• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

من دوّامة "العين بالعين" إلى آفاق "والعافين عن الناس"

هدى المفرجي / الأحد 16 تشرين الثاني 2025 / تربية / 771
شارك الموضوع :

في دوّامة حياتنا اليومية، كم منّا يتحوّل إلى قنبلة موقوتة لأتفه الأسباب، وكم من حدثٍ تافهٍ ألهبته نار الغضب

مررنا جميعًا بحدائق آل بيت النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، واستنشقنا عبير أزهار روائعهم، وتعلّقت أنفسنا بحكاياتهم كما تتعلّق الفراشات بالضوء. وفي رحلتنا هذه، كثيرًا ما نتعثّر بحديثٍ هنا أو قصةٍ هناك، فتمدّ لنا يد العون وتنقذنا من اليأس. ومن بين تلك القصص يبرز ذلك المشهد الذي يقطر حكمةً وصبرًا...

حيث يُذكر أنه كان هناك رجل من أعداء الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) يسكن في جواره. كلما رأى الإمام شتمه وآذاه، واستمر هذا الأمر شهورًا طوالاً، والناس يتعجّبون من صبر الإمام وحلمه، حتى إنّ حاشية الإمام قالوا له: "دعنا نقتله"، فنهاهم عن ذلك أشدّ النهي.

وفي يوم من الأيام، ركب الإمام إليه فوجدَه في مزرعته، فجالسه وألان له الحديث، وسأله: "كم غرمتَ في زرعك هذا؟"

أجاب الرجل: "مائة دينار".

فقال له الإمام: "وكم ترجو أن تصيب؟"

قال: "مائتا دينار".

فما كان من الإمام إلا أن أخرج له صرّة فيها ثلاثمائة دينار، وقال: "هذا زرعك على حاله، يرزقك الله فيه ما ترجو".

لم تكن تلك القطع من الذهب مجرّد عطاءٍ مادي، بل كانت دواءً لقلبٍ مريضٍ بالحقد. ومنها انقلب الرجل من عدوٍّ لدود إلى خادمٍ مخلص، وقال معتذرًا: "الله أعلم حيث يجعل رسالاته".

في الحقيقة، إن ما حدث ليس مجرد حِلْمٍ عادي، بل هو محبة تذيب الجبال من جليد، وبحر يستقبل الأوساخ ولا يردّ إلا اللآلئ؛ كيف لا وهو من بيتٍ جعل الله ألسنتهم وأفعالهم رسائلَ لا انقطاع لها؟

في دوّامة حياتنا اليومية، كم منّا يتحوّل إلى قنبلة موقوتة لأتفه الأسباب، وكم من حدثٍ تافهٍ ألهبته نار الغضب فتحوّل إلى عمرٍ من الندم لا يعود، بزلة لسان أو حركة يد تركت أثرًا غائرًا في قلب المتلقّي. فإن لم يكن كلّنا، فأغلبنا قد مرّ بهذه اللحظات. ومن كظم غيظه فيها فقد عرف ركنه الوثيق، واستمسك بحبل الله المتين في قوله تعالى:

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

كظم الغيظ: ليست وصية بل رحلة

كثيرًا ما يغلبنا التساؤل: هذا حديث عن أنبياء وأوصياء، قلوبهم مفعمة بنورٍ لا ندركه، ونفوسهم سمت إلى مقامٍ لا نطيقه. فكيف لنا، ونحن غارقون في هموم الدنيا صغيرِها وكبيرِها، أن نقتفي أثرهم؟

في الحقيقة، إن الجواب يكمن في تلك النظرة التي غيّرت قلب الرجل من عداوةٍ إلى خدمة. إنها نظرة التعاطف التي تسبق العفو. فحين سأل الإمام الكاظم (عليه السلام) ذلك الرجل عن غرمه وربحه، لم يكن يسأل عن الزرع فقط، بل كان يفتح نافذة على هموم ذلك الرجل وأحلامه. رآه إنسانًا له طموحات ومخاوف، لا مجرد رقم في سجل الأعداء.

وهنا بيّن لنا الإمام أنّ العظمة الحقيقية ليست في القوة التي تسحق الآخرين، بل في الرحمة التي ترفعهم إليك. فتخيّلوا معي: ذلك الرجل الذي ملأ أيامه شتمًا وإيذاءً، يقف الآن خجلًا أمام سعة صدرٍ لم تكن من عالمه، أمام قلبٍ اتسع للخلق جميعًا كما تتسع السماء للنجوم. فلم يمنحه الإمام المال فحسب، بل منحه في الحقيقة شيئًا أعظم: درسًا في الإنسانية، وفرصة للخروج من سجن كراهيته.

لقد حوّل عدوّه إلى خادمٍ مخلص، ليس بالسلطان بل بالحكمة والخلق العظيم. وهذه هي المرآة التي نرى فيها أعظم صورنا الممكنة. ففي عالمنا الذي تتحوّل فيه النزاعات التافهة إلى حروب، والكلمة الجارحة إلى قطيعة، نجد أنفسنا أحوج ما نكون إلى هذه اللمسة الكاظمية التي تخرجنا من دوّامة "العين بالعين" إلى آفاق "والعافين عن الناس"، وتذكّرنا أن يدًا امتدّت بالعطاء أقوى من قبضةٍ تكفهرّ بالانتقام.

إنها توقظ فينا ذلك النبل الكامن. فكم من علاقة جميلة مزّقناها لأننا فضّلنا الصراخ على الاستماع، وكم من فرصةٍ للصلح أضعناها لأن كبرياءنا رأت في الاعتذار هزيمة، وكم مرة أصبحنا – دون أن ندري – سجناء غضبنا العاجز!

فذلك الإمام الذي ردّ بالخير بدل الشر، وبالعطاء بدل الانتقام، لم يخسر شيئًا من مكانته، بل ارتفع إلى أعلى المراتب، وبرهن لنا أن الكظم ليس ضعفًا، والعفو ليس انكسارًا، بل هو قوة الروح التي تسبح في فضاءات أرقى من أن تصلها أدران الصغائر.

فهل نعتبر؟ كيف نبدأ رحلتنا؟ ونتوقّف مرةً مع أنفسنا كتلامذة في مدرسة آل البيت (عليهم السلام)، نتعلم أن نقيس قوتنا ليس بقدرتنا على الإيذاء، بل بقدرتنا على الصفح والإحسان؟ فنحن أبناء دين جعل العفو أقرب للتقوى، والإحسان تاجًا للمؤمن.

ألا فلنكن من الذين إذا غضبوا غفروا، وإذا قدروا عفوا. وتصبح أيامنا جوابًا لسؤال: ماذا لو جعلنا هذه البوصلة لرحلتنا؟

ببساطة، سيكون الاتجاه:

· نرى بعينين: قبل أن ينفجر الغضب، نحاول أن نرى الموقف بعين الطرف الآخر؛ ما الذي يدفعه؟ أي خوف يختبئ وراء غضبه؟ وأي جرح يحمله؟ وهذا ما سيجعلنا أقل غضبًا وألطف أسلوبًا.

· نتذوق طعم الجائزة: ليست الجائزة أن يخضع لك الآخرون، بل أن تتحرر أنت من سجن الغضب. الجائزة هي ذلك السلام الداخلي الذي لا يقدَّر بثمن، وهو ما عبّرت عنه الآية الكريمة بخاتمتها: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. فأنت في رحلتك هذه تسعى لحبّ الله.

فليست الوصية أن تكون "ملاكًا" لا يغضب، بل أن تكون "إنسانًا" رحيمًا، يغضب أحيانًا لكنه يمسك بزمام نفسه، لا بزمام الآخرين. لذلك، ابدأ برحلة اليوم الواحد؛ فموقف واحد تعفو فيه عن زلة، أو تتحكم فيه بانفعال، ستجد أن قلبك بدأ يتسع. وسترى بنفسك كيف أن الحلم يصنع من العداوة مودّة، ويحوّل الحجارة إلى حدائق غنّاء.

الاخلاق
اهل البيت
التربية
السلوك
الامام موسى الكاظم
الشخصية
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    منذ 21 ساعة/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/
    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/
    حسن الخلق في ميزان القيامة

    حسن الخلق في ميزان القيامة

    الخميس 03 ايلول 2026/
    الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

    الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

    الأحد 30 آب 2026/
    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    الثلاثاء 25 آب 2026/

    آخر الاضافات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    كيف يتحقق السلام الداخلي؟

    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض

    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟

    ظاهرة المؤثرين: تحليل للدور الحقيقي والتأثير على المجتمع

    الكمأة.. ثروة طبيعية تجمع بين القيمة الغذائية والفخامة

    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك

    الإدارة والقيادة الذاتية وأثرهما في حياة الفرد

    آخر القراءات

    مِحرابُ الشَّهادةِ وَيُتْمُ العَدالة: قراءةٌ في كَونِيَّةِ الرَّحيلِ العَلَويّ

    النشر : الثلاثاء 10 آذار 2026
    اخر قراءة : منذ 47 دقيقة

    الرؤية الاستراتيجية للتنمية الاجتماعية في "نهج البلاغة"

    النشر : الأربعاء 26 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 47 دقيقة

    الاحتيال المالي يتفاقم.. هل تستطيع البنوك الصمود بمفردها؟

    النشر : الأحد 22 كانون الأول 2024
    اخر قراءة : منذ 47 دقيقة

    ظواهر.. الثقافة الحيوانية

    النشر : الثلاثاء 13 حزيران 2023
    اخر قراءة : منذ 47 دقيقة

    قوم عاد والحضارة المفقودة

    النشر : الأحد 02 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 47 دقيقة

    طريقة الشحن وواق الشاشة.. تعرَّف على كيفية حماية هاتفك الذكي من التلف

    النشر : الثلاثاء 18 تموز 2017
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    في رحاب اسم الله الهادي

    • 330 مشاهدات

    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح

    • 326 مشاهدات

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    • 317 مشاهدات

    حين تتحول رياضة الأطفال من وسيلة للمتعة إلى مصدر للضغط والقلق

    • 314 مشاهدات

    طرق بسيطة لتخفيف حرقة المعدة في المنزل وتجنب تكرارها

    • 303 مشاهدات

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    • 301 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1136 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1104 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1044 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 987 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 750 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 656 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات
    • منذ 21 ساعة
    كيف يتحقق السلام الداخلي؟
    • منذ 21 ساعة
    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض
    • منذ 21 ساعة
    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟
    • الأربعاء 16 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة