• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

قرابين العقيدة

زينب علي عمران / الأربعاء 12 كانون الأول 2018 / تطوير / 2302
شارك الموضوع :

ارتجافة يدي لحظة سماعي إعلان النصر النهائي على دولة الخرافة الداعشية، وابتسامة ثغري الممزوجة بحبات الدمع الساخنة، المتسابقة لإرواء تجاعيد

ارتجافة يدي لحظة سماعي إعلان النصر النهائي على دولة الخرافة الداعشية، وابتسامة ثغري الممزوجة بحبات الدمع الساخنة، المتسابقة لإرواء تجاعيد ملامحي المستبيحة لخمسة وستين عاما، حرّكتْ بين حنايا قلبي ذكريات ألغت قوانين الزمان والمكان، وعادت بي إلى وقت تلبيتي نداء الحق والسلام، بقتال وحوش بشرية، كشّرت عن أنيابها لنهش لحوم الأبرياء.

حينها عدت إلى منزلي وجمرة غيورة استعرت جذوتها في روحي، وتساؤلات دقت ناقوس الخطر، غضب عارم اجتاح سنيّ عمري، وأنساني ظروفي المعيشية، جلستُ أطالع عبر نافذة منزلي الخشبية حقليَ الصغير، وزرعه المرتويَ بقطرات عَرَقِ جبيني، يكاد الصمت يخيّم على الأرجاء، لولا صوت إعداد الخبز من قبل زوجتي، واحتراق الحطب في تنورها الطيني، (فأنا أسكن في منطقة ريفية من جنوب العراق)، غرقتُ في تفكيري واختنق الهواء في رئتي، فأنعشني صوت ولدي الوحيد (علي) بقوله:

- "السلام عليك أبي" جلس بجانبي واضعا يده على كتفي يحتضنني.

- "وعليك السلام بني" قلتها وأنا أرمُقه بنظرات لا تفسرها كل قواميس اللغات.

- خيراً أبي أراك منشغل البال!.

 أجبته بسؤال: هل سمعت آخر الأخبار؟.

- أتقصد الفتوى؟.

- نعم.

- أجل سمعتها والعديد من أصدقائي قرروا تلبيتها.

هنا قاطعتُه بقولي: "وهذا ما أردت إطلاعَك عليه، فكما تعلم أن الجهاد هنا كفائي، كن مستعداً، فأنت رجل البيت من بعدي".

نظر لي بعينين سادهما الفضول، دون أن ينبس ببنت شفة، مرت الأيام، أكملت فيها دورة التدريب الخاصة بالمتطوعين، وحانت لحظة وصال سواتر العز، احتضنتُ ثمرة فؤادي وكأن العالم أصبح بين ذراعيّ، قبلته بين عينيه وأوصيته بأمه ونفسه خيرا. 

قاتلتُ في أماكن عدة منها؛ منطقة الهياكل في مدينة الفلوجة، واشتد وطيس المعارك شراسة، والهدف واحد، إما نصر مؤزر أو شهادة عاجلة، لم أشعر وقتها بكِبَرِ سني، وكأن المشيبَ انقلب ليلا أدلم، وانحناءة ظهري استقامت، واستفز روحي صراخ الأطفال وبراءة نظراتهم الشاردة، وأعمدة النيران الملتهبة المتصاعدة من بيوت كانت آمنة.

أطأطئ الرأس حسرة، ودمعة حارقة تلمع في الأحداق، حين ألمح غطاء رأس حرة ملطخا بدماء الأحبة ويتعالى في مهب الريح، يروي حكايا يشيب لها رأس الرضيع.

أروي تلك المشاهد لزوجتي وابني حين عودتي إليهم، أرسم في مخيلتهم شجاعة من عشقوا الشهادة في سبيل الله، الذين لم يبالوا إن وقعوا على الموت أو وقع الموت عليهم، وفي قرارة روحي تغمرني السعادة بإنصاتهما لكل حرف أنطقُ به.

وبعد عودتي إلى المعسكر بيومين، تعرضنا لهجوم بسيارة مدرعة مفخخة، كان اليوم مغبراً عاصفا، ما أضعف فرصتنا في معالجتها بصواريخ (آر بي جي 7)، اقتربت السيارة من الساتر بشكل جنوني، غلت الدماء في عروقنا، مترقبين إحدى الحسنيين برحابة صدر ورباطة جأش، وفي تلك اللحظات العصيبة وذهولنا من الموقف، شقتِ الغبارَ بسالة شاب ارتدى رايةَ الشجاعة الحسينية، انطلق بسرعة وجرأة كبيرتين، ليقف وجها لوجه وبثبات كالجبل الأشمّ أمام طوفان النار المرتقب، أطلق صاروخه وجعل العدو كالفراش المبثوث، ليتهاوى بعدها جسده الممزق بالشظايا فوق ثرى وطنه المقدس، كأنه يسجد شكراً لخالقه الذي حباه بوسام الولاء والخلود الأبدي، فقلت بفخر: "هكذا الرجولة وإلا فلا، أفعال لا أقوال".

انجلت الغبرة والنار المستعرة في العجلة المفخخة، تعانق حر الصيف وتزيده لهيبا، أسرع رفاقه ليسعفوه، وبلا شعور عدوت خلفهم لعلي أحظى بتقبيل جبين هذا البطل، فمنعوني من الاقتراب؛ لأن وضعه حرج للغاية، ابتعدت وفكري مشغول بما دار من أحداث، أحضروا الجريح إلى المعسكر، وهم يتهامسون (إنه يلفظ أنفاسه الأخيرة)، فنزيف الدم لم يتوقف، خطَتْ قدماي بتثاقل فوق رمال حمراء كالياقوت، وأنا أسير بين جموع متجمهرة حول أسطورة عشرينية، رأيت قمراً توشح بدماء طاهرة، مسجّى على ظهره، ونزيف دمه يتدفق بغزارة من كل أنحاء جسمه، يأبى التوقف، كأنه يروي عطش الفرات.

اختنق الصراخ في حنجرتي كأنه يواسيني، وبكاء رفاقه بلغ عنان السماء، فسمعت صوتاً ضعيفاً متقطعاً يخرج بصعوبة مع أنفاسه اللاهثة سأقف مرفوع الرأس أمام من نادى: (ألا من ناصر ينصرنا؟) أغمضَ عينيه ببطء وهو يتمتم: (لبيك يابن رسول الله لبيك).       

فاضت روحه بيننا، واعتصر الوجع قلوبنا، علا صوت نحيبنا، وأنا أقول: "ما أشبه اليوم بالأمس"، رفعت رأسي إلى السماء أرمقها بنظرة لوعة وانكسار، وأصرخ: "إلهي يا قوي، ألهمنا القوة والصبر".

بكينا كثيرا وأنا أحتضنه بحرارة، وفي تلك اللحظات، لاح لي كف مقطوع، ورضيع مذبوح، تحملهما امرأة بهيبة ووقار، كأنها تنظر لي وتقول: "هذه قرابين العقيدة".

انتفضتُ أرتعش، وفي جسدي قشعريرة غريبة أثلجت صدري، ورسمت على ملامح حزني ابتسامة جديدة لن تُهزمَ أبد الدهر، نهضت وأنا أقول لأصحابه "يا شموع الوطن! احملوا قربان العقيدة عاليا"، هَمُّوا بحمله فطلبت منهم التريث قليلا؛ فأنا أود أن أقبّله بين عينيه، وأشم عطر الجنان في نحره، انحنيت أمسح الدم والتراب من على محيّاه، فأشرق وجهه في عيني، فإذا به ولدي علي!.

العراق
الارهاب
الحشد الشعبي
الوطن
قصة
الشهيد
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    الوقاية خير من العلاج..  ثقافة غائبة في مجتمعنا؟

    الوقاية خير من العلاج.. ثقافة غائبة في مجتمعنا؟

    الثلاثاء 17 آذار 2020/
    ما بين التظاهرة والتظاهر

    ما بين التظاهرة والتظاهر

    الأربعاء 27 تشرين الثاني 2019/
    مِدادٌ من دَمي

    مِدادٌ من دَمي

    السبت 06 تموز 2019/
    سيدة الضمير

    سيدة الضمير

    الأثنين 15 نيسان 2019/
    زفاف إلى مشنقة

    زفاف إلى مشنقة

    السبت 06 نيسان 2019/
    خُبزٌ برائحةِ الفَجر

    خُبزٌ برائحةِ الفَجر

    الأحد 31 آذار 2019/

    آخر الاضافات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)

    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا

    كيف نتعامل مع الكمالية؟

    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الصاحب ساحب... حين تصنع الصداقة مصير الإنسان

    التعلّم النشط: أساليب تصنع المشاركة والإبداع

    هل تكشف ملامح الوجه عن نقص الحديد في الجسم؟

    آخر القراءات

    تقتل 700 ألف شخص كل عام.. انواع جديدة من البكتيريا تهدد صحة الإنسان.. كيف يمكن الوقاية منها؟

    النشر : السبت 24 حزيران 2017
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    قرارك الأناني.. يسرق خياراتها ويصفد روحها

    النشر : الأربعاء 17 آب 2022
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    النموذج الدنماركي للحد من كميات الطعام المهدرة

    النشر : الأثنين 06 تشرين الثاني 2017
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    ماهو سبب عزوف الشباب الجامعي عن الزواج؟

    النشر : السبت 23 حزيران 2018
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    آلةُ الزمن!

    النشر : الأربعاء 19 آب 2020
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    التقوى بين جناحي الحب!

    النشر : الأربعاء 27 كانون الأول 2017
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    من يملك وقتك؟

    • 534 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 493 مشاهدات

    تورّم القدمين وانتفاخ الجسم.. متى يصبح احتباس السوائل مؤشراً للخطر؟

    • 335 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. الشاهد الأول والضحية الأولى لأحداث السقيفة

    • 331 مشاهدات

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    • 331 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. رائدة الثورة وشهيدة الولاية

    • 326 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1573 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1175 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1028 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 801 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 719 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 554 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)
    • منذ 8 ساعة
    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا
    • منذ 8 ساعة
    كيف نتعامل مع الكمالية؟
    • منذ 9 ساعة
    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام
    • منذ 9 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة