في زحام الأيام، لا تأتي التحوّلات الكبرى دائمًا من الكتب ولا من الجدل الطويل، بل أحيانًا من جملةٍ عابرة، تُقال بلا قصد، لكنها تُربك يقينًا كان يبدو ثابتًا.
قال لي زميل في العمل، زميلي في العمل كان ملحدًا، لا يخفي شكّه ولا يجامل في قناعاته". وفي يومٍ عادي، سألته عن الإلحاد، كأن السؤال محاولة فهم لا مواجهة.
فأجابني بهدوء: رجعتُ مسلمًا… والحمدُ لله.
لم يكن الخبر هو ما شدّني، بل السبب.
وحين سألته: (بس شعجب؟)
ابتسم وقال جملة واحدة، لكنها كانت كافية لتفتح بابًا آخر للتفكير:
“بربك… تصدّگ علي بن أبي طالب خالقته الطبيعة؟”
هنا لا يعود الكلام نقاشًا بين فكرين، بل لحظة ارتباك للمعنى نفسه.
فحين يُذكر علي بن أبي طالب، لا يُطرح السؤال بصيغة تاريخية فقط، بل بصيغة وجودية:
هل يمكن اختزال هذا الامتداد الإنساني في تفسير مادي بارد، وكأن التجربة البشرية لا تعرف الاستثناء؟
في تلك اللحظة، لا يُهزم موقفٌ بمعلومة، بل يتراجع أمام دهشة لا تُختصر بسهولة. ليس لأن العقل يعجز، بل لأن بعض الصور الإنسانية تتجاوز التفسير السطحي، وتفرض على الإنسان أن يعيد النظر في طريقة رؤيته للعالم.
ومن هنا، تتقاطع هذه الحكاية البسيطة مع معنى أوسع يُستعاد في عيد الغدير:
ليس بوصفه حدثًا تاريخيًا فقط، بل بوصفه إعلان اتجاه، لحظة يُطلب فيها من الإنسان أن يحدد موقعه من الحقيقة، لا أن يكتفي بمشاهدتها من بعيد.
عيد الغدير، في جوهره، ليس ذكرى تُروى، بل سؤال يُعاد طرحه:
كيف يتعامل الإنسان مع نموذج يختصر القيم في شخص؟
وكيف يتحول المعنى من فكرة إلى واقع يُحتذى؟
تمامًا كما حدث في تلك الجملة العابرة، التي لم تكن نقاشًا بقدر ما كانت شرارة وعي: أن العالم لا يُختزل بسهولة، وأن الإنسان حين يواجه ما هو أعمق من تفسيراته الجاهزة، يبدأ بإعادة ترتيب يقينه من جديد.
وهكذا، لا يكون الإيمان دائمًا نتيجة برهان طويل، بل أحيانًا لحظة إدراك مفاجئة، كلمة، أو موقف، أو اسم يمرّ في الذهن فيقلب شكل الأسئلة كلها.
وفي النهاية، تبقى المسافة بين الإنكار والتسليم ليست مجرد معرفة…
بل قدرة على احتمال فكرة أن الوجود أوسع من حدود ما نراه ونفسّره.


اضافةتعليق
التعليقات