• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

من دوّامة "العين بالعين" إلى آفاق "والعافين عن الناس"

هدى المفرجي / الأحد 16 تشرين الثاني 2025 / تربية / 708
شارك الموضوع :

في دوّامة حياتنا اليومية، كم منّا يتحوّل إلى قنبلة موقوتة لأتفه الأسباب، وكم من حدثٍ تافهٍ ألهبته نار الغضب

مررنا جميعًا بحدائق آل بيت النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، واستنشقنا عبير أزهار روائعهم، وتعلّقت أنفسنا بحكاياتهم كما تتعلّق الفراشات بالضوء. وفي رحلتنا هذه، كثيرًا ما نتعثّر بحديثٍ هنا أو قصةٍ هناك، فتمدّ لنا يد العون وتنقذنا من اليأس. ومن بين تلك القصص يبرز ذلك المشهد الذي يقطر حكمةً وصبرًا...

حيث يُذكر أنه كان هناك رجل من أعداء الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) يسكن في جواره. كلما رأى الإمام شتمه وآذاه، واستمر هذا الأمر شهورًا طوالاً، والناس يتعجّبون من صبر الإمام وحلمه، حتى إنّ حاشية الإمام قالوا له: "دعنا نقتله"، فنهاهم عن ذلك أشدّ النهي.

وفي يوم من الأيام، ركب الإمام إليه فوجدَه في مزرعته، فجالسه وألان له الحديث، وسأله: "كم غرمتَ في زرعك هذا؟"

أجاب الرجل: "مائة دينار".

فقال له الإمام: "وكم ترجو أن تصيب؟"

قال: "مائتا دينار".

فما كان من الإمام إلا أن أخرج له صرّة فيها ثلاثمائة دينار، وقال: "هذا زرعك على حاله، يرزقك الله فيه ما ترجو".

لم تكن تلك القطع من الذهب مجرّد عطاءٍ مادي، بل كانت دواءً لقلبٍ مريضٍ بالحقد. ومنها انقلب الرجل من عدوٍّ لدود إلى خادمٍ مخلص، وقال معتذرًا: "الله أعلم حيث يجعل رسالاته".

في الحقيقة، إن ما حدث ليس مجرد حِلْمٍ عادي، بل هو محبة تذيب الجبال من جليد، وبحر يستقبل الأوساخ ولا يردّ إلا اللآلئ؛ كيف لا وهو من بيتٍ جعل الله ألسنتهم وأفعالهم رسائلَ لا انقطاع لها؟

في دوّامة حياتنا اليومية، كم منّا يتحوّل إلى قنبلة موقوتة لأتفه الأسباب، وكم من حدثٍ تافهٍ ألهبته نار الغضب فتحوّل إلى عمرٍ من الندم لا يعود، بزلة لسان أو حركة يد تركت أثرًا غائرًا في قلب المتلقّي. فإن لم يكن كلّنا، فأغلبنا قد مرّ بهذه اللحظات. ومن كظم غيظه فيها فقد عرف ركنه الوثيق، واستمسك بحبل الله المتين في قوله تعالى:

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

كظم الغيظ: ليست وصية بل رحلة

كثيرًا ما يغلبنا التساؤل: هذا حديث عن أنبياء وأوصياء، قلوبهم مفعمة بنورٍ لا ندركه، ونفوسهم سمت إلى مقامٍ لا نطيقه. فكيف لنا، ونحن غارقون في هموم الدنيا صغيرِها وكبيرِها، أن نقتفي أثرهم؟

في الحقيقة، إن الجواب يكمن في تلك النظرة التي غيّرت قلب الرجل من عداوةٍ إلى خدمة. إنها نظرة التعاطف التي تسبق العفو. فحين سأل الإمام الكاظم (عليه السلام) ذلك الرجل عن غرمه وربحه، لم يكن يسأل عن الزرع فقط، بل كان يفتح نافذة على هموم ذلك الرجل وأحلامه. رآه إنسانًا له طموحات ومخاوف، لا مجرد رقم في سجل الأعداء.

وهنا بيّن لنا الإمام أنّ العظمة الحقيقية ليست في القوة التي تسحق الآخرين، بل في الرحمة التي ترفعهم إليك. فتخيّلوا معي: ذلك الرجل الذي ملأ أيامه شتمًا وإيذاءً، يقف الآن خجلًا أمام سعة صدرٍ لم تكن من عالمه، أمام قلبٍ اتسع للخلق جميعًا كما تتسع السماء للنجوم. فلم يمنحه الإمام المال فحسب، بل منحه في الحقيقة شيئًا أعظم: درسًا في الإنسانية، وفرصة للخروج من سجن كراهيته.

لقد حوّل عدوّه إلى خادمٍ مخلص، ليس بالسلطان بل بالحكمة والخلق العظيم. وهذه هي المرآة التي نرى فيها أعظم صورنا الممكنة. ففي عالمنا الذي تتحوّل فيه النزاعات التافهة إلى حروب، والكلمة الجارحة إلى قطيعة، نجد أنفسنا أحوج ما نكون إلى هذه اللمسة الكاظمية التي تخرجنا من دوّامة "العين بالعين" إلى آفاق "والعافين عن الناس"، وتذكّرنا أن يدًا امتدّت بالعطاء أقوى من قبضةٍ تكفهرّ بالانتقام.

إنها توقظ فينا ذلك النبل الكامن. فكم من علاقة جميلة مزّقناها لأننا فضّلنا الصراخ على الاستماع، وكم من فرصةٍ للصلح أضعناها لأن كبرياءنا رأت في الاعتذار هزيمة، وكم مرة أصبحنا – دون أن ندري – سجناء غضبنا العاجز!

فذلك الإمام الذي ردّ بالخير بدل الشر، وبالعطاء بدل الانتقام، لم يخسر شيئًا من مكانته، بل ارتفع إلى أعلى المراتب، وبرهن لنا أن الكظم ليس ضعفًا، والعفو ليس انكسارًا، بل هو قوة الروح التي تسبح في فضاءات أرقى من أن تصلها أدران الصغائر.

فهل نعتبر؟ كيف نبدأ رحلتنا؟ ونتوقّف مرةً مع أنفسنا كتلامذة في مدرسة آل البيت (عليهم السلام)، نتعلم أن نقيس قوتنا ليس بقدرتنا على الإيذاء، بل بقدرتنا على الصفح والإحسان؟ فنحن أبناء دين جعل العفو أقرب للتقوى، والإحسان تاجًا للمؤمن.

ألا فلنكن من الذين إذا غضبوا غفروا، وإذا قدروا عفوا. وتصبح أيامنا جوابًا لسؤال: ماذا لو جعلنا هذه البوصلة لرحلتنا؟

ببساطة، سيكون الاتجاه:

· نرى بعينين: قبل أن ينفجر الغضب، نحاول أن نرى الموقف بعين الطرف الآخر؛ ما الذي يدفعه؟ أي خوف يختبئ وراء غضبه؟ وأي جرح يحمله؟ وهذا ما سيجعلنا أقل غضبًا وألطف أسلوبًا.

· نتذوق طعم الجائزة: ليست الجائزة أن يخضع لك الآخرون، بل أن تتحرر أنت من سجن الغضب. الجائزة هي ذلك السلام الداخلي الذي لا يقدَّر بثمن، وهو ما عبّرت عنه الآية الكريمة بخاتمتها: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. فأنت في رحلتك هذه تسعى لحبّ الله.

فليست الوصية أن تكون "ملاكًا" لا يغضب، بل أن تكون "إنسانًا" رحيمًا، يغضب أحيانًا لكنه يمسك بزمام نفسه، لا بزمام الآخرين. لذلك، ابدأ برحلة اليوم الواحد؛ فموقف واحد تعفو فيه عن زلة، أو تتحكم فيه بانفعال، ستجد أن قلبك بدأ يتسع. وسترى بنفسك كيف أن الحلم يصنع من العداوة مودّة، ويحوّل الحجارة إلى حدائق غنّاء.

الاخلاق
اهل البيت
التربية
السلوك
الامام موسى الكاظم
الشخصية
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    الخميس 30 تموز 2026/
    فلسفة الرفق بالنفس في مواسم الانطفاء والفتور

    فلسفة الرفق بالنفس في مواسم الانطفاء والفتور

    السبت 25 تموز 2026/
    الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

    الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

    الأثنين 20 تموز 2026/
    حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

    حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

    الخميس 16 تموز 2026/
    من دروس الطف: هيهات منا الذلة

    من دروس الطف: هيهات منا الذلة

    السبت 04 تموز 2026/
    هل تحرمنا التكنولوجيا من متعة الذكريات المشوهة؟

    هل تحرمنا التكنولوجيا من متعة الذكريات المشوهة؟

    الأثنين 15 حزيران 2026/

    آخر الاضافات

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني

    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت

    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟

    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين

    الأربعين موسم للتغيير وبناء الإنسان

    زيارة الأربعين: من استذكار الشهادة إلى تجديد العهد

    الغرض الحقيقي من إدارة الوقت

    تراجع جودة الهواء.. كيف يؤثر التلوث على صحة الإنسان ومتى يصبح الخروج إلى الخارج خطراً؟

    آخر القراءات

    ماهي أسباب سقوط قوم عاد؟

    النشر : الخميس 06 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 58 دقيقة

    المرأة وجدلية خوضها المضمار السياسي

    النشر : الأربعاء 23 آب 2017
    اخر قراءة : منذ 58 دقيقة

    السيدة الزهراء.. انموذج رائع للحياة كريمة خالية من المشاكل

    النشر : الأحد 22 كانون الأول 2024
    اخر قراءة : منذ 58 دقيقة

    تربية الأطفال..بين القول والفعل

    النشر : الأربعاء 13 كانون الأول 2017
    اخر قراءة : منذ 58 دقيقة

    مسجد السيدة الزهراء.. بين الموالاة والبراءة

    النشر : السبت 23 تشرين الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 58 دقيقة

    قصة عشق.. ليت الذي كان لم يكن

    النشر : الأربعاء 15 آذار 2017
    اخر قراءة : منذ 58 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 457 مشاهدات

    التربية في مدرسة النبي محمد

    • 339 مشاهدات

    نذر على الطريق.... لكل خطوة حكاية عطاء

    • 321 مشاهدات

    دراسة: حقن إنقاص الوزن قد ترتبط بزيادة خطر تساقط الشعر

    • 305 مشاهدات

    كرامات لا تنتهي.... لأبي الفضل العباس

    • 305 مشاهدات

    الرأس الشريف بين الكوفة والركب الحسيني

    • 302 مشاهدات

    الأسرة وادارة الأزمات .. الأسرة الحسينية نموذجا

    • 1131 مشاهدات

    نِداء اليقين

    • 1077 مشاهدات

    نهجُ السجّاد: منارُ الثبات وميثاقُ الإنسانية

    • 921 مشاهدات

    الخير كله بخدمة الحسين.. حصاد برنامج شهر محرم في حسينة الامام الحسن

    • 870 مشاهدات

    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    • 792 مشاهدات

    صدى الكبدِ المقطّعة: مأساةُ السبطِ في طشتِ الغدر

    • 640 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني
    • منذ 18 ساعة
    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت
    • منذ 18 ساعة
    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟
    • منذ 18 ساعة
    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين
    • منذ 18 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة