قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
قلب زينب ذاق أقسى أنواع الألم في كربلاء واحترق وبكى، لكنه لم يفقد صلته بالله تعالى، ولم ينكسر أمام الظالمين، أحاطت بها المصائب من كل جانب، لكنها لم تفقد بصيرتها، فقدت إخوتها وأبناءها وأحبتها لكنها بقيت ثابتة في مواقفها، تؤدي رسالتها، وتحفظ أمانة أخيها الحسين صلوات الله وسلامه عليه.
صبرٌ ويقينٌ وثباتٌ تعجبت منه ملائكة الأرض والسماء، وتقاصرت دونه الألسن والعبارات، لم يشهده تاريخ ولم يدونه قلم، حتى أقر به المعصوم علي السجاد صلوات الله وسلامه عليه قائلًا: «أنتِ بحمد الله عالِمةٌ غيرُ مُعَلَّمة، فَهِمَةٌ غيرُ مُفَهَّمة».
ولا يمكن لأحد ان يدرك سرَّ طمأنينتها وسكونها ورضاها وتسليمها لله تعالى وهي تقول في عصر يوم عاشوراء: (اللهم تقبل منا هذا القربان، رضا الله رضانا أهل البيت)، حين رفعت جسد أخيها الحسين، وهو بلا رأس وقد تناولته السيوف وداسته حوافر الخيول الجرارة... لقد شاطرت أخاها سيد الشهداء في ثباته حين رأى الأحبّة صرعى وقال: "هون ما نزل بي أنّه بعين الله".
ولا يمكن فهم معنى تهوينها وتخفيفها على قلب زين العابدين إمام زمانها؛ حين كادت نفسه تخرج مع الزفرات جزعًا على أبيه وأخوته وبني عموته وهو يراهم مجزرين مرملين على الفلوات. وقولها له "لا يجزعنك ما ترى، فوالله، إن ذلك لعهد من الله إلى جدك وأبيك وعمك سيرفعون علما لأبيك .. وهو من قال عنها في موضع من كربلاء بان عاطفة عمته زينب صلوات الله وسلامه عليها كانت جياشة "مضطربة!.
وليس معنى ذلك أن العقيلة زينب لم تبكِ أو تحزن؛ بل فعلت ذلك كله، غير أن قوة يقينها وعمق إيمانها لم يسمحا للحزن أن يهزمها، أو ينتزع منها ثباتها وبصيرتها.
بقيت العقيلة زينب صلوات الله وسلامه عليها متماسكة روحًا وعقلًا وادراكًا ومنطقًا، بل كانت جبلًا شامخًا لم تهتز ولم تنهار. لاسيما في مجلس الكوفة حين سألها "ابن سمية" متشفيًا ومتفاخرا بسوء عمله قائلًا: "كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين"، قالت له وهي ثكلى: "ما رأيت إلَّا جميلا".. فقد استشاط منها غضبا وحنقا وأراد قتلها.
وفي مجلس يزيد بالشام، حين أراد استفزازها والنيل من أهل بيتها صلوات الله وسلامه عليهم، وإحضاره رأس أخيها الحسين والنكث به بمخصرته وتبختره بأبيات الزبعري أمامها قائلًا: "لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل".
واجهته بشجاعتها ورباطة جأشها وبلاغة خطبها وبراعة حججها، ففضحت ظلمه وجوره وأسقطت نشوة انتصاره المزعوم. حتى سعى هو وابن زياد إلى التملّص من مسؤولية قتلهما الحسين، وألقى كلٌّ منهما التهمة على الآخر، متذرّعين بالقضاء والقدر.
فتصدّت لهما ابنة علي أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليهما وفندت جميع
أو هامهما الزائفة، قائلة ليزيد: (أظننت ـ يا يزيد ـ حين أخذت علينا أقطار الأرض وضيقت علينا آفاق السماء، فاصبحنا لك في أسار، نساق إليك سوقاً في قطار، وأنت علينا ذو اقتدار، أن بنا من الله هوانا، وعليك منه كرامة وامتنانا؟!) ..
مهلًا لا تطش جهلاً أي لا يأخذك الغرور، أنسيت قول الله (عزَّ وجلَّ): {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178] ؟!! ، أي لا تظن أن الله مد في عمرك يعني أنت المنتصر، كلا، إنما مد لك فيه لكي تزداد اثما وعذابا .
وذكرته بأصله، ونسبه المخزي، فقالت له: أمن العدل يا بن الطلقاء ... إشارة إلى ما حدث يوم فتح مكة، واعفاء جدها رسول الله صلى الله عليه وآله عن آبائه المنافقين، رغم ما أبدوه من عداوة له.
ثم توعّدته بعاقبة جرائمه، مؤكدةً أن الله سيجمع شمل أهل البيت ويأخذ بحقهم، قائلة:
والله ما فريت إلاّ جلدكَ، ولا خززتَ إلاّ لحمكَ، ولتردنّ على رسول الله صلى الله عليه وآله بما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم وتلت قول الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) (آل عمران 169) .
وهكذا، تحوّل منبر السيدة زينب إلى وسيلة لفضح الظالمين؛ أسروها ولم يأسروا كلمتها، وأرادوا أن تكون كربلاء نهاية الحسين، فجعلتها زينب والسجاد رسالةً حيّةً في الوجدان. فمَن المنتصر إذن في كربلاء؟ أمَن بقي ذكره مخلّدًا في الآفاق، أم مَن بقيت تلعنه ذرات الثرى؟
سلامٌ على زينب يوم وُلدت، ويوم بقيت رايةً للصبر والبصيرة والوفاء. اللهم اجعلنا من المتمسكين بولاية زينب، والسائرين على نهجها.








اضافةتعليق
التعليقات