• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

قدح الزنبق السحري

زينب الاسدي / الخميس 20 آذار 2025 / حقوق / 1907
شارك الموضوع :

بعد تلك الليلة لم يعد الرجل حامل الشوال الملثّم ولم يطرق بابهم أحد، غاب في رحم الأمنيات مثل طيف أثيري

أخذ يهرول متجاوزًا أزقّة الكوفة الرملية والضيّقة حيث خفّت أشعّة الشمس المحرقة بفضل الظلال التي تشكّلت من جدران البيوت المتلاصقة حتى وصل إلى بيته، كان أسامة صبيًّا لم يتجاوز الحادية عشر من العمر له عينان ثاقبتان تبثّان شررًا طفوليّا محببًا مليئًا بالشغب، تجاوز جرّة الخل الكبيرة في مدخل الدار وكاد أن يرتطم بها ثمّ دخل المطبخ وراح يبحث عن شيء ويبعثر كل ما يجد أمامه من أواني نحاسية، وخشبية، وملاعق، وطناجر، وقد أحدث صخبًا عاليًا سمعته زوجة أبيه فجاءت إليه مستغربة نصف غاضبة تعالج خيطًا انفرط من ثوبها وهي تقول: ما بك يا أسامة عن ماذا تبحث؟ 

أجابها وقد غمر رأسه في فجوة بالحائط أُعدّت لتصفيف الأواني:

- أريد قدحًا.. قدحًا جميلًا جدًّا، أحتاج إليه!

 نظرت إليه باستغراب وقطّبت حاجبيها ثمّ سألت: 

- قدح جميل؟! ماذا تفعل به؟

- أريده في حاجة مستعجلة

بحثت المرأة في الأقداح وأخرجت واحدًا خشبيًّا وناولته إيّاه، نظر إليه قليلًا ثم أرجعه معترضًا: 

- لا يا خالتي، أرجوك، أريد ذاك القدح الذي تقدّميه للضيوف المهمّين جدًّا والتي أهدتك إيّاه أم جدّتك، أين تخبّئيه؟ 

- ماذا؟ قدح ماء الزنبق السحري؟! لا أبدًا لن أعطيك إيّاه، اقضِ حاجتك بقدح آخر.

هرع الصبي كالمجنون يقبّل يديها وقدميها وهو يتوسّل بالمرأة، ولمّا لم تُجدِ توسّلاته نفعًا جرى إلى غرفته وجلب من صندوق خشبي قديم كيسًا صوفيًّا محاكًا بإتقان ألقاه عليها قائلًا: إنها قلادة أمّي، خذيها رهينة، حنّت له المرأة وقالت:

- لا عليك يا أسامة، خذه وحاول أن تُرجعه سالمًا في أسرع وقت.

أخذه الصبيّ مسرعًا وعدا نحو الحظيرة، كان القدح الأزرق رائعًا حقًّا، زادته نقوش الزنبق الوردي مظهرًا طبيعيًّا مفعمًا بالحياة حتى تكاد تشعر بعطرها أحيانًا، انحنى أسامة بجوار معزة تحوم حولها صغيرتاها وحاول أن يحلبها ، كانت جالسة ملصقة ضرعها بالأرض فلا يمكن الوصول إليها بسهولة، أخذ يحاول مرارًا حتى قامت من مكانها، ولكن ثغاء الصغيرتين أصابها بالتوتّر ممّا زاد في حركتها وذهاب اللبن من ضرعها بسبب الخوف، بعد لأي استطاع أن يحلب مقدار وجبة واحدة، أخذ الحليب بعناية وسكبه في القدح الذي كانت زوجة أبيه تسميه ب (الزنبق السحري) ثمّ خرج من الحظيرة وقفل راجعًا في نفس الطريق متجاوزًا الأزقّة الملتوية المليئة بالظل، كانت خطواته غير منتظمة بطيئة أحيانًا وسريعة أخرى، يحاول أن ينظر بعينيه الواسعتين إلى الحليب المتحرّك داخل القدح حتى لا ينسكب منه وإذا به فجأة يرتطم بقدح آخر مملوء بالحليب يحمله صديقه معاذ الذي كان يعدو هو الآخر، نظرا إلى بعضيهما بخيبة تعلو ملامحهما فقد انفطر القدح وبدأ الحليب يتقاطر منه شيئًا فشيئًا، صاح معاذ بصوته المتنمّر:

- اضغط بإصبعك على مكان الفطر وامشِ بسرعة كدنا نصل ... حثّا الخطى حتى وصلا إلى بيت أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كان قد تعرّف على طريق البيت عندما تكرّرت زيارات رجل لهم في الليالي المدلهمّة، كان يطرق الباب ملثّما يضع شوالًا مليئًا بالحبوب والطحين وشيئًا من التمر ثمّ يمضي عائدًا، لم ترق هذه الحركة لأسامة المشاغب فقرّر أن يتعقّب هذا الرجل الغامض، ولم يَدَع الأمر حتى اكتشف دخوله إلى بيت علي (عليه السلام) هل يا ترى إنه عليّ؟ كيف فطن باحتياجهم وسوء أحوالهم؟ كيف لقائد الدولة الإسلاميّة بأطرافها المترامية والشاسعة أن يخصّص له ولأبيه المعدم وزوجة أبيه وقتًا يتفقّد به أحوالهم؟ ربّما لم يكن هو؟ لعلّه يرسل أحدًا آخر يسكن معهم في البيت، عبدٌ أو أجير أو جار أوكل إليه الأمر؟ كانت الأفكار تتقاطر في رأسه عندما وصلا وتفاجآ بطابور من الصبية والبنات من أيتام الكوفة يحملون أقداح الحليب ينتظرون خروج أحد من الدار، وقفا بانتظار من يسمح لهما بالدخول فقد كان الطبيب قد نعى عليًا إلى أهل الكوفة ولكنه رأى أن الحليب قد ينفعه قليلًا، احمرّ إصبع أسامة من الضغط، كانت قطرات الحليب تزدحم حول الفطر دون هوادة، ما هي إلا لحظات حتى خرج الحسن (عليه السلام) من باب الدار وقد علت وجهه صفرة تنذر بشتاء قادم، شكر الناس وطلب منهم الانصراف إلى بيوتهم فالطبيب منع التشرّف بلقاء علي (عليه السلام)، علت أصوات الالتماس من الحاضرين وهم يطلبون منه أخذ الحليب على الأقل، في هذه الأثناء طرقت فكرة منطقية رأس أسامة لربما لأوّل مرة في حياته المليئة بالفوضى: ترى هل سيأخذ الحسن (عليه السلام) قدحي من بين كل هذه الأقداح الممدودة إليه؟ رفع رأسه وإذا بعيني الإمام قد تسمّرتا نحوه ينظر إليه بنظرة غريبة اخترقت صفوف الواقفين، وكأنّ الزمن توقّف إجلالًا لهيبة اللحظة، في هذه الأثناء علت أصوات الضجيج من داخل الدار فقد أعلن الناعي وفاة علي (عليه السلام).

كان الوجوم يكسو الوجوه، ضجّ الناس وأصبحوا في هرج ومرج تتّسع عيونهم الذاهلة وتتقاطع فيها الدموع مع نظرات الإنكار من هول الفقد، انطلق النحيب كأمواج متلاطمة، اشتدّ الزحام والتدافع من كل حدب وصوب وفجأة ارتطم أحدهم بأسامة فسقط من يده قدح الزنبق السحري وتناثر إلى أشلاء متبعثرًا بين الأقدام الراكضة ..

بعد تلك الليلة لم يعد الرجل حامل الشوال الملثّم ولم يطرق بابهم أحد، غاب في رحم الأمنيات مثل طيف أثيري، ظهر في خرق من جدار الزمن الأجدب ليحمل الغيم والمطر ثمّ يغيّبه الشتاء ..

الطفل
الامام علي
الحب
قصة
العاطفة
الايتام
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    عطش الغرقى ..

    عطش الغرقى ..

    الأحد 15 حزيران 2025/
    مذهب اللا مبالاة ...الفتاة والضفيرة والمارّة الصامتون

    مذهب اللا مبالاة ...الفتاة والضفيرة والمارّة الصامتون

    السبت 24 آيار 2025/
    جموح التراتيل

    جموح التراتيل

    الأثنين 10 شباط 2025/
    الماء والنوارس

    الماء والنوارس

    الخميس 30 تشرين الثاني 2023/
    نشيج الأرجوان

    نشيج الأرجوان

    الأربعاء 31 آب 2022/
    ضجيج الكرى

    ضجيج الكرى

    الثلاثاء 08 آذار 2022/

    آخر الاضافات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)

    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا

    كيف نتعامل مع الكمالية؟

    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الصاحب ساحب... حين تصنع الصداقة مصير الإنسان

    التعلّم النشط: أساليب تصنع المشاركة والإبداع

    هل تكشف ملامح الوجه عن نقص الحديد في الجسم؟

    آخر القراءات

    الوضع السياسي والاجتماعي للأمة في عصر الامام زين العابدين

    النشر : الأثنين 21 تموز 2025
    اخر قراءة : منذ 43 دقيقة

    هل تفقد الأطعمة قيمتها الغذائية عند التجميد؟

    النشر : الثلاثاء 16 كانون الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 43 دقيقة

    تحمل ضريبة القلة

    النشر : الأربعاء 22 آذار 2023
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    عبد الله الرضيع.. حجة الرباب وأعجوبة الحسين

    النشر : الخميس 02 تموز 2026
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    نساء في متاهات الأربعين

    النشر : الثلاثاء 23 كانون الثاني 2018
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    النشر : الأثنين 14 ايلول 2026
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    من يملك وقتك؟

    • 532 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 492 مشاهدات

    تورّم القدمين وانتفاخ الجسم.. متى يصبح احتباس السوائل مؤشراً للخطر؟

    • 334 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. الشاهد الأول والضحية الأولى لأحداث السقيفة

    • 330 مشاهدات

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    • 329 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. رائدة الثورة وشهيدة الولاية

    • 324 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1573 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1174 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1027 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 801 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 719 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 554 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)
    • منذ 7 ساعة
    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا
    • منذ 7 ساعة
    كيف نتعامل مع الكمالية؟
    • منذ 7 ساعة
    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام
    • منذ 7 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة