• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

اجراس صامتة: مذكرات جندي عراقي ​

مروة حسن الجبوري / الثلاثاء 19 ايلول 2017 / حقوق / 7216
شارك الموضوع :

ظلام دامس يحيطه، في قلبه يوقد الاسى، يسلب انفاسه من بين جمرات صدره الحارقة، يطيل النظر الى زاوية الحجرة، ثمة امور في ذاكرته، اشعل قنديله لين

ظلام دامس يحيطه، في قلبه يوقد الاسى، يسلب انفاسه من بين جمرات صدره الحارقة، يطيل النظر الى زاوية الحجرة، ثمة امور في ذاكرته، اشعل قنديله لينير عتمة الحجرة العتيقة، احرق صفحة من صفحات تاريخه ليوقد القنديل، فداخله معتم ايضا لكن بماذا يوقده!، لو احرق صفحات العالم لم يتمكن من انارة قلبه، بقدر ما رأى من ظلام هذا العالم .

افترش البساط العربي وجلس يرتب المكتبة، كعادته كل يوم يتفقد صوره وصور رفاقه، في كل ليلة يتغير حاله وينثر الحنين كما ينثر الورد، وتسقط دموعه كحبات عقد قطعها من لا يعرف قيمة اللؤلؤ، يحتضن صورة ويشم اخرى، وصورة لم يتمكن من رؤيتها ويكتفي بالصمت، في داخل قلبه وميض من الوجع والحسرة، يحدثها وكأنها تنصت له، ويقص عليها تفاصيل يومه، ويسأل عن حالهم وكيف كان يومهم، مع انه يعلم جيدا ان القبور تحكي عن حال اصحابها، وكيف غيرت ملامحهم التراب، حتى اصبحت لا تقوى على رد السلام، فلم تعد تلك الاجساد الجميلة كما هي..

يكفكف دموعه ويعقد اشواقه عند رؤية خيط الفجر، يغفو على ذكريات قضاها معهم في ساحة الحرب، ويرتل اسمائهم بعد كل فريضة ويطلب لهم الرحمة والمغفرة، احمد، علاء، كاظم، حيدر، لكل اسم مكانه وقصة لا يطويها الدهر عند هذا الجندي.

عندما يتبعثر الاحساس وتصبح الكلمات ثقيلة هنا تعرف انك على وشك الانهيار، لولا ان فصحت تلك الاوراق عن لسان هذا الجندي الذي عاش الحرب وخلدها بكتابة المذكرات واحتفظ فيها فنحن لا نعرف ماذا يحصل في ساحة الحرب، وعندما تدق ساعة الصفر، بعد هذه المذكرة سنعرف كيف قضى الجنود يومهم على الساتر..

 كتب من بين رمال الصحراء الحارقة، وجمرة الشمس اللاهبة، تسمع تسابيح وتكبيرات مهللة، يقف على الخط الامامي احمد وعلاء، وعند الخلف كاظم وحيدر، وانا في المتابعة والرصد، كنت استمع الى محادثتهم، واصوات الرصاص تقطع عني همساتهم، يتناغون فيما بينهم، جاءت ايام والطعام لا يصلنا لمحاصرتنا من قبل العدو..

كانوا يتقاسمون ما بقي من الطعام ويكتفي كل منهم بقطعة من الخبز لا تشبع الصغير فكيف بمقاتل يقف لساعات طويلة مع ارتفاع درجات الحرارة، رغم ذلك لم يشعروا بألم الجوع، بل كانوا يتألمون من الفقد، عندما يسقط احد الجنود يضج المكان وكأن من وقع هو اخ لهم، ما زلت اتذكر عندما تصلني المساعدات الغذائية يرفضون ان يستلمونها كما هي ويطلبون من القائد ان يوزعها على الثكنة العسكرية المقابلة لهم، هذه هي انسانيتهم، فبعد هذا الجوع والعطش قطرة ماء تسد رمقهم ورغيف خبز كافٍ لخوض معركة كاملة، اجساد لم يكن همها الطعام، بل كان يشغلها نيل الحرية، وطرد العدو من هذه البقعة.

تائه انا في سرد بطولاتهم، عندما يجن الليل، وتهدأ اصوات الرصاص، يغفا بعضهم على اكتاف بعض، من دون ان يعرف هذا المقاتل من أي دين او قبيلة او حتى من يقلد، تهدأ الارواح وتذهب في عالم النوم، اما انا كنت اجلس في مكان مرتفع اراقب الحركة، واسجل ماكنت اشاهد، ومعي ورقة صفراء وقلم، لم يبقَ منها الا عشرة اسطر، اسطر ما بقي من الجمل في ذاكرتي..

 يطول الليل، ارى لمعة في عنان السماء، تدمع عيني ويخطر في بالي كلام طفلتي الصغيرة عندما كانت ترسم نجمة وسط الدفتر، يضايقني الحنين ويعكر علي صفوتي عندما يأتي بصورة  امي وهي راكعة وتدعو لي، طفلتي وزوجتي، لكل شيء عاش معي، والان رحل بعيدا عني فلا اعرف هل سأعود انا، ام جثتي هي التي تعود!.

أُخبئ احزاني في قارورة داخل صدري، فليست هذه الحرب الوحيدة التي شاركت فيها، ولدي قتل في الحرب الايرانية، واخي قتل في الحرب الطائفية، وابن عمي قتل في الكويت، وابن خالي مفقود، وانا ما زلت على الجبهة، كل من كان معي في هذا المكان كان لديه شهيد ومفقود، حتى اعتاد على حمل السلاح منذ الصغر فنحن ابناء الحروب..

ثرثرتي على هذه الورقة قد تكون رسالة للأجيال القادمة لتعرف معنى النصر، فلا قيمة للحرية ان لم يكن الثمن الدم، يوصي بعضنا البعض عندما يشتد القتال، لم اسمع يوما مقاتلا قال: اوصيك بمالي او عائلتي، جميعهم كانوا مطمئنين، وعندما تبحث في اشيائهم بعد رحيلهم تجد ورقة كتب فيها: ارجو منكم براءة الذمة وتسديد ما كان في ذمتي لانني طلبت مبلغا من المال من اجل الالتحاق الى هنا، وخاتم صغير، وراية خضراء ربطت خلف حقيبته، واخر وجد في حقيبته نسخة من القران الكريم وورقة كتب عليها بعض الاشعار..

 أصبحت عاجزا امام هذه التضحيات، بعد هذه الارواح التي عرجت للسماء ترى ان للقتال طعم خاص لا يألفه كل شخص، حتى ذاق رفاقي طعم الشهادة، وبقيت انا مقطوع الساق وبيدي العكازة، لا اتمكن من السير، أخذت أقلب مذكراتي واتحسر على ما بقي من عمري، بعد كل التضحيات لم يأتِ احد ويقول لي اين وسامك من المعركة، ولو سألوا لقلت تلك الساق التي قطعت هي وسامي وفخري، لكن بعد الانتهاء من المعركة لا احد يستمع الى صرختي، لم يبقَ سوى هذه الاوراق فهي الوحيدة التي تسمع حديثي وتحتضن دمعتي.

لقد عدت لأعيش ما بقي لي من العمر بعد سنوات من القتال والغربة، لم ارَ عائلتي كبقية الاباء، فكانت عائلتي هي البندقية، وعندما استشهد الرجال لم يتذكر احد عوائلهم ويتفقدهم، وان كانت الفضائيات تعرض لكم المساعدات فهذا من اجلهم لا من اجل تلك القطرات الزكية، وان قدموا لشهيد الغالي والنفيس لم يفوا حقه..

 كتبت هذا لاقول لكم اننا ننسى من يضحي من اجلنا لمجرد ان ترجع الامور الى طبيعتها، اما انا لا احتاج الى من يطرق بابي ويتفقد احوالي، لانني عملت واجبي ولست بحاجة الى الشكر او المساعدة، وما يحزنني ويقتلع روحي هو فقدي لرفاقي، فالوحدة صعبة جدا وانت تعيشها بساق واحدة..

 وحيد انا في ركن  الحياة، ضائع لا أعلم ماالذي سيحصل في المستقبل، أين أستقر وهل هناك حرب اخرى تنتظرني؟. ام ابقى كهذه الاجراس المعلقة عند الباب، صامتة لا احد يطرقها. 

العراق
الحروب
الارهاب
الحشد الشعبي
النصر
الحزن
الشهيد
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    مع ولادة العفّة والحياء: السيدة زينب أنموذجًا للحجاب الإسلامي

    مع ولادة العفّة والحياء: السيدة زينب أنموذجًا للحجاب الإسلامي

    السبت 17 تشرين الاول 2026/
    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    الثلاثاء 22 ايلول 2026/
    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    الأربعاء 09 ايلول 2026/
    التقرير الاعلامي للمجلس العزائي للهيئة الزينبية التابعة لحوزة كربلاء النسوية

    التقرير الاعلامي للمجلس العزائي للهيئة الزينبية التابعة لحوزة كربلاء النسوية

    السبت 08 آب 2026/
    في رحاب العزاء الحسيني.. تقرير نشاطات مؤسسة الإمام الحسن المجتبى

    في رحاب العزاء الحسيني.. تقرير نشاطات مؤسسة الإمام الحسن المجتبى

    السبت 25 تموز 2026/
    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    السبت 18 تموز 2026/

    آخر الاضافات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)

    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا

    كيف نتعامل مع الكمالية؟

    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الصاحب ساحب... حين تصنع الصداقة مصير الإنسان

    التعلّم النشط: أساليب تصنع المشاركة والإبداع

    هل تكشف ملامح الوجه عن نقص الحديد في الجسم؟

    آخر القراءات

    الوضع السياسي والاجتماعي للأمة في عصر الامام زين العابدين

    النشر : الأثنين 21 تموز 2025
    اخر قراءة : منذ 57 دقيقة

    هل تفقد الأطعمة قيمتها الغذائية عند التجميد؟

    النشر : الثلاثاء 16 كانون الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 57 دقيقة

    تحمل ضريبة القلة

    النشر : الأربعاء 22 آذار 2023
    اخر قراءة : منذ 57 دقيقة

    عبد الله الرضيع.. حجة الرباب وأعجوبة الحسين

    النشر : الخميس 02 تموز 2026
    اخر قراءة : منذ 57 دقيقة

    نساء في متاهات الأربعين

    النشر : الثلاثاء 23 كانون الثاني 2018
    اخر قراءة : منذ 57 دقيقة

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    النشر : الأثنين 14 ايلول 2026
    اخر قراءة : منذ 57 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    من يملك وقتك؟

    • 532 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 492 مشاهدات

    تورّم القدمين وانتفاخ الجسم.. متى يصبح احتباس السوائل مؤشراً للخطر؟

    • 334 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. الشاهد الأول والضحية الأولى لأحداث السقيفة

    • 330 مشاهدات

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    • 330 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. رائدة الثورة وشهيدة الولاية

    • 324 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1573 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1174 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1027 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 801 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 719 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 554 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)
    • منذ 7 ساعة
    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا
    • منذ 7 ساعة
    كيف نتعامل مع الكمالية؟
    • منذ 8 ساعة
    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام
    • منذ 8 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة