفال..بين القول والفعل

    النشر : الأربعاء 13 كانون الأول 2017
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    مسجد السيدة الزهراء.. بين الموالاة والبراءة

    النشر : السبت 23 تشرين الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    قصة عشق.. ليت الذي كان لم يكن

    النشر : الأربعاء 15 آذار 2017
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 457 مشاهدات

    التربية في مدرسة النبي محمد

    • 339 مشاهدات

    نذر على الطريق.... لكل خطوة حكاية عطاء

    • 321 مشاهدات

    دراسة: حقن إنقاص الوزن قد ترتبط بزيادة خطر تساقط الشعر

    • 305 مشاهدات

    كرامات لا تنتهي.... لأبي الفضل العباس

    • 305 مشاهدات

    الرأس الشريف بين الكوفة والركب الحسيني

    • 302 مشاهدات

    الأسرة وادارة الأزمات .. الأسرة الحسينية نموذجا

    • 1131 مشاهدات

    نِداء اليقين

    • 1077 مشاهدات

    نهجُ السجّاد: منارُ الثبات وميثاقُ الإنسانية

    • 921 مشاهدات

    الخير كله بخدمة الحسين.. حصاد برنامج شهر محرم في حسينة الامام الحسن

    • 870 مشاهدات

    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    • 792 مشاهدات

    صدى الكبدِ المقطّعة: مأساةُ السبطِ في طشتِ الغدر

    • 640 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني
    • منذ 18 ساعة
    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت
    • منذ 18 ساعة
    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟
    • منذ 18 ساعة
    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين
    • منذ 18 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة