وُلدت السيدة زينب بنت علي (عليها السلام) في بيتٍ كان مفعماً بالعقيدة والإيمان، بيت خاتم الأنبياء والمرسلين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام). وكانت حفيدة النبي الأولى، فكان جدها يضمها إلى صدره، ويغمرها بحنانه ولطفه ورعايته.
نشأت على يد أبٍ كان باب مدينة العلم ومفتاحها، وعلى يد أمٍ لم تنجب الدنيا، ولن تنجب، بمثلها. وعاشت في كنف أخوين هما الحسن والحسين، سيدا شباب أهل الجنة، وأخٍ من أبيها أخذ على عاتقه دور المدافع والكافل منذ ولادته حتى استشهاده، وهو أبو الفضل العباس (عليه السلام). ويُروى أنه حين وُلد أبو الفضل العباس (عليه السلام)، اقتربت السيدة زينب (عليها السلام) من مهده لتراه، فأخرج يده من قماطه وأمسك بإصبعها، فقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «يا زينب، والله إنه لكافلك في يومٍ من الأيام.»
عاشت زينب (عليها السلام) طفولةً تفيض حباً وكرامةً وعزاً، فلم تكن مجرد فتاةٍ في بيت النبوة، بل كانت ثمرةً من بيت الرسالة والمعرفة. أحاطها والدها بالرعاية، وكان أخواها يجلّانها ويحفظان مكانتها، حتى عُرفت آنذاك بأنها عزيزة علي، ومدللة العباس. وهكذا بدأت حياتها مملوءةً بالطمأنينة والسكينة.
لكن الأقدار كانت تُعِدُّ لهذه القارورة الرقيقة مهمةً شاقة، أثقل من أن يحتملها قلبٌ كقلب زينب، الذي عُرف بحبه العظيم لإخوته. وسرعان ما بدأت المصائب تتعاقب عليها؛ فرحل جدها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم لحقت به أمها فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ثم شهدت ما جرى على أبيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وبعدها ودعت أخاها الحسن (عليه السلام) مسموماً مظلوماً.
ومع كل مصيبة، كانت زينب (عليها السلام) تزداد قوةً وصلابة، حتى جاء يوم كربلاء، اليوم الذي تحولت فيه ابنة الدلال إلى سيدة الصبر، وحفيدة النبوة إلى حافظة الرسالة وامتدادها.
لقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفقاً بالقوارير.» لكن زينب لم تجد من يرفق بها يوم رأت إخوتها وأبناءها وأهل بيتها صرعى على الثرى، ولم تجد من يرفق بها وهي تُساق من بلدٍ إلى بلد، تحمل وجعها في قلبها، وتحمل رسالة الحسين على كتفيها، وترعى الأطفال والنساء اللواتي تكفلت بهن، سائرةً على وصية أخيها الحسين (عليه السلام)، إذ أوصاها قائلاً: «يا أختاه، تعزّي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأهل السماء لا يبقون، وإن كل شيءٍ هالكٌ إلا وجه الله تعالى.»
ومع كل ما عاشته مولاتنا، لم تنكسر، بل وقفت أمام الطغاة شامخةً، كأنها أبوها علي بن أبي طالب في شجاعته، وكأنها فاطمة الزهراء في سترها وعفتها، وكأنها الحسين في ثباته.
فكانت القارورة التي حفظت الدين حين أراد الفاسقون طمس الحقيقة، وكانت المرأة التي حوّلت الأغلال إلى انتصار، والمصيبة إلى خلود.
وهكذا بقي اسم زينب (عليها السلام) شاهداً على أن الرقة لا تنافي القوة، وأن المرأة التي تربّت في حجر النبوة قادرة على أن تتحمل كل ما يواجهها في سبيل تثبيت مفاهيم النبوة، وحفظ رسالة أخيها، وغرسها في تربةٍ صلبة، إذا ما دعتها الرسالة إلى ذلك.



اضافةتعليق
التعليقات