• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

حين يصبح الموت سلعة... ضياع الضمير في زمن الاستهلاك

زينب شاكر السماك / الأحد 31 آب 2025 / اعلام / 1308
شارك الموضوع :

إن الاستهانة بالموت ليست مسألة عابرة، بل جرح في الوعي الجمعي. الموت، الذي كان قديماً يوقف القلوب

لسنا بحاجة إلى تفاصيل جديدة، ولا إلى تسجيلات إضافية، ولا إلى صخب يعلو فوق صخب. ما حدث مؤلم بما يكفي، لكن ما جرى بعده كان أشد إيلاماً. إن الفاجعة الحقيقية ليست في موت فتاة أو في ظروف غامضة تحيط بها، بل في الطريقة التي تعاملنا بها مع موتها. هنا تتكشف مأساة أكبر: مأساة مجتمع يستهين بالموت، يهتك حرمة الميت، ويركب موجة كل حدث بلا وعي، حتى تحولت القيم الأخلاقية إلى شعارات مهترئة.

إن الاستهانة بالموت ليست مسألة عابرة، بل جرح في الوعي الجمعي. الموت، الذي كان قديماً يوقف القلوب ويذكر الناس بحقيقة مصيرهم، صار عندنا خبراً عاجلاً على شريط الأخبار، أو مقطع فيديو يتداوله الملايين بفضول بارد. فقدنا رهبة الرحيل الأخير، وأصبحنا نستهلك المآسي كما نستهلك أي مادة إعلامية. وفي هذا الاستهلاك المفرط، لم نعد نرى الإنسان الذي رحل، بل صرنا نرى "القصة" فقط، نتداولها ونستهلكها ونتركها حين يظهر غيرها. هذه الاستهانة هي وجه آخر لموت الضمير، لأن من لا يقف عند الموت باحترام، لن يقف عند الحياة بقيمة.

وإذا كان الاستهانة بالموت قد صارت عادة، فإن انتهاك حرمة الميت صار كارثة أكبر. جسد خامد، روح فارقت الدنيا، ومع ذلك تتحول إلى مادة مصوَّرة تُبث للعالم بلا أي وازع من دين أو أخلاق. في ديننا، حرمة الميت أعظم من حرمة الحي، لكننا نحن الذين ندّعي التمسك بالقيم شاركنا – بوعي أو بغير وعي – في هتك هذه الحرمة حين تناقلنا المشاهد، وتلذذنا بمناقشة تفاصيلها. وكأن الميت لم يعد إنساناً له حق الستر، بل مجرد مادة لإثبات المواقف. والأخطر أن كثيرين برروا ذلك بأنهم يريدون "إظهار الحقيقة"، متناسين أن الحقيقة المطلقة بيد الله وحده، وأن دورنا ليس في فضح المستور بل في الدعاء بالرحمة لمن رحل.

لكن الوجه الثالث للمأساة يكمن في ركوب الموجة. نحن شعوب يمكن التأثير في عقولها خلال لحظات، بضغط زر أو بانتشار وسم. نصبح فجأة خبراء في السياسة والاجتماع والدين والنفس، نركض خلف أي قضية، نطلق الأحكام، ثم نتركها حين تأتي موجة أخرى. كل مأساة تُستغل: سياسياً لتصفية الحسابات، عاطفياً لاستدرار الدموع، وإعلامياً لصناعة الترند. لا وقت للعقل ولا مكان للتثبت، المهم أن نكون جزءاً من الضجيج. وهكذا تتحول المأساة إلى فرصة، والموت إلى مادة للاستهلاك، والإنسان إلى سلعة في سوق مفتوح.

الجانب الأخطر أن هذا النمط من السلوك لا يقف عند قضية واحدة، بل يعكس تحولاً خطيراً في وعينا الجمعي. نحن نعيش في زمن تُسحق فيه القيم بسرعة الضوء. موت إنسان لا يوقفنا، وصورة ميت لا تمنعنا من التناقل، وأي موجة لا نتردد في ركوبها. ما الذي بقي إذن من إنسانيتنا؟ هل صار الضمير رفاهية يمكن الاستغناء عنها؟ أم أننا فقدنا الإحساس العميق بأن للروح قداسة لا يحق لنا انتهاكها؟

إن ما جرى هو جرس إنذار: إذا لم نستفق الآن، فكل مأساة قادمة ستتحول إلى عرض إعلامي جديد، وكل روح ستفقد معناها بين الشاشات، وكل ضمير سيواصل الغياب. الفتاة التي رحلت بين يدي الله لا تنتظر منّا محاكمات ولا جدالات، بل دعاءً صادقاً بأن يرحمها ويسترها. أما نحن، فنحن من نحتاج أن نعيد بناء وعينا وأخلاقنا. أن نفهم أن الموت ليس مشهداً نتسلى به، بل درساً نخشع أمامه. أن نؤمن أن الميت ليس مادة للنشر، بل إنسان أمانة يجب ستره. أن نُدرك أن الموجة ليست دائماً حقيقة، بل قد تكون أداة لمسخ العقول.

المسألة في النهاية ليست عن حادثة بعينها، بل عنّا نحن. عن شعوب فقدت الإحساس بقيمة الحياة والموت، وتركت ضميرها يغفو أمام شاشة. وإن كان ثمة مسؤولية حقيقية اليوم، فهي أن نعيد الاعتبار للإنسان، حيّاً وميتاً. أن نتوقف عن استهلاك المآسي، وأن نحفظ للموت قدسيته، وأن نعلّم أبناءنا أن للروح وزناً، وأن للموت حرمة، وأن للضمير دوراً لا يجوز إهماله.

حين نفعل ذلك، ربما نكون قد بدأنا الخطوة الأولى نحو استعادة إنسانيتنا. أما إن واصلنا الركض وراء الموجات، فسنبقى أسرى صخب عابر، يذهب مع الريح، بينما يبقى الموت شاهداً علينا جميعاً.

العراق
المرأة
الموت
مفاهيم
وسائل التواصل الاجتماعي
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    الأربعاء 15 تموز 2026/
    رحلات يومية لا تحتاج إلى حقائب

    رحلات يومية لا تحتاج إلى حقائب

    الأحد 05 تموز 2026/
    هيهات منا الذلة… عاشوراء من الصرخة إلى المعنى

    هيهات منا الذلة… عاشوراء من الصرخة إلى المعنى

    الأثنين 29 حزيران 2026/
    أنا كربلاء… ذاكرة الدم والخلود

    أنا كربلاء… ذاكرة الدم والخلود

    الخميس 18 حزيران 2026/
    صناعة المحتوى… حين تتحول الفكرة الصغيرة إلى وطن كامل

    صناعة المحتوى… حين تتحول الفكرة الصغيرة إلى وطن كامل

    الثلاثاء 09 حزيران 2026/
    غدير خُمّ: العقد الذي لم يُوقَّع بالحبر

    غدير خُمّ: العقد الذي لم يُوقَّع بالحبر

    الثلاثاء 02 حزيران 2026/

    آخر الاضافات

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني

    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت

    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟

    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين

    الأربعين موسم للتغيير وبناء الإنسان

    زيارة الأربعين: من استذكار الشهادة إلى تجديد العهد

    الغرض الحقيقي من إدارة الوقت

    تراجع جودة الهواء.. كيف يؤثر التلوث على صحة الإنسان ومتى يصبح الخروج إلى الخارج خطراً؟

    آخر القراءات

    ماهي أسباب سقوط قوم عاد؟

    النشر : الخميس 06 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    المرأة وجدلية خوضها المضمار السياسي

    النشر : الأربعاء 23 آب 2017
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    السيدة الزهراء.. انموذج رائع للحياة كريمة خالية من المشاكل

    النشر : الأحد 22 كانون الأول 2024
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    تربية الأطفال..بين القول والفعل

    النشر : الأربعاء 13 كانون الأول 2017
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    مسجد السيدة الزهراء.. بين الموالاة والبراءة

    النشر : السبت 23 تشرين الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    قصة عشق.. ليت الذي كان لم يكن

    النشر : الأربعاء 15 آذار 2017
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 457 مشاهدات

    التربية في مدرسة النبي محمد

    • 339 مشاهدات

    نذر على الطريق.... لكل خطوة حكاية عطاء

    • 321 مشاهدات

    دراسة: حقن إنقاص الوزن قد ترتبط بزيادة خطر تساقط الشعر

    • 305 مشاهدات

    كرامات لا تنتهي.... لأبي الفضل العباس

    • 305 مشاهدات

    الرأس الشريف بين الكوفة والركب الحسيني

    • 302 مشاهدات

    الأسرة وادارة الأزمات .. الأسرة الحسينية نموذجا

    • 1131 مشاهدات

    نِداء اليقين

    • 1077 مشاهدات

    نهجُ السجّاد: منارُ الثبات وميثاقُ الإنسانية

    • 921 مشاهدات

    الخير كله بخدمة الحسين.. حصاد برنامج شهر محرم في حسينة الامام الحسن

    • 870 مشاهدات

    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    • 792 مشاهدات

    صدى الكبدِ المقطّعة: مأساةُ السبطِ في طشتِ الغدر

    • 640 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني
    • منذ 18 ساعة
    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت
    • منذ 18 ساعة
    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟
    • منذ 18 ساعة
    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين
    • منذ 18 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة