• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

نشيج الأرجوان

زينب الاسدي / الأربعاء 31 آب 2022 / ثقافة / 2496
شارك الموضوع :

كانت تفوح في الأرجاء رائحة الياسمين الدمشقيّ القادمة من حدائق المَلِك المجاورة تتخلّلها أحيانًا رائحة أشنع

 الشوكة

وصل الليل ثقيلًا كالكابوس وأنا أتدحرج في خرائب المجهول بعد يوم طويل شاقّ ومضن، كان التعب ينخر أعماقي المتهالكة وثمّة شوك لا يني يخزني في باطن قدمي اليسرى يزيد أوجاعي تراكمًا موحشًا.

كانت تفوح في الأرجاء رائحة الياسمين الدمشقيّ القادمة من حدائق المَلِك المجاورة تتخلّلها أحيانًا رائحة أشنع زهومة من سمك متفسّخ تنبعث من أرض الخربة التي تمّ احتجازنا فيها، تَزكُم الأنف وتَهَب الواقع لمسة كريهة أخرى.

في السماء كانت النجوم تغمز الخليقة غير مكترثة بالزمن العابث بالدمى البشريّة، كانت إحداها تلتمع بإيقاع مختلف، تمنّيت لحظتها أن أُصبح مثلها صغيرة، لامعة تزفّ الضياء للأرواح الذاوية كلّما أطلّت في المساء عبر القرون المتمادية.

تحرّكتُ يمنة ويسرة فَسَرَتْ نفضة مؤلمة لضربة سوط على كتفي تَرَكتْ جرحًا ينتفضُ كلّما يطرُقُ النعاس جفوني.

كان محمّد يتقلّب في الجانب الآخر يتوسّد التراب ويلتحف السماء إلى جانب أخي السجّاد الذي أخَذَتْ منه العلّةُ كلّ مأخذ فلم يتبقَّ منه سوى شبح إنسان يحاول انتشال ذاته المتناثرة في صروف الأيّام.

كانت عينا محمّد مفتوحتين تلتمعان كدرّتين متلألئتين وكأنّه يفكّر بأمر ما، بدا ذلك واضحًا في ملامحه الصغيرة ذات الأربعة أعوام.

أخذتُ أُحصي أصوات الليل المنبعثة من تَدحرُج الحصى إثر تقلّب النائمين، صليل القيود، ضحكات الجنود المجلجلة عند الباب، وأنين لوجع خافت يطفح فوق ذرى الفجيعة.

لاحَظَت عمّتي ارتحال النوم من عيني فجاءَت ووَضَعَتْ رأسي في حضنها فغمرتني موجة هادئة غفوت على إثرها.

عالم النائمين عجيب وغريب وكأنّه باب يفتحه الإله ليهبك النسيمَ في يوم قائظ فيُحيلُ صحاريك القاحلة إلى وديانٍ وسهولٍ ونهرٍ عذب يُطرب خريرُه الأسماع.

رأيتُ في تلك الليلة والدي عائدًا من انفراجات المجهول يتسربل بأثواب من الاستبرق والحرير، مضمّخًا بعطر الجنان، حضنني وعصرني عصرة شعرتُ بضغطها وأنا أستمع لدقّات قلبه المنتظمة، لَمَستُ وجناته الباسمة، مسّدتُ لحيته وأبحرتُ في عينيه فوجدتُ أوكارًا للصقور تُفصح عن شموخ لم أجده في عيون أحد من قبل، رافق ذلك ابتسامةٌ عذبة ورجاءٌ ناعم طفحتْ به الأحاسيس وهو يومئ بإشارة تدعوني إليه.

تصاعَدَتْ أنفاسي واشتدّ النبض في قلبي، تمسّكتُ به بكلّ ما أُوتيتُ من قوّة خوفًا من أن يقرّر السفر مرّة أخرى ويتركني!

غرقتُ في غمرة لذّة غسقيّة طَرَبَتْ لها نفسي، مفادُها أنّه لقاء أبديّ لا فراق بعده، ولكن تلك الشوكة اللعينة نغزتني مرّة أخرى فتبدّد الحلم وطار فجأة كما جاء وانبرى الطيف يتشبّث بتلابيب خواطري المضمحلّة ويغيب في اللامكان، بينما رحتُ ألوذ بالصراخ والبكاء كخيط أمل رفيع علّ أحدهم يعيد لي والدي.

السابلة

وصلنا الشام أخيرًا بعد رحلة موحشة رافقتنا فيها الشياطين قافزة من حولنا ومكشّرة عن أنياب يَعلوها القَلَح تهوي بسياطها علينا لترتشف من آمالنا نسغ التسافل المتمادي.

اجتزنا بوّابة الساعات نجوس الطرقات العارجة الملتوية تطعنُنا العيون كالنصل المسنون وتستقبلنا الزغاريد والأهازيج ودمدمة الطبول التي تُثير عفونة الأعماق وتختلط معها بمزيج واحد من النتانة، بينما نسير مكبّلين بالحديد نترنّح كأعواد يابسة أو كهشيم تذروه الرياح.

وصلنا إلى خربة قرب المساء، كانت رقيّة متهالكة تستتر بثوبٍ بالٍ تَمَزَّقَ في أذياله وحناياه، حافية كما نحن جميعًا، تشتكي من شوكة في قدمها بين الفينة والأخرى فتتماوج الحيرة في عيني عمّتي، ارتميتُ في ركن أحاول النوم جاهدًا ولكنّه تجافى عنّي عندما عاودني التفكير بطريقة يمكن إخراج الشوك من الأقدام الصغيرة، أدخلتني الفكرة في دروب ملتوية، لاح في خاطري الملقط الذي كانت والدتي تستخدمه عند نقل الجمار في عمليّة الطهي والخَبز، شيء مثل هذا يمكن أن يفي بالغرض، أهمّ ما في الأمر أن يكون صغيرًا ودقيقًا يلائم رأس الشوك النابت وفجأة لاحت لي فكرة، لو أخذنا سعفتين مدبّبتين وقمنا بربطهما بطريقة مُعيّنة سنشكّل ملقطًا ربّما يساعدنا في ذلك.

اجتاحتني هالة طمأنينة لهذا الحل وغرقتُ في نوم عميق فُقتُ منه مرارًا من صوت رقيّة ولكنّي عدتُ للنوم مرّة أخرى من شدّة التعب ظنّي أنّها تتألّم من الأشواك وأنا أعزِم على صناعة الملقط في الصباح.

استيقظتُ مع أولى تباريح الفجر على أصوات الصراخ والعويل التي اشتدّت من كلّ جانب، كانت عمّتي تلتاع وتتحرّق بصورة مخيفة هذه المرّة وأبي بدا كجثّة هبط إلى الأرض متكوّرًا مُثقلًا بهموم الليلة الليلاء، كانت رقيّة مسجيّة في ركن دون حراك، لعلّها نائمة!

رحتُ أبحثُ عن سعفة يابسة في الجوار، قطعتُ منها جزئين مدبّبين ربطتُهما بصورة متقابلة بخيط سحبتُه من ثوبي البالي وتسلّلتُ خلسة حتّى اقتربتُ منها، كانت نائمة وكأنها في حضن الملائكة، رفعتُ الملاءة فانكشفتْ قدماها الصغيرتان، انحنيتُ قليلًا فبانتْ رأسُ الشوكة المدبّبة، مددتُ يدي وبحركة دقيقة موزونة أمسكتُ بها وسَحَبتُها من قدمها.. ولكن لم تُسعفني السعفة البالية فانكسر رأسُها وانكسرت تباعًا الآمال البلوريّة الشفيفة التي صيقلتُها في أتون المساء؛ فتراجعتُ إلى الوراء وأنا أفكّر: لابدّ من طريقة أخرى..

عاشوراء
الامام الحسين
السيدة رقية
قصة
الظلم
الطفولة
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    عطش الغرقى ..

    عطش الغرقى ..

    الأحد 15 حزيران 2025/
    مذهب اللا مبالاة ...الفتاة والضفيرة والمارّة الصامتون

    مذهب اللا مبالاة ...الفتاة والضفيرة والمارّة الصامتون

    السبت 24 آيار 2025/
    قدح الزنبق السحري

    قدح الزنبق السحري

    الخميس 20 آذار 2025/
    جموح التراتيل

    جموح التراتيل

    الأثنين 10 شباط 2025/
    الماء والنوارس

    الماء والنوارس

    الخميس 30 تشرين الثاني 2023/
    ضجيج الكرى

    ضجيج الكرى

    الثلاثاء 08 آذار 2022/

    آخر الاضافات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    كيف يتحقق السلام الداخلي؟

    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض

    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟

    ظاهرة المؤثرين: تحليل للدور الحقيقي والتأثير على المجتمع

    الكمأة.. ثروة طبيعية تجمع بين القيمة الغذائية والفخامة

    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك

    الإدارة والقيادة الذاتية وأثرهما في حياة الفرد

    آخر القراءات

    هل وجبة الفطور أكثر فائدة للرجال من النساء؟

    النشر : الأثنين 30 كانون الثاني 2023
    اخر قراءة : منذ 28 دقيقة

    هل مفهوم اللعن موجود في القرآن والسنة النبویة؟

    النشر : الثلاثاء 20 آذار 2018
    اخر قراءة : منذ 28 دقيقة

    مصنع زيارة آل ياسين

    النشر : الأربعاء 24 تموز 2019
    اخر قراءة : منذ 28 دقيقة

    ماهو السبيل نحو الامان؟

    النشر : الخميس 01 آذار 2018
    اخر قراءة : منذ 28 دقيقة

    وقفات تأملية في أراجيز الصحبة الوفية: وعلى نفسهِ لبصير

    النشر : الخميس 18 تموز 2024
    اخر قراءة : منذ 28 دقيقة

    خريف العمر

    النشر : الأثنين 06 شباط 2017
    اخر قراءة : منذ 28 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    في رحاب اسم الله الهادي

    • 330 مشاهدات

    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح

    • 326 مشاهدات

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    • 317 مشاهدات

    حين تتحول رياضة الأطفال من وسيلة للمتعة إلى مصدر للضغط والقلق

    • 314 مشاهدات

    طرق بسيطة لتخفيف حرقة المعدة في المنزل وتجنب تكرارها

    • 303 مشاهدات

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    • 301 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1136 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1104 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1044 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 987 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 750 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 656 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات
    • منذ 22 ساعة
    كيف يتحقق السلام الداخلي؟
    • منذ 22 ساعة
    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض
    • منذ 22 ساعة
    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟
    • الأربعاء 16 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة