• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

حين ينهض القلب قبل الجسد

زينب شاكر السماك / الخميس 14 آب 2025 / اعلام / 1472
شارك الموضوع :

حين يطرق الحسين بابك، لا تسأل كم الطريق طويل، ولا كم الجهد عسير، ولا إن كان جسدك يحتمل

كنت جالسة في مكتبي ذلك الصباح، أراجع بعض الأوراق على عجل، حين جاءت زميلتي وجلست أمامي بصمت غريب. لم تبدأ بالتحية المعتادة، بل أخذت نفساً عميقاً وقالت بصوت هادئ وكأنها تريد أن تفرغ شيئاً يثقل قلبها: "والدتي هذه السنة ليست بخير… صحتها ضعفت كثيراً." رفعت رأسي إليها وأنا أرى في عينيها ذلك اللمعان الحزين الذي يعرفه كل من يخاف على أمه، ثم تابعت وهي تحاول أن تحافظ على ابتسامتها: "أمي كانت تنتظر أيام الأربعين من العام إلى العام كما ينتظر الطفل عيده، كانت تعدّ الأيام بشوق، وتبدأ التحضيرات قبل الزيارة بأسابيع، تفرش السجادات في الصحن الصغير أمام البيت، تنظف الزوايا بعناية، ترتب الأواني الكبيرة على الرفوف وكأنها ترتب قلوبنا جميعاً لاستقبال الضيوف، وتظل واقفة على الباب تنتظر الزائرين كمن ينتظر موكب الملوك… لكن ملوكها لم يكونوا يلبسون التيجان، كانوا يأتون حفاة أو بأحذية غبراء، يحملون في وجوههم نور الطريق وفي أقدامهم غبار المسير".

سكتت لحظة ثم أضافت: "أما هذا العام، فقد اضطرت أن تلزم الفراش، قالت إن جسدها لم يعد يحتمل، وإنها لن تستطيع أن تخدم كما كانت تفعل، وكنت أراها تحاول أن تتقبل الأمر وكأنها تواسي نفسها."

كنت أصغي إليها وكأنني أسمع قصة عن زمن بعيد، عن امرأة كربلائية الروح حتى النخاع، لكن زميلتي فجأة اقتربت بصوتها مني وكأنها تهمس بسرّ عظيم: "لكن ما حدث لم يكن عادياً أبداً… رن الهاتف، كان أحد أقاربنا يخبرنا أن هناك مجموعة من الزائرين وصلوا ويحتاجون إلى مأوى، ولم يكد ينهي جملته حتى رأيت أمي، التي كانت منذ أيام تئن من التعب، تقوم من فراشها باندفاع رتبت خمارها بسرعة، وارتدت عباءتها، وتحركت بخفة وكأنها لم تعرف المرض يوماً، لم نلحق بها وهي تقول: الحسين ناداني، وخدمته شرف لا يُرفض… دعاني إمامي، وأنا تحت أمره." قالتها بلهجة يقينية لا تقبل نقاشاً، وكأنها تلقت أمراً من قلبها قبل أذنها.

ظللت أنظر في وجه زميلتي وأنا أستشعر حرارة تلك الجملة، شعرت أن ما حدث مع أمها أكبر من مجرد قصة عاطفية، كان أشبه بنداء غيبي، نداء لا يسمعه إلا من عاش ولاء الحسين (عليه السلام) في أعماقه، نداء لا يُقاس بقوة الجسد، بل بصدق الروح. لم تنهض تلك الأم لأنها استردت عافيتها فجأة، بل لأنها استجابت لنداء أكبر من الألم، لأن اسم الحسين (عليه السلام) أيقظ فيها طاقة أعمق من حياة الجسد، ولأن خدمة زواره عندها عبادة لا يوازيها عمل آخر.

كنت أسمعها وأشعر أن زيارة الأربعين ليست حدثاً نراه في الشوارع والمواكب فحسب، بل هي امتحان شخصي لكل فرد، امتحان يكشف أين يقف قلبك حين يطرق الولاء بابه. هناك من يوفَّق للسير إلى كربلاء، وهناك من يوفَّق لخدمة الزائرين، وهناك من يكون نصيبه دمعة صادقة أو دعاء من بعيد، وكلها استجابات لنداء واحد، لكن الموفَّق هو من يجيب دون تردد. أدركت حينها أن ما حدث مع والدة زميلتي ليس أمراً عابراً، بل هو جزء من معجزة الأربعين، تلك المعجزة التي تجعل القلوب تسبق الأجساد، وتجعل الضعفاء أقوياء، والمرضى عاملين، والبعيدين قريبين.

وأنا أستمع، كنت أتمتم في داخلي: كم مرة مرّ بنا هذا النداء ولم نسمعه؟ كم مرة اختبأنا خلف أعذارنا ونحن نعلم أننا لو قلنا "لبيك" لفتح الله لنا من القوة ما لا نملك؟ الأم المريضة لم تتردد، لأنها تعرف أن الامام الحسين لا يدعو عبثاً، وأن خدمته شرف يُمنح مرة وقد لا يمنح ثانية. في تلك اللحظة، شعرت أنني أمام درس حيّ في الولاء، درس يقول إن المحبة الحقيقية للحسين لا تعرف شروطاً ولا تنتظر ظروفاً مثالية، إنها جاهزة دائماً لأن تنهض، حتى من فراش المرض، وتقول: "أنا تحت أمرك يا سيدي."

أنهت زميلتي حديثها، لكن كلماتها لم تنتهِ في داخلي، بل بقيت تدور في أركان قلبي كما يدور الزائر حول الضريح، كلما وصلت إلى جملة "الحسين ناداني" شعرت برجفة، وكأن هذه العبارة ليست مجرد حكاية سمعتها، بل نداء شخصي يطرق باب روحي. أدركت أن زيارة الأربعين ليست موعدًا سنويًا محفوظًا على التقويم، بل هي زمن خارج الزمن، فيه يُمتحن صدق العشق، وتنكشف النوايا على حقيقتها.

ذلك النداء الذي سمعته أمها ليس حكرًا على آذانها، إنه يمرّ على قلوبنا جميعًا، لكن بعضنا يصغي، وبعضنا يصمت، وبعضنا يتظاهر بأنه لم يسمع. الحسين لا ينادي الأجساد فحسب، بل ينادي الأرواح التي لم تُطفأ فيها شعلة الولاء، الروح التي ما زالت تعرف الفرق بين النداء من السماء والنداء من الأرض.

إن زيارة الأربعين ليست فقط مشيًا على الأقدام نحو كربلاء، ولا فقط موائد ممتدة لخدمة الزوار، إنها قبل كل شيء حالة من الصفاء، لحظة يتداخل فيها زمن أبا الشهداء بزمنك أنت، فتشعر أن حياتك كلها امتحان واحد، إما أن تجيب: "لبيك" أو تصمت. وكل "لبيك" تُقال من القلب، تُكتب في سجل العاشقين، حتى لو لم يرَها أحد.

حين يطرق الحسين بابك، لا تسأل كم الطريق طويل، ولا كم الجهد عسير، ولا إن كان جسدك يحتمل… اسأل فقط قلبك: هل تستطيع أن تقول "لبيك"؟ فإذا أجابك قلبك قبل لسانك، فقد وُفِّقت، وكنت من أولئك الذين لا يحتاجون لموعد أو استعداد، لأنهم دائمًا في حالة استعداد، حتى ولو كانوا على فراش المرض.

هكذا، وأنا أستمع لزميلتي، شعرت أن قصة أمها لم تكن قصة خاصة بعائلة واحدة، بل هي مرآة لكل قلب ما زال حيًا بولاء الحسين (عليه السلام)، وكل من يعرف أن نداء الأربعين قد يأتي فجأة، وقد يكون آخر نداء في العمر… وحين يأتي، لن ينفعنا إلا أن نكون على أهبة أن نقولها بصدق: لبيك يا حسين.

الشيعة
الايمان
الحب
قصة
الولاء
زيارة الاربعين
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    الأربعاء 15 تموز 2026/
    رحلات يومية لا تحتاج إلى حقائب

    رحلات يومية لا تحتاج إلى حقائب

    الأحد 05 تموز 2026/
    هيهات منا الذلة… عاشوراء من الصرخة إلى المعنى

    هيهات منا الذلة… عاشوراء من الصرخة إلى المعنى

    الأثنين 29 حزيران 2026/
    أنا كربلاء… ذاكرة الدم والخلود

    أنا كربلاء… ذاكرة الدم والخلود

    الخميس 18 حزيران 2026/
    صناعة المحتوى… حين تتحول الفكرة الصغيرة إلى وطن كامل

    صناعة المحتوى… حين تتحول الفكرة الصغيرة إلى وطن كامل

    الثلاثاء 09 حزيران 2026/
    غدير خُمّ: العقد الذي لم يُوقَّع بالحبر

    غدير خُمّ: العقد الذي لم يُوقَّع بالحبر

    الثلاثاء 02 حزيران 2026/

    آخر الاضافات

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني

    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت

    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟

    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين

    الأربعين موسم للتغيير وبناء الإنسان

    زيارة الأربعين: من استذكار الشهادة إلى تجديد العهد

    الغرض الحقيقي من إدارة الوقت

    تراجع جودة الهواء.. كيف يؤثر التلوث على صحة الإنسان ومتى يصبح الخروج إلى الخارج خطراً؟

    آخر القراءات

    ماهي أسباب سقوط قوم عاد؟

    النشر : الخميس 06 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    المرأة وجدلية خوضها المضمار السياسي

    النشر : الأربعاء 23 آب 2017
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    السيدة الزهراء.. انموذج رائع للحياة كريمة خالية من المشاكل

    النشر : الأحد 22 كانون الأول 2024
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    تربية الأطفال..بين القول والفعل

    النشر : الأربعاء 13 كانون الأول 2017
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    مسجد السيدة الزهراء.. بين الموالاة والبراءة

    النشر : السبت 23 تشرين الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    قصة عشق.. ليت الذي كان لم يكن

    النشر : الأربعاء 15 آذار 2017
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 457 مشاهدات

    التربية في مدرسة النبي محمد

    • 339 مشاهدات

    نذر على الطريق.... لكل خطوة حكاية عطاء

    • 321 مشاهدات

    دراسة: حقن إنقاص الوزن قد ترتبط بزيادة خطر تساقط الشعر

    • 305 مشاهدات

    كرامات لا تنتهي.... لأبي الفضل العباس

    • 305 مشاهدات

    الرأس الشريف بين الكوفة والركب الحسيني

    • 302 مشاهدات

    الأسرة وادارة الأزمات .. الأسرة الحسينية نموذجا

    • 1131 مشاهدات

    نِداء اليقين

    • 1077 مشاهدات

    نهجُ السجّاد: منارُ الثبات وميثاقُ الإنسانية

    • 921 مشاهدات

    الخير كله بخدمة الحسين.. حصاد برنامج شهر محرم في حسينة الامام الحسن

    • 870 مشاهدات

    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    • 792 مشاهدات

    صدى الكبدِ المقطّعة: مأساةُ السبطِ في طشتِ الغدر

    • 640 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني
    • منذ 18 ساعة
    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت
    • منذ 18 ساعة
    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟
    • منذ 18 ساعة
    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين
    • منذ 18 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة