• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

علمتني كربلاء: مذكرات طفلة في طريق الأربعين

زينب شاكر السماك / الثلاثاء 12 آب 2025 / ثقافة / 1658
شارك الموضوع :

وبين سؤال وسؤال، كان قلبها يزداد نضجًا، وولاؤها يترسّخ، وحب الحسين يُروى من عطش الطريق وعرق الأقدام

لم يكن ذلك الصباح كأي صباح. كانت شمس الصيف قد اعتلت عرش السماء مبكرًا، تنفث لهيبها فوق الرؤوس كما لو أنها تختبر صبر عشاق الحسين (عليه السلام). لكنهم لم يبالوا، ولم تتراجع أقدامهم عن المسير. ومن بين الجموع الزاحفة نحو كربلاء، كانت يدٌ صغيرة تشدّ طرف عباءة أمها، وتمشي إلى جوارها بخطى قصيرة، لكنها واثقة. تلك هي رقية، ذات التسع سنوات، في أولى تجاربها مع زيارة الأربعين مشيًا على الأقدام.

بثوبها الأسود الطويل، وحجابها الذي التفّ بعناية فوق جبينها الصغير، بدت كنجمة صغيرة في سماء العزاء، تتقد وقارًا، رغم طفولتها. علّقت أمها بروشًا صغيرًا على صدرها كتب عليه: "لبيك يا حسين"، فأخذت رقية تتحسّسه بأناملها كل حين، وكأنها تتأكد أن الانتماء لم يُنتزع منها.

سارتا معًا، وكان الحرّ شديدًا حتى كأن الهواء يُقرض الوجوه بسنابك من نار. ولكن رقية، رغم التعب، كانت تسأل، وتفكر، وتُثير الدهشة في أمها. قالت وهي تمسح عرق جبينها الصغير:

ــ "أمي، لماذا نمشي كل هذا الطريق ونحن نعاني من حرارة الشمس؟ أليس بالإمكان أن نركب سيارة أو نستريح؟" تبسّمت الأم وقالت: " يا رقيّتي... إن السير على الأقدام هو جزء من التعبير عن حبنا وإخلاصنا للإمام الحسين (عليه السلام). هذه المشقة التي نشعر بها تُعلمنا الصبر، وتعطينا فرصةً لنتقرب منه أكثر. المشي ليس مجرد حركة، بل هو لغة القلوب التي تهفو إليه." لكن الحرّ شديد يا ماما، قدمي تؤلمانني.

جلست الأم على في احدى المواكب وشربت الماء وأعطت رقية لتشرب، ومسحت جبينها بقطعة قماش مبلّلة بالماء، وقالت: أتعرفين يا صغيرتي؟ حتى الحرّ في هذا الطريق له معنى. هو حرارة الشوق، ونارُ الفقد التي عاشتها زينب (عليها السلام) وهي تمشي مكبّلة بين الكوفة والشام. نحن لا نمشي تحت الشمس فقط، نحن نحمل شمس الحسين في قلوبنا.

"ماما... لماذا نحب الحسين أكثر من غيره؟ تنفّست الأم بعمق، وكأنها تحتضن السؤال بكل جوارحها، ثم قالت: لأنه علمنا كيف نكون أحرارًا. علّمنا أن لا نخاف من الظالم، أن نعيش بكرامة أو نموت بعزّة. الحسين لم يكن فقط رجلاً في معركة، كان مدرسة لا تنتهي. حين تقرئين سيرته، تشعرين أن قلبك ينمو ويكبر ويضيء.

"ماما... هل الامام الحسين (عليه السلام) يسمعنا؟".. نظرت الأم إلى السماء، ثم إلى عيني رُقيّة، وقالت:

"بل هو معنا. هو في نَفَس كلّ من نادى بإسمه، وفي قطرات العرق على جبينك، وفي دمعة أمّك، وفي قبضة يدك الصغيرة وهي لا تفلت هذه الراية."

تابعتا السير، وكان الطريق يزداد ازدحامًا بالمحبين، الأعلام ترتفع، والمواكب تنثر ماءً وتمرًا...

ثم أشارت الأم بيدها إلى موكب صغير يوزّع العصائر، وأضافت: "هاهم أبناء الحسين (عليه السلام) لا يدَعون عطشًا ولا جوعًا يطول. موكبٌ بعد موكب، كلّهم خدم الحسين، كلّهم يطعمون ويعالجون ويرشّون الماء، وكلّهم فقراء أمام عطش الحسين." سألت رقية بدهشة:

ــ "وهؤلاء الذين يسقوننا، لماذا يفعلون ذلك مجانًا؟"

ــ "لأنهم يتمنّون أن يكونوا كالعباس، ساقي عطاشى كربلاء. هم لا يريدون شيئًا إلا الأجر، وشرف الخدمة."

ثم بعد قليل، حين مرّت أمام طفلٍ يبكي، وقد أضناه التعب، توقفت فجأة وقالت: "ماما، لو كنتُ في كربلاء زمن الإمام الحسين، هل كنتُ سأُقاتل؟"، أخذت الأم نفسًا عميقًا، وقد فاجأها السؤال، ثم جلست على جانب الطريق، وسحبت رقية لتجلس إلى جوارها تحت ظل نخلة قديمة.

قالت بنبرة حنونة: "ربما لم تكوني لتقاتلي، ولكنك كنتِ ستبكين، وتواسِينَ، وتدافعين بكلماتك، وتخدمين الزائرات، كما تفعلين الآن."

أمسكت الطفلة بطرف عباءتها وقالت: "إذن، خدمتي لأهل البيت مثل القتال؟"

"نعم يا رقية، كل من خدم الحسين بصدق، كأنه شارك في كربلاء، لأن كربلاء ليست معركة بالسيوف فقط، بل معركة بالوفاء والعقيدة والتضحية."

واصلتا المسير، وكانت الشمس تلتهب أكثر، ولكن العشق كان يطفئ لهيبها في القلوب. وفي كل مرة كانت رقية تسأل، كانت الأم تجيب بدروس خالدة. "ماما، لماذا كل النساء يرتدين السواد؟"

ــ "لأن السواد هو لون الحزن، ونحن نحزن على الحسين كأن المصيبة وقعت الآن، وكل عام، وكل لحظة... لا يبرد هذا الجرح يا صغيرتي، لأنه جرح للحق في قلب البشرية."

وقبل أن تغرب الشمس، رأت رقية طفلةً صغيرة تحمل علمًا أسود وقد كتبت عليه "يا لثارات الحسين"، فسألت أمها: "ما معنى يا لثارات الحسين؟"

تنهدت الأم، وقالت: "معناها أن الحسين قُتل مظلومًا، وأننا ننتظر من يأخذ بثأره، لا بالقتل، بل بالعدل. ونحن نُعدّ أنفسنا لنكون أنصارًا للعدل في زمن الإمام المهدي، لنُظهر للعالم حقيقة كربلاء."

وفي لحظةٍ خاشعة، رفعت رقية عينيها للسماء، وقالت بهمس:

ــ "يا حسين، اجعلني من خدامك، ولو كنت صغيرة."

وهكذا، واصلت رُقيّة سيرها، في درب ليس له نهاية إلا في قلوب الأوفياء. كانت تمشي بجسدها الصغير، ولكن روحها كانت تتسع كربلاء كلها. وبين سؤال وسؤال، كان قلبها يزداد نضجًا، وولاؤها يترسّخ، وحب الحسين يُروى من عطش الطريق وعرق الأقدام.

الشيعة
الامام الحسين
الطفل
الحب
قصة
زيارة الاربعين
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    ما وراء الحرية.. حين يصبح الاختلاف تهمة!

    ما وراء الحرية.. حين يصبح الاختلاف تهمة!

    الأحد 18 تشرين الاول 2026/
    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    الأربعاء 07 تشرين الاول 2026/
    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    الثلاثاء 29 ايلول 2026/
    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    السبت 05 ايلول 2026/
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    الأحد 23 آب 2026/
    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/

    آخر الاضافات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)

    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا

    كيف نتعامل مع الكمالية؟

    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الصاحب ساحب... حين تصنع الصداقة مصير الإنسان

    التعلّم النشط: أساليب تصنع المشاركة والإبداع

    هل تكشف ملامح الوجه عن نقص الحديد في الجسم؟

    آخر القراءات

    امضِ قدما نحو سلم النجاح

    النشر : السبت 08 نيسان 2017
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    الشخص العدواني: كيف يمكن أن نتعامل مع سلبية هذه الشخصية؟

    النشر : الثلاثاء 30 تشرين الثاني 2021
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    إملأ الفراغات التالية...

    النشر : الثلاثاء 02 نيسان 2019
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    ما هي كمية الخبز المسموح بتناولها يوميا؟

    النشر : الثلاثاء 12 ايلول 2023
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    نصائح لإدارة الوقت بشكل منظم وفعال

    النشر : السبت 21 آيار 2022
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    أهم النشاطات التي تزيد من قدرات طفلك العقلية

    النشر : الأحد 02 كانون الثاني 2022
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    من يملك وقتك؟

    • 532 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 492 مشاهدات

    تورّم القدمين وانتفاخ الجسم.. متى يصبح احتباس السوائل مؤشراً للخطر؟

    • 333 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. الشاهد الأول والضحية الأولى لأحداث السقيفة

    • 330 مشاهدات

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    • 329 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. رائدة الثورة وشهيدة الولاية

    • 324 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1573 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1173 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1027 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 801 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 719 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 554 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)
    • منذ 6 ساعة
    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا
    • منذ 6 ساعة
    كيف نتعامل مع الكمالية؟
    • منذ 6 ساعة
    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام
    • منذ 6 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة